*كيف أعاد ترامب تعريف الحرب وهو يخسر معناها؟* ناجي الغزي

منبر العراق الحر :…..كاتب وسياسي….
لم يعد خطاب ترامب الأخير، بما يحمله من تناقضات، مجرد تعبير سياسي عابر في لحظة حرب، بل أقرب إلى محاولة لإعادة صياغة رواية انطلقت على نحو مختلف تماماً. رواية فقدت طعمها وملامحها الأولى، ولم تعد تعكس الوعود التي رافقتها في بدايتها، ولا الأهداف التي شُيّدت عليها منذ اللحظة الأولى.
في الأيام الأولى كانت رواية ترامب حادّة وواضحة، تقوم على معادلة بسيطة: ضربة ساحقة، وتفوق جوي مطلق، وانهيار سريع للخصم. كان المشهد يُقدَّم كعملية جراحية دقيقة، محسوبة النتائج، تنتهي بإسقاط النظام أو على الأقل شلّ قدرته بالكامل. لم يكن هناك حديث عن الزمن المفتوح، ولا عن كلفة الاستنزاف، ولا عن تعقيدات الميدان. كل شيء اختُزل في فكرة واحدة هي: الحسم السريع.
لكن الحروب، بطبيعتها، تفضح هذا النوع من اليقين الزائف. فالميدان لا يعترف بالنصوص الجاهزة، ولا يسير وفق السيناريوهات المرسومة سلفاً، بل يفرض منطقه الخاص، حيث تتبدد الادعاءات الأولى، وتنكشف الفجوة بين ما يُقال… وما يمكن تحقيقه.
مع مرور الأيام، بدأت التصدعات الأولى تظهر بوضوح في الموقف الأمريكي. لم يسقط النظام، ولم تتفكك بنيته، ولم تتحول الضربات إلى لحظة انهيار شامل كما جرى الترويج لها. بل على العكس، برزت وقائع ميدانية مغايرة، أظهرت قدرة الخصم على المبادرة والرد، من خلال استهداف القواعد الأمريكية في الخليج، ومحاولات تعطيل منظومات الرصد عبر ضرب الرادارات، بما قلّص من فعاليتها في اعتراض الصواريخ المتسارعة.
وأمام هذا التحول في الواقع، لم يتبدل سلوك ترامب، بل أعاد إنتاج رواية جديدة، تُعيد توصيف ما يجري دون أن تمس جوهر المأزق. تراجع الحديث عن إسقاط النظام، ليحل محله خطاب “إضعافه”، ولم يعد الهدف تغيير إيران، بل إنهاكها. هكذا تبدلت اللغة، وتبدل معها تعريف النصر، فلم يعد يُختزل في لحظة سقوط حاسمة، بل في مسار استنزاف طويل.
غير أن هذا الهدف المعدّل لم يلبث أن اصطدم بحدود الواقع ذاته، الذي أثبت أن الاستنزاف ليس مساراً مضمون النتائج، بل قد يتحول إلى عبء مفتوح، يستنزف الجميع دون أن يقود إلى نهاية واضحة أو حسم فعلي.
تدريجياً تسللت الحقيقة الأثقل: أن الحروب الحديثة لا تُقاس فقط بالفوق الجوي أو المواجهة على الارض، بل بما يحدث في الأسواق، في محطات الوقود، وفي جيوب الناس. حيث ارتفعت الأسعار، واهتزت المؤشرات، وبدأ الداخل الأمريكي يطرح السؤال الأكثر إزعاجاً: لماذا هذه الحرب؟ ولمصلحة من؟
عند هذه النقطة، لم يعد الخطاب موجهاً إلى الخارج، بل إلى الداخل. لم يعد يتحدث عن إيران بقدر ما يتحدث عن طمأنة الأمريكيين. وهنا تحديداً، ظهر التحول الأكثر وضوحاً في الرواية.
قال ترامب إن الولايات المتحدة لا تحتاج إلى نفط المنطقة. عبارة بدت كأنها محاولة لفصل الحرب عن تكلفتها. وكأنه يقول: هذه ليست حربنا… حتى وإن كنا نحن من نخوضها.
لكن في الوقت نفسه، كان هناك حديث آخر يتسلل بين السطور: النفط ومنشآت الطاقة والبنية التحتية. فجأة، لم تعد الحرب فقط حول الأمن، بل حول التحكم بمفاصل الاقتصاد.
ثم ظهرت العقدة الأكثر غموضاً هي البحث عن اليورانيوم.
لم يعد النقاش يدور فقط حول منع إيران من امتلاك سلاح نووي، بل حول البحث عن كمية اليورانيوم المخزنة تحت الجبال، هذه المادة التي أصبحت لغزاً موجودة في مكان ما، غير معروف بدقة. وكأن الحرب، بكل ضجيجها، بدأت تدور حول شيء مخفي لا يُرى ولا يمكن الوصول إليه بسهولة.
هنا تغيّر منطق الحرب بالكامل. لم تعد حرب ردع، ولا حرب إسقاط، بل أصبحت أقرب إلى مطاردة هدف دقيق في فضاء واسع. هدف قد يكون هو المفتاح… أو قد يكون مجرد وهم آخر.
وفي هذا الاحتدام المتصاعد، لم يكن الحلفاء التقليديون يسيرون في نفس الاتجاه. أوروبا بقيادة إيمانويل ماكرون، بدت وكأنها تقف على مسافة محسوبة من هذا المسار. لا تريد حرباً هجومية، ولا تريد الانجرار خلف تصعيد مفتوح. ما تريده هو الاستقرار، أو على الأقل إدارة الفوضى بأقل الخسائر.
أما في الجهة الأخرى، فكان النتن ياهو يدفع في الاتجاه المعاكس تماماً. بالنسبة له هذه ليست حرب أهداف محدودة، بل فرصة للهروب الى الامام، وإعادة تشكيل التوازن بالكامل على أساس جغرافي كما يروج له. حيث لا يكفي إضعاف الخصم… بل يجب كسره.
وهكذا، وجدت واشنطن نفسها بين مسارين: مسار يريد الخروج بأقل الخسائر، ومسار يريد الذهاب إلى النهاية، مهما كانت الكلفة.
لكن أخطر ما في خطاب ترامب لم يكن فيما قاله، بل في التناقضات التي حملها. أعلن النصر… بينما الحرب مستمرة. وتحدث عن التهدئة… بينما لوّح بتوسيع الضربات. قال إن المنطقة ليست مهمة… بينما يواصل الحشد العسكري فيها.
هذه ليست مجرد تناقضات لغوية، بل هي تعبير عن أزمة عميقة، أزمة معنى. عندما تفقد الحرب معناها الواضح، تبدأ الأهداف بالانزلاق. وعندما تنزلق الأهداف، يتحول القرار من استراتيجية إلى رد فعل.

اترك رد