منبر العراق الحر :
لا تخف، لن أطلب منك أن تذهب معي إلى القبر. أريد منك شيئًا أبسط، لكنه أشد قسوة: تخيل فقط أنني متُّ الآن، وأنت تقرأ هذه الكلمات.
انتهت قصتي.
هاتفي يرن ولا أحد يجيب، والغرفة التي كنت أجلس فيها باتت خالية، وكوب الماء الذي شربت منه قبل قليل بقي في مكانه.
سيأتي الناس إلى العزاء. الرجال يحتسون القهوة، وكلٌّ منهم يروي للآخر صفحات من حياته لأنهما لم يلتقيا منذ مدة قد تكون طويلة. والنساء يصنعن الشاي والطعام. يدخل من لم أره منذ سنوات ليقول عني كلمات حب، ويستعرض أشواقه التي أخفاها الجليد المتراكم.
سيقول أحدهم إنني كنت طيبًا، ويذكر آخر موقفًا جميلًا فعلته معه. وسيبكي بحرقة من يؤذيه فقدي فعلًا، وربما يجلس شخص آخر في زاوية بعيدة وهو يشعر في أعماقه بشيء من الراحة لأنني لم أعد جزءًا من حياته.
الجميع سيقول : “رحمه الله”.
ثم ينتهي العزاء، ويعود كل واحد إلى بيته وحياته ومشاكله. ستستمر السيارات في الشوارع، وتستمر الأخبار، وسيستيقظ العالم في صباح اليوم التالي كأن شيئًا لم يحدث.
لكن شيئًا حدث فعلًا:
أنا لم أعد موجودًا.
وهنا تبدأ محاكمتي.
لا أحد في هذه المحكمة يعرفني مثلي. لا أستطيع أن أختبئ خلف الصورة التي صنعتها أمام الناس، ولا خلف الأعذار والأكاذيب التي اعتدت أن أقدمها، ولا خلف عبارة “لم أقصد”. هنا لا تنفعني قدرتي على الإقناع؛ لأن الحقيقة لم يعد بالإمكان إخفاؤها. وأنا أعرف متى كنت مخطئًا ولم أعتذر، ومتى ظلمت إنسانًا ثم أقنعت نفسي بأنه يستحق، ومتى آذيت شخصًا قريبًا مني لأنني كنت غاضبًا، ثم تصرفت في اليوم التالي وكأن شيئًا لم يحدث.
السؤال سيكون:
ماذا فعلت بحياتك؟
لن تنفعني قائمة إنجازاتي، ولا الوظيفة التي حصلت عليها، ولا المال الذي جمعته، ولا الأشياء التي اشتريتها، ولا الصور التي نشرتها.
سيُسأل الإنسان قبل كل شيء: ماذا فعل بالوقت الذي مُنح له؟
كم إنسانًا أصبح أفضل لأنك مررت في حياته؟ وكم واحدًا خرج من علاقتك به أكثر تعبًا وانكسارًا؟ كم مرة اخترت الرحمة وأنت قادر على القسوة؟ وكم مرة اخترت القسوة لأن الرحمة كانت تحتاج منك إلى تنازل؟
ثم يأتي أهلي.
أبي: هل كنت الابن الذي تمنّاه؟
أمي: كم مرة احتاجت إلى مكالمتي، وكنت منشغلًا بأشياء أقل أهمية؟
زوجتي: كم مرة جعلتك تدفعين ثمن غضبي وتَعَبي، ثم تعاملت مع الاعتذار وكأنه تنازل عن كرامتي؟
أطفالي: كم مرة كانوا يريدونني، فأعطيتهم جسدي بينما كان عقلي في مكان آخر؟
أصدقائي: كم عزيزًا خسرته لأن عنادي كان أكبر من قدرتي على قول: “أنا مخطئ”؟
أقاربي: كم خصومة حملتها سنوات، بينما كان يمكن أن تنتهي بكلمة واحدة؟
ثم يأتي السؤال الأصعب:
من ظلمت؟
من السهل أن أتذكر من ظلمني، وكيف شعرت يومها، وربما أستطيع أن أكتب قائمة طويلة بأسماء الذين أخطأوا بحقي. لكن المحكمة لا تسألني عنهم.
المحكمة تسألني عني.
من الذي احتاج كلمة طيبة فبخلت بها؟
من الذي اغتبته؟
من الذي خذلته؟
من الذي كسرت قلبه ثم واصلت يومي وكأن شيئًا لم يكن؟
وهنا تبدأ الأدلة بالظهور:
رسالة لم أجب عنها، اعتذار أجلته، وعد لم أَفِ به، حق أخذته، سر أفشيته، إنسان أحبني فاستخدمت حبه ضده، شخص طلب مني فرصة أخرى فرفضت، وآخر كان ينتظر مني موقفًا صغيرًا فخذلته. أشياء كنت أظن أنها صغيرة، وأن الزمن سيمحوها والناس سينسونها. لكنني نسيتها، بينما ربما ظل أصحابها يحملون أثرها.
ثم أسأل نفسي:
ماذا سيبقى لي بعد أن أغادر؟
لن آخذ معي البيت، ولا السيارة، ولا المال، ولا المكانة، ولا الملابس، ولا الصور. لن آخذ رتبتي وشهاداتي، ولا الأشياء التي قضيت عمري أخشى فقدانها. وسأكتشف أنني كنت أستعد طوال حياتي لخسارة كل شيء، إلا نفسي. وفي تلك اللحظة، حين أقف أمام الله مع صحيفة أعمالي، لن ينفعني أن أقول إن الجميع كانوا يفعلون ذلك، أو أن الظروف دفعتني، أو أنني كنت مجبرا.
سأتذكر قوله تعالى:
﴿هَٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ ۚ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ الجاثية: 29
ثم أعود لأسأل نفسي:
هل كنت مستعدًا؟
لا أعرف.
وربما هذه أقسى إجابة يمكن أن يقولها الإنسان لنفسه.
لكن انتظر.
أنا لم أمت.
وأنت لم تمت.
وهذه هي النقطة التي من أجلها بدأنا كل هذا. ما زالت هناك أم يمكن أن أتصل بها، وأب يمكن أن أجلس معه، وزوجة يمكن أن أعتذر لها، وأطفال يمكن أن أعطيهم وقتي، وصديق يمكن أن أصالحه، وحق يمكن أن أرده، وإنسان يمكن أن أجبر قلبه قبل أن يصبح الاعتذار مستحيلًا.
ما زال بإمكاني أن أغيّر الأحداث
ما زال بإمكاني أن أكتب نهاية مختلفة لهذه القصة.
ربما لا أستطيع تغيير ما فعلته بالأمس، لكنني أستطيع أن أقرر ماذا سأفعل اليوم. أستطيع أن أعتذر قبل أن يتحول الاعتذار إلى أمنية، وأن أسامح قبل أن يصبح التسامح حديثًا مع قبر، وأن أقول “أحبك” لمن أحب قبل أن يصبح الكلام عنه في الماضي.
تعال نموت إذن، ولكن ليس لنخاف من الموت.
تعال نموت قليلًا كي نرى حياتنا من الخارج. كي نكتشف كم من الأشياء التي نتصارع عليها لا تستحق، وكم من الأشخاص الذين نؤذيهم أهم من كل انتصاراتنا الصغيرة.
والآن، تخيل أنك متَّ الليلة.
ثم اسأل نفسك وأنت ما زلت حيًا:
ماذا سيقول الذين تركتهم خلفك؟
ماذا سيبقى منك في ذاكرتهم؟
هل سيحزنون لأنك رحلت، أم إنهم لم يجدوا فيك الشخص الذي كانوا يحتاجونه؟
والسؤال الأخير، وربما الأخطر:
لو كانت هذه آخر ليلة لك، هل ستفعل الأشياء نفسها التي فعلتها اليوم؟
إذا كانت الإجابة نعم، فنم هادئًا. أما إذا كانت الإجابة لا، فلا تنتظر الموت كي تفهم ما ينبغي أن تفعله. لأن المحاكمة لم تبدأ بعد.
أو ربما بدأت.
لكن الحكم لم يصدر.
وأنت ما زلت هنا.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر