منبر العراق الحر :…. الباحثين،أمين عبد الحي والأستاذة صابري أسماء….المغرب….
لا شك أن كل شخص، سواء أكان دارسًا أو مدرسًا للفلسفة، قد صادف أفكارًا معتمة وسوداوية تمس الفلسفة من الدرجة الأولى، وهي أفكار موروثة عن أجيال سابقة. والدليل الأكبر على ذلك أن الفئات الناشئة التي لم تصادف طيلة مسارها الدراسي مادة الفلسفة تنعتها بما يُتهمها به الآخرون. إن الفلسفة والتفكير الفلسفي، في نظر الغالبية منهم، وهمٌ نشأ عن جهل، تولّد عند قومٍ يعتمدون على الخيال، ومعظم وقتهم كان فارغًا. والحال إذن أن كل من جاد به الحظ ليلتقي بالفلسفة، سينتهي به المطاف إلى الإلحاد أو الجنون، كنيتشه.
لقد بات من الضروري على أساتذة الفلسفة تحرير عقول التلاميذ من ربق كل الأفكار القاتمة الدوغمائية، التي باتت حاجزًا بين المعلّم ومتعلميه، وذلك عبر توضيح الجوانب التي أغفلتها الأفكار النمطية المنتشرة، وأن الفلسفة فكر سامٍ، فهي معرفة تعلّمنا كيف نحيا (savoir vivre)، كما أشار إليها أندريه كونت سبونفيل.
وفي هذا السياق، نستحضر قول مونتيني عن الفلسفة: “الفلسفة هي ما يهيئنا للحياة”.
يمكن أن نقول أيضًا إن المشكل قد لا يكمن في قضايا الفلسفة بحد ذاتها، بل في النتائج التي قد تخلفها: من حرية في التعبير، والتعبير عنها بكل تلقائية وثقة، إضافة إلى تغير في أنماط السلوك وطريقة بناء الأفكار، التي قد تأتي في غالب الأحيان مختلفة ومغايرة للمجتمع. ولعل من أكبر مخاوف المجتمعات العربية، بالخصوص، هو تنوع الأفكار، وبالتالي التغير على مستوى القيم والمعايير الثقافية؛ لأن اختلاف الآراء قد ينتج عنه، في غالب الأحيان، معايير شبه مألوفة. والمجتمعات تواجه نوعًا من الحساسية والتخوف من اندثار الثقافة المألوفة، وبالتالي قد تقع فيما يمكن أن نسميه بـ”الصدمة الثقافية”، لأن التغير في بداياته قد يشعر الأفراد بالتزعزع.
> “فإن الناس قد يصابون بالتشوش والحيرة عندما يجدون أنفسهم في بيئة ثقافية جديدة، لأنهم يشعرون عندئذٍ بغياب النقاط المرجعية التي درجوا على الاستهداء بها في فهم العالم المحيط بهم، كما أن بعضهم، في إبحارهم عبر الفضاءات الجديدة، يكونون أشبه بسفينة فقدت مراسيها.”
وليس من المستغرب أن يواجه مجتمعٌ ما صراعًا في القيم الثقافية إذا كان هناك تباين على مستوى أنماط السلوك، لأن غالبية المجتمعات تفضّل الاكتفاء بما هو موجود، والفلسفة تبحث في هذا الموجود. من جانب آخر، فالفلسفة بتساؤلاتها قد تصل إلى جانب المعتقدات الدينية، والمجتمعات العربية على وجه الخصوص تركّز على قيمة هذه المعتقدات، وتخشى اندثارها وهدمها؛ لأن الفلسفة، في نظرهم، لا تهتم باستقرار المجتمعات، ولا تلتفت إلى مسألة العادات والقيم التي تُعد المضمون الجوهري للثقافة، في حين أن الفلسفة ترفض تشبث الأفراد بعادات وممارسات تناقض العقل والمنطق.
الجميع يدرك أن الفلسفة في بداياتها كانت تضم غالبية العلوم: من الرياضيات والفيزياء، إلى العلوم الاجتماعية والإنسانية، بما فيها علم الاجتماع والنفس، إلى جانب علم الإنسان المعروف بالأنثروبولوجيا. وهذه الأخيرة تركّز على مسألة الثقافة، ومن الأنثروبولوجيين من تطرق إلى مسألة الثقافة، كـ”تايلور” الذي عرفها بكونها: “ذلك الكل المركب الذي يشمل المعرفة، والمعتقدات، والفن، والقانون، والعادات، وأي قدرات وعادات أخرى يكتسبها الإنسان بصفته عضوًا في المجتمع.”
ولأن المجتمعات الصغيرة تفضّل أن تبقى أحادية الثقافة، على أن يكون هناك تنوع وتعدد ثقافي. صحيح أن الثقافة الأحادية والمعتقدات الموحدة تحقق نوعًا من الانسجام والتجانس بين أعضاء المجتمع، وهو ما يمكن أن ننعته بـ”الضمير الجمعي” بتعبير إميل دوركهايم.
لا ننكر أن الفلسفة تخلق نمطًا جديدًا في التفكير، وهو نمط مبني على الحقيقة والمجد وليس الوهم، كما تتهم به. الفلسفة تسعى للبناء وليس للهدم، للتربية لا للتخريب. وما فعله سقراط من تمرد على آلهة اليونان، قام به إبراهيم عليه السلام أثناء تحطيمه أصنام قومه.
وما قد تعلمه الفلسفة لا يوجد بين دروب الحياة، والفلسفة بقضاياها ومواضيعها ليست في سباق أو مسابقة مع الدين. لقد كانت الفلسفة في بداياتها تسائل العقل عن أصل الكون، وهو سؤال يُعد ركيكًا عند الفئات المعتنقة لدين ما، لأن الجواب لديهم هو: الله. ومن البديهي أن يتساءل الإنسان عن وجوده ووجود العالم من حوله، فلو كانت هذه المجتمعات مكان أولئك لتساءلوا نفس أسئلتهم؛ لأن الإنسان، حسب فرويد، يملك رغبة عميقة في وجود أبٍ قوي يحميه من قسوة الحياة.
وهكذا، فإن الخوف من الفلسفة ليس سوى خوف من زلزلة المسلمات وكشف الهشاشة التي تتوارى خلف “الإجماع الثقافي”، وإن ربط الفلسفة بالإلحاد ليس إلا تجليًا لهذا الخوف العميق من التفكير الحر. ومن هنا تبرز ضرورة مساءلة هذا الربط ذاته:
هل حقًا تقود الفلسفة إلى الإلحاد؟ أم أن هذا الاتهام وليد تصورات سطحية وسوء فهم مزدوج لطبيعة الفلسفة وطبيعة الإلحاد معًا؟ للإجابة عن ذلك، لا بد من العودة إلى أصل العلاقة بين الفلسفة والإيمان، كما تجلّت في التاريخ والمواقف الفكرية الكبرى، وهو ما سنحاول تفكيكه فيما يلي:
قلما يُذكر اسم الفلسفة في الأوساط العامة دون أن تُرفق به تهمة الإلحاد، وكأن التفكير الفلسفي باب خلفي للزندقة. هذه النظرة، وإن كانت سطحية، فإنها تكشف عن سوء فهم مزدوج: أولًا لطبيعة الفلسفة ذاتها، وثانيًا لطبيعة الإلحاد كموقف وجودي. وهو ما يقتضي تفكيك العلاقة بين الفلسفة والإلحاد، لا عبر إصدار الأحكام، بل عبر مساءلة الخلفيات، واستدعاء المواقف الفكرية، وكذلك استنطاق تاريخ الفلسفة نفسها:
هل كانت الفلسفة فعلًا طريقًا إلى الإلحاد؟ أم أن الاتهام لا يعدو أن يكون رد فعل ثقافي تجاه العقلانية النقدية؟
الفلسفة منذ بداياتها اليونانية، لم تتأسس بوصفها رفضًا للألوهية، بل بوصفها ممارسة عقلية تسائل الوجود والمعرفة والأخلاق والسياسة. إن سقراط، أحد الآباء المؤسسين للفكر الفلسفي، مات بسبب “إفساد عقول الشباب” و”عدم احترام آلهة المدينة”، لا لأنه كان ملحدًا بالمعنى الإلحادي الحديث، بل لأنه أعاد تعريف “الإيمان” من طقوس جماعية إلى التزام داخلي بالسؤال والفضيلة.
وبالتالي، فالفلسفة لا تلزم معتنقها بإنكار الإله، بل تلزمه بتبرير موقفه، سواء أكان إيمانًا أم إلحادًا. إنها، بعبارة أدق، لا تنحاز إلى موقف ميتافيزيقي بقدر ما تنحاز إلى “شرط التفكير”، أي إلى نقد المسلمات، بما فيها تلك التي تتعلق بالمقدس.
ويفترض أن نفرق بين الإلحاد بوصفه موقفًا أنطولوجيًا (أي نفي وجود الإله) وبين الفلسفة بوصفها أداة تحليل. صحيح أن بعض الفلاسفة انتهوا إلى مواقف إلحادية، كما هو حال دافيد هيوم أو فويرباخ أو برتراند راسل، لكن آخرين كأفلاطون وابن رشد وكانط وديكارت وهايدغر انطلقوا من تساؤلات فلسفية عميقة، أو حتى من منطلقات دينية.
الإلحاد إذن ليس نتيجة حتمية للفلسفة، بل هو أحد المواقف الممكنة التي قد ينتهي إليها العقل بعد تأمل طويل. وقد يحدث العكس تمامًا: فكم من فيلسوفٍ كان إلحاده مُقدَّمًا على تفكيره، يتبناه بدافع أيديولوجي، ثم يسخّر الفلسفة لتبريره.
أما في الثقافة العربية، فيعود ربط الفلسفة بالإلحاد إلى صدام تاريخي مع فكر المعتزلة، ثم لاحقًا مع الفلاسفة الإسلاميين كالفارابي وابن سينا وابن رشد. ففي حين حاول هؤلاء بناء نظام عقلاني يوائم بين الوحي والعقل، تم اتهامهم بالزندقة من قبل تيارات النقل، وأشهرها الغزالي في تهافت الفلاسفة. وقد رسّخ هذا النص تقليدًا من الشك في الفلسفة، بلغ حد نفيها من مؤسسات التعليم الديني.
لكن، الغزالي نفسه لم يكن معاديًا للعقل، بل دعا إلى نقد الفلسفة من داخلها، بينما رد عليه ابن رشد في تهافت التهافت دفاعًا عن شرعية التفكير الفلسفي، مؤكدًا أن “الحكمة صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة لها”. ومع ذلك، بقي الإرث الفلسفي في نظر الكثيرين قرين الانحراف الديني، ونتج عن ذلك وصم طويل المدى جعل من الفلسفة مرادفًا للإلحاد.
أما مع بزوغ الحداثة، فأعادت الفلسفة فتح سؤال الإيمان من زوايا جديدة. فديكارت، مؤسس العقلانية الحديثة، اعتمد على فكرة الله كمبدأ أولي لليقين، وكانط، رغم أنه نفى قدرة العقل على إثبات وجود الإله، أكد على ضرورة وجوده من أجل تأسيس الأخلاق. ثم جاء هيغل ليعيد قراءة المسيحية بوصفها تعبيرًا رمزيًا عن الروح المطلق.
أما نيتشه، فقد أعلن “موت الإله” لا ليؤسس للإلحاد، بل ليكشف عن انهيار القيم التقليدية، وبحث الإنسان عن بديل للمعنى. وهنا يتحول الإلحاد من موقف ضد الإيمان إلى لحظة وعي مأساوي بفراغ الكون من الضمانات الميتافيزيقية.
وإن ما تفعله الفلسفة فعلاً هو زعزعة الوثوقيات، لا لأنها تكره الإيمان، بل لأنها ترفض أن يُفرض كقيد على التفكير. الفيلسوف لا يقول (لا إله) بل يقول: (فكر فيما تؤمن به)، ولا تجعل من الإيمان ذريعة لتوقيف العقل، ولا من العقل ذريعة لاحتقار ما يتجاوز العقل.
وبهذا المعنى، فإن الفلسفة ليست إلحادًا، بل شرط تحرر الإيمان من الخرافة، وتحرر الإلحاد من السطحية. إنها تجبر المؤمن على تعميق تجربته، كما تجبر الملحد على تبرير وجوده في عالم بلا يقين.
ليس صحيحًا أن الفلسفة تفضي بالضرورة إلى الإلحاد، كما أنه من السذاجة القول إن الإيمان يتناقض مع التفلسف.
إن العلاقة بين الفلسفة والإلحاد ليست علاقة سببية، بل علاقة توتر دائم وخصوبة فكرية. الفلسفة في جوهرها هي نداء الحرية أمام كل سلطة معرفية مطلقة. والإلحاد حين يكون ناتجًا عن هذا النداء، لا يُدان كما لا يُحتفى به، بل يُفهم ويُناقش كأي موقف إنساني وجودي.
ولعل أخطر ما في وصم الفلسفة بالإلحاد، ليس في التشويه الذي يصيب الفلسفة، بل في الخوف العميق من التفكير الحر، ذلك التفكير الذي يجعل من الإنسان مسؤولًا عن إيمانه، لا تابعًا له.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر