الحكيم والناس …محمد جواد الميالي

منبر العراق الحر :
كثيراً ما يتعامل الشارع السياسي مع الأحداث، وكأنها تبدأ من اللحظة التي نعيشها، وكأن ما نراه اليوم لم يسبقه شيء، رغم ان كل الأحداث والمواقف لها مقدمات سبقتها..
تتغير الوجوه والمسميات، فتأتي أجيال جديدة من السياسيين، فتضيع علينا أحياناً صلة الحاضر بما تركه السابقون من تجارب ومواقف، فلا نربط الأحداث بجذورها، أو المواقف بأصلها ورؤيتها الأساسية أو التاريخية..
كما يُنظر لبعض التحركات السياسية والاجتماعية للسيد عمار الحكيم، وخصوصاً حضوره في المضايف العشائرية، ولقاءاته مع مختلف المكونات العراقية، فضلاً عن انفتاحه على المحيط العربي والإسلامي والدولي، وكأنها طريقة جديدة في العمل السياسي، لكن قراءة تاريخ هذه الأسرة تقول شيئاً آخر.
التواصل مع الناس والعشائر والمجتمع، لم يكن طارئاً على مدرسة آل الحكيم.. فمنذ عهد المرجع الأعلى الإمام السيد محسن الحكيم، كان هذا الحضور جزءاً طبيعيا لمهام المرجعية ودورها في المجتمع، فلم يكن بيت المرجع في النجف مكاناً للفتوى والشأن الديني فحسب، بل كان مفتوحاً أمام العشائر ووجهاء المدن والشخصيات الاجتماعية والسياسية، وكانت المضايف جزءاً من المشهد، والتواصل مع الناس وسيلة لفهم المجتمع والتعامل مع قضاياه، لا مجرد نشاط بروتوكولي شكلي.
لم يتوقف ذلك عند حدود العراق حينها، فكانت مواقف السيد محسن الحكيم، من قضايا الأمة أو تجاه قادة المنطقة حينها، كجمال عبد الناصر وشاه إيران، فضلاً عن اهتمامه بالقضية الفلسطينية، أوضح أن المرجعية في ذلك الوقت، كانت طرفاً حاضراً في مساحة أوسع من حدود النجف والعراق، وكانت علاقاتها تمتد لشخصيات دينية وسياسية، وملوك وأمراء في العالمين العربي والإسلامي.
ثم جاء السيد مهدي الحكيم ليحمل جانباً آخر من هذا الدور، الذي مارسه كممثل لأبيه المرجع، واستمر به بعد رحيله، فكان كثير الحركة بين العواصم، يسعى لجمع الكلمة وفتح قنوات التواصل بين القوى الإسلامية والوطنية، ولم يكن حضوره محصوراً في إطار ديني أو اجتماعي ضيق، بل تحرك في مساحة سياسية واسعة، وحتى في محطته الأخيرة في الخرطوم عام 1988، كان حاضراً في سياق من الاتصالات والمساعي المرتبطة بالعلاقات الإسلامية والدولية، قبل أن ينال الشهادة.
أما سنوات المنفى والمعارضة، فأظهرت هذا الدور بصورة أوضح مع السيد محمد باقر الحكيم، الذي جعل من التواصل مع القوى العراقية والإسلامية والدولية، جزءاً من أليات مواجهة النظام السابق، ومحاولة جمع المعارضة العراقية حول قضية واحدة، ليستمر الدور مع السيد عبد العزيز الحكيم “عزيز العراق”، بالحضور في أروقة المعارضة العراقية خارج البلاد، متنقلاً بين العواصم، ومتابعاً لملف العراق مع القوى السياسية والدولية..
بعد عام 2003، انتقل هذا التواصل إلى مرحلة مختلفة تماماً، هي مرحلة بناء الدولة والعمل السياسي في ظل نظام جديد وتعددية سياسية، لم تكن موجودة من قبل.. لهذا فإن حضور السيد عمار الحكيم اليوم في المضايف العشائرية، أو لقاءاته مع المكونات العراقية، أو جولاته واتصالاته العربية والإسلامية والدولية، لا يمكن فصلها عن هذا التاريخ، فهو يتحرك في زمن مختلف، وبأدوات مختلفة، لكن أصل الفكرة ليس جديداً.
قد يختلف الناس في تقييم نتائج هذه التحركات، وقد يكون من حق أي مراقب أن يسأل، عن أثرها السياسي والاجتماعي، وما الذي تنتجه فعلياً على الأرض، وهذا نقاش آخر، يرتبط بالنتائج والظروف وموازين السياسة.
لكن اختزال التواصل مع العشائر والمكونات والمجتمع، بأنه أسلوب جديد ظهر مع السيد عمار الحكيم، أو أنه مجرد نشاط فرضته طبيعة الحياة السياسية بعد 2003، يتجاهل جانباً مهماً من تاريخ هذه المدرسة.
الوجوه تغيرت ووربما الظروف كذلك، وحتى معنى العمل السياسي نفسه.. لكن فكرة أن يكون السياسي قريباً من الناس، وأن لا تكون العواصم بعيدة عن النجف، وأن يبقى التواصل وسيلة للحضور والتأثير، فهي حاضرة في تاريخ آل الحكيم منذ عقود.
ما يفعله الحكيم اليوم، يمثل امتداداً لهذا الخط لا بداية له، فالناس كانوا دائماً جزءاً من هذه الحكاية، وهذا الرجل في النهاية، يحاول أن يكون من الناس وإليهم.

اترك رد