منبر العراق الحر :كثيرا ما يقع الخلط بين الاسم والهوية عند قراءة التاريخ؛ فالتسمية التي تظهر في مصدر معين لا تعني بالضرورة أن الجماعة أو المجتمع بدأ عند تلك اللحظة، كما أن تغير الاسم لا يعني بالضرورة انقطاع الاستمرارية بين الماضي والحاضر، ومن هنا تأتي أهمية النظر إلى تاريخ كوردستان الكبرى بوصفه تاريخا طويلا من التراكم والتحول، لا مجرد سلسلة من الأسماء السياسية أو الإثنية المتعاقبة.
إذا نظرنا إلى كوردستان الكبرى من زاوية تاريخية واسعة، نجد أنها لم تكن يوما أرضا خالية أو هامشا ساكنا، بل مجالا بشريا استقر فيه الإنسان منذ عصور بعيدة جدا، وتشير دراسات أثرية عديدة إلى أن مناطق واسعة من زاغروس وشمال بلاد الرافدين شهدت استيطانا بشريا متواصلا منذ عصور ما قبل التاريخ؛ فالتنقيبات الأثرية في مواقع مثل قلعة أربيل، التي يعود أقدم مستواها الاستيطاني إلى الألف السادس قبل الميلاد، وتل براك في غرب كوردستان، وتل باقرتا في اربيل، كلها تظهر طبقات سكنية متعاقبة دون انقطاع كامل؛ وقد تعاقبت على هذه الجغرافيا جماعات وقوى متعددة، لكن ما يلفت النظر هو أن السكان المحليين لم يختفوا في كل مرة تتبدل فيها السلطة أو تتغير التسمية؛ بل ظلت هناك نواة سكانية متصلة، تتفاعل مع الوافدين، وتعيد تشكيل نفسها، وتحافظ في الوقت نفسه على قدر من الاستمرار.
وهكذا يصبح السؤال الأهم ليس: متى ظهر الاسم؟ بل: هل انقطعت الحياة السكانية والثقافية تماما أم استمرت عبر التحول؟ وفي حالة كوردستان، تميل كثير من الدراسات الأثرية والأنثروبولوجية الحديثة إلى دعم فكرة الاستمرارية المتحولة، أي بقاء نواة بشرية وثقافية عبر تغير الأزمنة واللغات والسلطات؛ فدراسات أنماط المسكن الجبلي، واستمرار أسماء قرى قديمة أو نسبيا قديمة في جبال زاغروس (مثل بعض القرى في نطاق جنوب وشرق كوردستان)، وتطابق الممارسات الزراعية والرعوية على المدرجات الجبلية عبر قرون طويلة، كلها تشير إلى وجود تراكم تاريخي لا إلى قطيعة كاملة، مع الإشارة إلى أن توثيق استمرار الأسماء القديمة نفسها – خصوصا القديمة من عصر الميدين أو الأكدية – في شكل مباشر يبقى محدودا وغير مكتمل.
ومن الأخطاء الشائعة في دراسة التاريخ الاعتماد على الأسماء التي أطلقتها الإمبراطوريات أو الجوار السياسي باعتبارها الحقيقة الوحيدة؛ فغالبا ما يكون الاسم الوارد في النصوص القديمة تصنيفا خارجيا أكثر من كونه الاسم الذاتي الدقيق للجماعة نفسها؛ وقد عرفت مناطق وجماعات سكان زاغروس وشمال الرافدين عبر عصور مختلفة بأسماء متعددة؛ فالآشوريون تحدثوا عن الكوتيين واللولوبيين، والفرس القدماء أشاروا إلى الكادوسيين، وذكر زينوفون في كتاباته جماعات الكاردوخ، بينما استخدمت بعض المصادر السريانية تسميات أخرى لسكان المناطق الجبلية، ثم جاءت المصادر العربية الإسلامية لاحقا باستخدام مصطلح “الكورد” بوصفه توصيفا لسكان الجبال والمناطق المرتفعة.
ولا يعني هذا التنوع في الأسماء أن كل اسم يشير بالضرورة إلى شعب جديد منفصل تماما، بل قد يعكس اختلاف الزاوية التي ينظر منها المؤرخ أو الدولة إلى السكان؛ فالمركز السياسي كثيرا ما يطلق أسماء على الأطراف تبعا لوظيفتها أو موقعها أو علاقتها به، بينما تبقى هوية السكان الحقيقية أكثر تعقيدا من هذا التصنيف؛ ولهذا يرى عدد من الباحثين في تاريخ الشعوب الجبلية أن التسميات القديمة لا يمكن قراءتها بمعزل عن التحولات السياسية واللغوية التي مرت بها المنطقة.
والهوية لا تفهم فقط من خلال الاسم، بل من خلال الاستمرار السكاني، واللغة، والعادات، وأنماط العيش، والذاكرة الجماعية. وفي كوردستان الكبرى، نرى أن الأقاليم الجبلية والسهول المحيطة بها شهدت تراكبا طويلا بين جماعات محلية قديمة، وقوى سياسية جاءت لاحقا، وأديان ولغات جديدة، دون أن يؤدي ذلك إلى محو كامل للسكان الأوائل؛ وخذ مثلا طقوس نوروز، ذلك الاحتفال الربيعي الذي يرى عدد من الباحثين أن جذوره تعود إلى عصور ما قبل الزرادشتية، وربما إلى مراحل أقدم ارتبطت بالدورات الزراعية والاحتفالات الموسمية في مجتمعات الجبال؛ هذا الطقس لا يزال حيا في كوردستان الكبرى حتى اليوم، رغم تعاقب الزرادشتية والمسيحية والإسلام على المنطقة، ورغم محاولات بعض السلطات منعه أو تهميشه في فترات مختلفة؛ واستمرار مثل هذه الطقوس عبر قرون طويلة، رغم تغير الأديان الرسمية واللغات السياسية، يمثل دليلا ثقافيا مهما على وجود نواة حضارية أعمق من التسميات العابرة.
وما يجعل الحديث عن استمرارية سكانية أمرا مقنعا في حالة كوردستان الكبرى هو الحجم السكاني والكثافة الاستيطانية التي يصعب اختزالها أو إنكارها؛ فكوردستان الكبرى لم تكن أبدا منطقة صحراوية أو جرداء يمر عليها الغزاة وكأنها طريق عبور خال؛ لقد كانت وما زالت موطنا لملايين البشر عبر التاريخ، يعيشون في الكثير من القرى والبلدات والمدن، ويمارسون الزراعة على المدرجات الجبلية، ويرعون قطعانهم في المرتفعات صيفا وينزلون بها إلى السهول شتاء؛ وهذا النمط المعيشي، المعروف بالترحال الرعوي العمودي، يعد من أقدم الأنماط الاقتصادية والاجتماعية في المجتمعات الجبلية، وقد استمر بأشكال مختلفة حتى الزمن المعاصر في أجزاء واسعة من كوردستان؛ ومثل هذه الكتلة البشرية الكبيرة والمستقرة لا يمكن أن تختفي أو تتبدل جذريا بمجرد تغير الاسم الذي يطلقه عليها المؤرخون أو الدول – المسيطرة – المتعاقبة.
وعندما نقول إن الهوية أسبق من التسميات، فنحن لا نزعم أن الأسماء بلا أهمية، بل نقول إن الاسم هو مرحلة في مسار أطول، وليس بداية التاريخ كله؛ فالتسمية قد تتأخر في الظهور، أو تتبدل بتبدل اللغة المسيطرة، أو تختزل في كتابة المؤرخين، بينما تكون الجماعة نفسها قد عاشت قرونا طويلة قبل تثبيت الاسم بصيغته المعروفة.
ومن هنا يمكن فهم أن مصطلحي ” كوردوئين” و” كورد”، أو غيرهما من التسميات، ليست سوى محطات في تاريخ هوية أوسع تشكلت في بيئة جغرافية متقاربة، وتغذت من ذاكرة مكانية وسكانية ممتدة؛ فالاسم لا يصنع التاريخ وحده، بل يصفه في مرحلة معينة من مراحله، ولهذا فإن البحث عن ” أول اسم” لكوردستان أو لسكانها هو بحث مشروع في سياقه، لكنه لا يكفي وحده لفهم التاريخ، لأنه قد يخفي أكثر مما يكشف.
ومن المهم أيضا ألا نقع في الطرف المقابل، أي أن نتصور الهوية بوصفها شيئا ثابتا لا يتغير؛ فالتاريخ لا يعرف الجمود الكامل؛ لقد حدثت تحولات لغوية ودينية وثقافية وسياسية عميقة في كوردستان الكبرى عبر آلاف السنين، واختلط السكان بجماعات وافدة، وتأثروا بإمبراطوريات متعاقبة فرضت سلطتها على المنطقة، وتبدلت أشكال التنظيم الاجتماعي والقبلي؛ والسكان الذين نعرفهم اليوم لا يطابقون تماما سكان العصر الحجري أو العصر البرونزي، وهذا أمر طبيعي في كل شعوب العالم؛ لكن هذه التغيرات لا تعني بالضرورة انقطاعا؛ فالأصح أن نقول إن الهوية هنا تشبه النهر القديم: يتجدد ماؤه، لكن مجراه العام يبقى ممتدا؛ وبهذا المعنى تكون كوردستان الكبرى قد شهدت تراكما تاريخيا طويلا حافظ على نواة سكانية وثقافية، حتى وإن تبدلت الأسماء واللغات والأنظمة السياسية.
كما تكشف دراسات الأسماء الجغرافية في كوردستان أن العديد من القرى والجبال والأنهار تحمل أسماء لا تعود إلى العربية أو التركية أو الفارسية الحديثة، بل إلى طبقات لغوية أقدم، وهو ما يراه بعض الباحثين مؤشرا على عمق الاستمرارية السكانية والثقافية في المنطقة؛ فالاسم الجغرافي لم يكن دائما انعكاسا محايدا لهوية السكان، بل كان أحيانا جزءا من أدوات السلطة الرمزية؛ إذ عمدت قوى سياسية وإمبراطوريات متعاقبة إلى إعادة تشكيل المجال اللغوي للمكان عبر فرض تسميات جديدة أو تكييف الأسماء القديمة بما ينسجم مع بنيتها الثقافية والإدارية، بينما ظلت الذاكرة المحلية تحتفظ، بدرجات متفاوتة، بطبقات أقدم من الهوية المكانية.
إن قراءة تاريخ كوردستان الكبرى قراءة عادلة تقتضي التحرر من أسر الاسم وحده، ومن وهم القطيعة المطلقة أيضا؛ فالمكان أقدم من التسميات، والسكان أسبق من التصنيفات، والهوية أعمق من اللفظ الذي يظهر في سجل أو نقش؛ لذلك يمكن القول إن الهوية أسبق من التسميات، وإن التسميات ليست سوى طبقات تاريخية لا تلغي الاستمرارية الثقافية والسكانية؛ كما يمكن القول بصياغة أكثر وضوحا: إن المنطقة لم تكن يوما حكرا على اسم واحد، بل كانت فضاء تاريخيا لهويات متداخلة ومتراكمة، وإن الاسم الطارئ أو المفروض لا يلغي الأصل الأعمق.
وهذا ليس نقاشا أكاديميا فقط، بل له انعكاس مباشر على فهم كيفية تشكل الشعوب في التاريخ الطويل، بعيدا عن الاختزالات التي تجعل من النص الواحد أو التسمية الواحدة مفتاحا لكل شيء؛ وهذه القراءة لا تنفي التغير، لكنها ترفض اختزال التاريخ في لحظة اسمية واحدة، وهي بذلك تفتح الباب أمام فهم أكثر إنصافا، يرى في كوردستان الكبرى فضاء تاريخيا حيا تشكل عبر التراكم، لا عبر الانقطاع.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر