منبر العراق الحر :يمر الشارع العراقي اليوم بمنعطف حرج لا يمكن فيه فصل طابور السيارات الذي يمتد لكيلومترات أمام محطات التعبئة، عن الموعد الحاسم المرتقب في الثلاثين من أيلول لحصر ونزع سلاح الفصائل والقوى الموازية. أزمة البنزين الخانقة التي تضرب المدن تحت لافتة المشاكل اللوجستية وتأخر الناقلات في الموانئ ومسألة مضيق هرمز،ليست مجرد كبوة إدارية لوزارة النفط بل هي في جوهرها انعكاس لمعركة كسر إرادات صامتة بين مساعي استرداد الدولة وقوى النفوذ العابر للحدود. يدرك المواطن العراقي وهو يترقب عداد المحطة تحت هجير الصيف، أن أمن الطاقة أخرجوه من سياقه الخدمي ليتحول إلى كارت ابتزاز سياسي ممسوك لإرباك القرار الوطني، وتشتيت الوعي الجمعي عن استحقاقات السيادة الدستورية. إن توقيت شح المشتقات النفطية يثير الكثير من علامات الاستفهام،فبينما تقترب ساعة الصفر لإنهاء النشاط المسلح الموازي وجدولة انسحاب التحالف، تشتعل أزمة وقود مفتعلة لتشكل ساتر حماية أخير لشبكات وقوى اللادولة. الاستراتيجية هنا واضحة ولا تحتاج إلى مواربة: إشغال المواطن بلقمة عيشه وقوت سيارته اليومي، لجر الأنظار بعيداً عن تفكيك منظومات النفوذ. تجد المنظومة المتنفذة المرتبطة بأجندات الجوار، في صناعة الفوضى الخدمية المفتعلة وتجفيف الخزانات غطاءً ممتازاً لتمطيط المهل الأمنية وشراء الوقت، والالتفاف على لحظة الحسم القانوني التي تنتظرها البلاد بنهاية أيلول. تكشف كواليس خطوط الإمداد والممرات البحرية أن النفوذ الإقليمي في العراق لم يعد يتحرك بفوهات البنادق فحسب، بل بات يمسك بـصمامات الخنق الاقتصادي لتركيع بغداد متى ما استشعرت فصائله الخطر. هذه التبعية اللوجستية المقوننة التي رهنت مقدرات البلد النفطية بحسابات الجوار وعقوباته الدولية، هي الوجه الآخر لانتهاك السيادة الدستورية. فعندما تصبح الدولة عاجزة عن تأمين وقود مواطنيها بسبب ارتباط التجهيز بملفات الصراع الإقليمي المشتعل، فإن التبجح بالاستقلال السياسي يصبح مجرد حبر على ورق المانشيتات الرسمية. التحرر الحقيقي للعراق لن ينبثق من وعود الحكومات الفضفاضة، بل من تحرير ملف الطاقة والموارد من سطوة التوظيف السياسي. طوابير البنزين الحالية هي رسالة مشفرة بعث بها قوى اللادوله ومحركه الإقليمي للداخل ومفادها: أي مساس بسلاحنا بعد ثلاثين أيلول سيعني شل حركة الحياة اليومية بالكامل. هذا التحدي يضع القرار العراقي أمام خيارين لا ثالث لهما،إما الخضوع لمقايضة الوقود مقابل غض الطرف عن السلاح والاستمرار في سياسة العجز المقونن، أو الذهاب بشجاعة نحو فرض سلطة القانون وبناء دولة المواطنة. ثمن الاستقلال والسيادة باهظ بلا شك، لكن كلفة البقاء في حظيرة التبعية والعيش تحت رحمة خطوط الإمداد الملغومة تبدو أشد فتكاً بمستقبل العراق.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر