منبر العراق الحر :
بعد طلاقي، عدتُ إلى ممارسة العادة التي أحبها ألا وهي الكتابة فوق السرير.
لستُ متأكدة إن كان السرير أكثر رحابة من المكتب أم أنني فقط أبحثُ عن حضنٍ لم يعد موجودًا.
تمددتُ كما كنتُ أفعلُ قبل عامين، قلتُ في نفسي: لا بأس، ليكن أول ما أكتبه ردّا على رسالة طليقي الأخيرة.
نعم، لقد كتبَ لي رسالة ورقية بخطِ يده، لا شاشة، لا إشعارات، لا صوت.
اضطرَ المسكينُ لحيلةِ الورقِ القديمةِ بعدَ غلقي لوسائل الاتصال بيننا.
الرسالة كانت مطوية بعناية، موشاة برائحة الكاردينيا، خطتها يد تعرف كيف تفاجئني وإن تأخرت.
والمفاجأة الأغرب أنهُ كتبَ بالحبرِ الأحمر.
كم هو لئيم!
يعرف أنه لوني المفضل، ويعرف أن عطر الكاردينيا يُربكني، ويظن أن بذلك قد يقترب خطوة.
والحقيقة؟
لقد اقتربَ خطوتين.
وضعتُ الرسالة جانبًا وذهبت أفتّش في الأدراجِ عن ورقةٍ أردّ بها.
الأدراج كانت شبه فارغة، سوى من بعض علب الزينة وأكسسوارات نسيتها منذ زمن.
لم أجدْ ما أكتبُ عليهِ، فنظرتُ إلى الرسالة، ثم ابتسمتُ…
سأكتبُ على ظهر ورقته.
وماذا في ذلك؟
راقتْ لي الفكرة لا سيما أنني سأكتب بالحبرالأزرق … اللون الذي يكرهه.
قلبتُ الورقةَ بعنايةٍ ..
مسكتُ القلم الأزرق، شعرتُ كأنني أمسكُ بخنجرٍ مغطى بماء بارد.
في السطر الأول كتبتُ:
“الفرص الثانية، يا هذا، غالبًا ما تكون مضيعة للوقت.”
توقّفتُ لحظة.
شعرتُ بنشوة صغيرة، خليط من التحدّي والانتصار.
ثم بدأتُ أكتبُ كلمات أخرى، لا أتذكّر ترتيبها بدقةٍ، كنتُ أكتبُ بسرعة، كما لو أنني أخشى هروب مشاعري قبل أن تمسكها الكلمات.
أردتُ أن أثيرَ غضبه، أن أتركَ بصمتي على ورقته كما ترك هو بصمته عليّ حتى وصلتُ إلى منتصف الورقة تقريبًا. هناك حدثَ ما لم أكن أتوقّعه.
الحروف التي كتبها بالحبرِ الأحمر بدأتْ تتداخل مع كلماتي الزرقاء.
اللونان تزاوجا كأنهما لم ينفصلا يومًا.
بعض الحروف طُمستْ، وبعضها انحرفتْ عن معناها الأصلي، لتخلق كلمات جديدة، هجينة، لا تشبهني ولا تشبهه.
وقفتُ أتأملُ المشهد: الورقة الآن تبدو كساحة معركة.
أحرف مشوّهة، كلمات نصفها لي ونصفها له، ولون ثالث غريب وُلد من بين الأحمر والأزرق، يحمل طيفًا بنفسجيًا باهتًا… بعطر الكاردينيا.
سطرٌ واحدٌ نجا من الفوضى، بقي واضحًا رغم تلوث الحبر حوله.
سطرٌ بدأ به رسالته:
“لقد سئمتُ ظلي الوحيد…”
أيّها الماكر…!
هذه العبارة سرقها من إحدى منشوراتي القديمة.
لكنني لا أنكر…
لو سألتموني عن حقيقة مشاعري لحظتها، لقلت:
أنا… سعيدة.
قرّبتُ الورقة من وجهي…
رائحة الكاردينيا ما زالتْ عالقة بها، رغم تزاوج الحبرين.
اللون الثالث الذي تشكّل أمامي صار مألوفًا … مزيج من العتاب والحنين، من الأحمر الذي أحب، والأزرق الذي يعكر مزاجه.
ضحكتُ بصوتٍ خافت.
يا لسخافة هذا كله.
مددتُ يدي نحو الهاتف.
فتحتُ الإعدادات.
قلّبت اسمه بين أصابعي لحظة، ثم مرّرت إصبعي نحو ” إزالة الحظر”.
لم أضغط بعد، فقط تركت الشاشة مفتوحة أمامي.
أردتُ أن يكون القرار بطيئًا.
وضعتُ رأسي على الوسادة، أستمعُ لأغنية:
“زعلي طول أنا وياك…”
صوت فيروز يعرف كيف يُربك المسافات بين الحنين والعناد.
فتحتُ عينيّ ببطءٍ، نظرتُ إلى السقف، ثم إلى الهاتف بجانبي كما لو أنه ينتظر إيماءة صغيرة مني لينفجر بالاحتمالات.
لم أضغط.
فقط، سحبتُ الشاشة نحو اليسار.
ثم توقفت.
أعدتُ الهاتف إلى مكانه بهدوء…
نهضت من السرير، مشيتُ باتجاه النافذة، وفتحتها قليلًا… دخل هواء رطب يشبه مساءات كنا فيها معًا دون كلمات.
وضعتُ الرسالة تحت وسادتي.
لا أعلم لماذا فعلتُ ذلك.
ربما لأتذكّر، أو لأنني أخبّئ فيها شيئًا لا أعرفه بعد.
كل ما أعلمه الآن…
أنني، للمرة الأولى منذ وقت طويل،
لم أكنْ غاضبة.
ولم أكنْ “بخير” أيضًا.
كنتُ فقط…
مستعدة للانتظار.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر