منبر العراق الحر :
في السياسة الدولية، لا يجلس الضعفاء إلى طاولة التفاوض… بل يُستدعون لتلقّي الشروط. هذه قاعدة يعرفها الجميع، حتى وإن لم تُكتب في كتب العلاقات الدولية. لذلك، فإن مجرد استمرار المفاوضات بين الجمهورية الاسلامية هو بحد ذاته رسالة سياسية مدوية: زمن الإملاءات لم يعد كما كان.
لو كانت واشنطن قادرة على فرض إرادتها بلا كلفة، لما احتاجت إلى جولات تفاوض، ولا إلى مسودات متبادلة، ولا إلى وسطاء وأراضٍ محايدة. كانت ستُملي شروطها وتمضي. لكن الواقع مختلف. الواقع يقول إن طهران لا تُستدعى، بل تفاوض. ولا تستمع فقط، بل تردّ وتُعدّل وتضع خطوطها الحمراء.
تصريح وزير الخارجية الإيراني. عباس عراقچي عن (التفاهم بشأن المبادئ الرئيسية)ليس جملة بروتوكولية عابرة. إنه إعلان أن الإطار لا يُرسم من طرف واحد. الاتفاق على المبادئ يعني اعترافاً متبادلاً بالحدود، وبأن لكل طرف قدرة على التعطيل والمناورة ورفع الكلفة.
وعندما يتحدث الطرفان عن إعداد نسختين من وثيقة اتفاق محتملة فهذه ليست تفصيلاً تقنياً، بل مشهد ندي بامتياز. كل طرف يكتب رؤيته بيده، لا ينتظر نصاً جاهزاً يُفرض عليه. هنا تحديداً يسقط منطق التفوق الأحادي، وتنكسر صورة الطرف الذي يفرض والطرف الذي يذعن. هذا المفهوم التي اسست له الادارة الامريكية وتريد تطبيقه على جميع دول العالم
اختيار جنيف ليس مجرد تفصيل جغرافي، بل رمز لمسار تُدار فيه المواجهة بعقل بارد، لا بضجيج الطائرات ولا بتهديدات المنابر. فالولايات المتحدة، رغم تفوقها العسكري التقليدي، تدرك أن القوة ليست مجرد حاملات طائرات، بل حسابات معقدة للكلفة والردود والتداعيات. وتعرف جيداً تداعيات المواجهة مع الجمهورية الاسلامية ، وإيران، من جهتها، تدخل المفاوضات وهي تدرك حجم خصمها، لكنها تدرك أيضاً حجم أوراقها.وقدرتها في المواجه
غياب الإعلان عن نتائج نهائية لا يعني تعثراً، بل يعكس طبيعة صراع تُحسم مراحله بالتدرج لا بالقفزات. الملفات المطروحة — من العقوبات إلى البرنامج النووي إلى الضمانات المتبادلة — ليست قضايا شكلية، بل عُقد استراتيجية لا تفك ببيان صحفي.
من يراهن على أن التفاوض علامة ضعف، يتجاهل حقيقة بسيطة: لو كان أحد الطرفين في موقع انهيار، لما كان هناك تفاوض أصلاً. كان سيكون هناك استسلام أو إملاء. لكن ما يجري اليوم هو إدارة صراع بين طرفين يدرك كل منهما أن الآخر يملك القدرة على الإيذاء والتعطيل وخلط الأوراق.
نحن أمام مشهد لا غالب فيه ولا مغلوب حتى اللحظة، بل أمام ميزان قوة نسبي يفرض منطقه على الجميع. التفاوض هنا ليس تنازلاً، بل اعترافاً بالقوة. لكلا الطرفين وليس تراجعاً، بل إعادة رسم لقواعد الاشتباك السياسي.
إنها لحظة تسقط فيها أسطورة التفوق المطلق، ويتكرس واقع أكثر تعقيداً: لا أحد يفرض وحده… ولا أحد يُقصى من المعادلة ولا يمكن لارادة الإملاءات ان تفرض نفسها لكل طرف نقاط قوة وضعف واليوم تعلن الجمهورية الاسلامية عملياً تعطيل منطق فرض الإرادات وكسر أحادية القطب التي طالما استندت إليها غطرسة امريكا في إدارة النظام الدولي. فجلوس إيران إلى طاولة التفاوض ليس مجرد خطوة دبلوماسية عابرة، بل هو إعلان سياسي واضح بأنها طرف ند لامريكا ، على أقل تقدير في معادلات الشرق الأوسط، وأن زمن الهيمنة المطلقة لم يعد مسلما به كما كان
سابقا والايام حبلى بالمفاجأت
إنّ التفاوض مع الادارة الامريكية بحد ذاته يعد اعترافاً بمنطق القوة الذي تؤمن به واشنطن. فالسياسة الأميركية، تاريخياً، لا تقوم على مجاملة الضعفاء، ولا على التفاوض من موقع الشفقة، بل على التعامل مع من يمتلكون القوة وأوراق تأثير حقيقية. الولايات المتحدة لا تجلس إلا مع القوى الكبرى أو الدول القادرة على فرض حضورها في المعادلة. ومن هنا، فإن الدخول في مفاوضات معها يعني أن الطرف المقابل لم يُنظر إليه بوصفه ضعيفاً، بل بوصفه رقماً صعباً في ميزان القوة
وهكذا وضعت ايران نفسها في موقع القوة التي تعترف بها امريكا ، ايران اليوم تُعتبر قطباً مؤثراً لا يمكن الاستهانة به، وحضورها على طاولة التفاوض يؤكد وزنها الاستراتيجي الإقليمي والدولي
ختاماً جلوس الجمهورية الإسلامية على طاولة التفاوض ليس علامة ضعف، بل إعلان صريح لموقعها كطرف ند يُحسب له حساب. فالتفاوض هنا ليس تنازلاً، بل اعتراف بالقوة المتبادلة، وإعادة رسم لقواعد الاشتباك السياسي التي طالما حاولت الهيمنة الأميركية فرضها.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر