قصة قصيرة ـ..ـ ليلة الوحشة في البصرة….عبدالكريم حنون السعيد

منبر العراق الحر :
في مساء 22 أيلول 1980، بدأت البصرة تفقد بريق أمسياتها شيئًا فشيئًا، حتى انطفأت أضواؤها دفعةً واحدة، كأن المدينة أُطفئت روحها من داخلها قبل أن تخفت ابتسامتها من خارجها، وكأنها لم تكن يومًا تلك المدينة النابضة بالحياة والحيوية والجمال. خلت الشوارع والأسواق في منطقة العشار من المارّة، وسكتت أصوات الباعة، وخلا كورنيش شط العرب من روّاده وعشّاق السهر، كما خلت متنزهات الخورة وحدائق البراضعية من العائلات والأطفال، وأُغلقت بوابات السينما، وأقفر شارع الوطن من المارّة وروّاد المقاهي، وأغلق سوق حنّا الشيخ أبوابه، وتوقفت أصوات الغناء التي كانت تتصاعد من مكبرات الصوت في تسجيلات شرهان كاطع في ساحة أم البروم، وسائر محلات التسجيلات الأخرى، ولم يبقَ إلا صوت الحرب.
كان دويّ المدافع الثقيلة والمدافع المضادّة للطائرات قريبًا ومباشرًا، وأزيز الطائرات يمرّ فوق السماء بوضوح، وصفّارات سيارات الإسعاف تشقّ الطرق بسرعة لنقل الجرحى.
وعبر المذياع والتلفزيون جاء الإعلان عن بدء الحرب، تتخلله أناشيد حماسية وبيانات عسكرية عن نتائج المعارك في الجبهات، بصوت المذيع المعروف مقداد مراد، الذي بدا بنبرةٍ حماسية ثابتة لا تعكس ما يجري في الخارج.
في القسم الداخلي رقم (10)، القريب من شط العرب في العشار، لم يكن لدينا طعام، وكانت القذائف تسقط على مسافة قريبة من البناية، فتجعل الجدران تهتز مع كل انفجار. كان الخوف يدخل مع كل صوت، ويستقر في المكان بلا استئذان. عندها قررنا الخروج بحثًا عن مطعم مفتوح، لكن المدينة كانت قد أغلقت كل شيء؛ فالمحال مغلقة، والشوارع شبه خالية، والناس يتحركون بسرعة دون توقف.
سلكنا طريقنا عبر الأزقة إلى ساحة أمّ البروم. كانت الساحة شبه فارغة: سيارات عسكرية متوقفة، وجنود يجلسون على الأرصفة، وعدد قليل من المدنيين يتحركون على عجل. لا شيء يشبه الحياة المعتادة؛ مجرد حركة مرتبكة وصمت ثقيل.
مع الغروب، اتجهنا إلى مطعم أبي ستار. كان المطعم يعمل، لكن كل ما حوله كان يوحي بعكس ذلك. جلسنا نأكل بسرعة، وكل انفجار في الخارج كان يقطع اللحظة، وكأن ظلّ الحرب يجثم على المكان رغم إغلاق الأبواب.
بعد الخروج، عدنا عبر الأزقة نفسها. وما إن ابتعدنا قليلًا عن الساحة حتى سقطت قذائف داخلها. ارتفعت أعمدة الدخان، واحترقت سيارات، وسقط جرحى من الجنود والطلبة، وتحوّل المكان في لحظة إلى مشهد لا يشبه ما كان قبل دقائق.
أسرعنا باتجاه سوق الهنود بعد تجاوز شارع الكويت، وكان شارعًا مفتوحًا بلا أي حماية، كأنه مكشوف تمامًا للسماء. وقبل الوصول إلى السوق، سقطت قذائف قريبة منه، فاختلط الغبار بالصراخ والارتباك، وصار الطريق مجرد هروب لا أكثر.
واصلنا السير مسرعين نحو بناية القسم الداخلي. وقبل الوصول إليها، سقطت قذائف قرب جامع مقام الإمام علي القريب منها، وكان خاليًا من المصلين.
وصلنا إلى البناية منهكين، والخوف ما يزال عالقًا في الروح، تفضحه ارتعاشة الجسد، ولا يزول حتى مع صوت انغلاق بوابة البناية.
لم نَنَم تلك الليلة. كان صدى كل انفجار يُسمع في القلوب حتى بعد توقفه، وكأن الصوت لا ينتهي، بل يبقى يدور داخل الرأس. كان الليل طويلًا وثقيلاً، لا يشبه أي ليل عرفناه من قبل.
وفي الصباح، مع انبلاج الفجر، خرج الطلبة، بنين وبنات، زرافاتٍ نحو كراج البصرة والزبير، عائدين إلى مدنهم، وقد تركوا البصرة الجميلة وحيدةً، تجود بنفسها في ليالٍ موحشةٍ أخرى تحت وطأة جراح الحرب

اترك رد