منبر العراق الحر :
أتعبني كلّ شيء
كطفل يتقمّص دور “سوبار مان”
فيهزم الأشرار بضربة واحدة من قبصته الصّغيرة،
يحلّق كطائر خرافيّ في أجواء المدينة،
ينقذ طفلته من علبة الشكولاطة رديئة المذاق
وينتظر أمّهُ
لتنقله من سريره إلى الكرسيّ المتحرّك!
أتعبني كلّ شيء
كرجل يرتدي معطفا وثيرا،
يعانق امرأة دافئة
ويشرب الكثير من “الفودكا”
وفي داخله شتاء سَيْبيرِيْ…
أتعبني كلّ شيء
كيساريّ ثمانينيّ
يشرح لثمانينيّ آخر
صادفه داخل المرآة التي يجلس أمامها
أسباب سقوط دولة “البلوريتاريا”
وكيف أنّه خسر كلّ معاركه
وخسر جميع نسائه
ومازال يرفع قبضته المصابة بـ”البانكرسون”
في وجه رفيقه في المرآة
ويسكران في نخب الحبّ و في نخب الكادحين!
أتعبني كلّ شيء؛
أتعبتني
رأسي التي صارت كوّة تطلّ على أعراس الموتى
وعلى حكايات الكتب الصفراء
التي تروي أخبار المدن المسحورة
وأخبار جزر، في أقصى الدنيا، أشجارها تُثمرُ نساءً!
رأسي التي تطفو ككرة في الفراغ
فتنفلتُ من عبث الفكرة كما الزئبق.
أتعبني
وجهي الذي كلّما أهديته لعابر
أعاده لي مكرمشا
وكلّما صببته في قالب فرح
توغّلت فيه الشّقوق عميقا كأديم ظمآن منذ عقود
حتّى ما عدنا وجهان لوجه واحد.
أتعبني
صدري الذي مازال كمدينة “تمبكتو”
تحمل منه القوافل
الملح
والبؤساء
إلى كلّ أصقاع الدّنيا…
أتعبتني
أصابعي التي تنزف أبجديّة سوداء
وتخبّئ فوضاي في جيوب القصائد الجريئة
لأبدو كشاعر جميل تحبّه حبيبته
وليس مصابا برهاب النّساء!
وأتعبتني خطواتي التي أكتبها بقدم وحيدة
ولا طريق لها لتمشي فيه حتّى النّهاية.
أتعبني كلّ شيء؛
أتعبني وجه أمّي العالق بين صمتينا
ولهاثها الأخير
يكشط، عن وجهها، حدائق الورد
ويغرز، عميقا، كلّ الشّوك في وجهي!
أتعبني صراخ أبي العاجز الذي
كلّما فتح بابا للموتْ
أقفلته، بوجهه، الحياة
فصرخ أكثر.
أتعبتني
هذه المدينة التي تسخر من موتاها
وترقص في جنائزهم
كغجريّة مجنونة!
أتعبني كلّ شيء؛
أتعبني هذا البلد جدّا!
آه يا بلدي
كم تمنّيت لو أنّك تكون، ليوم واحد،
من كلّ سّنة
وطنًا!
هذا العالم.. أتعبني
وأتعبتني هذه القصيدة جدّا؛
إنّه تعب مضاعف آلاف المرّات أن تقف بكلّ تعبك الواضح
أمام العابرين.
أتعبني كلّ شيء
حتّى ذاكرتي التي خذلتني
فلم أتذكّر شيئا، تقريبا، من كلّ ما يُتعبُتي!!
هيثم الآمين
منبر العراق الحر منبر العراق الحر