قصيدة كانت أمي …للشاعر الليبي : مفتاح علواني

منبر العراق الحر :

كانت أمي تُخفي موتها في التفاصيل..
في كوب الشاي الذي تبرده لنا..
في قميصٍ تصلحه كما تفعل بقلقنا..
في سؤالٍ عابر.. أكلت؟
كأنه سؤال نجاةٍ أكثر من الجوع..
لم تكن تبكي أمامنا..
كانت تربّي الحزن كما تربّي دجاجاتها..
تطعمه من قلبها
وتغلق عليه الباب كي لا يوقظنا صوته.
نستيقظ فنجدها قد سبقتنا إلى النهار..
ربما لتتأكد أن الشمس ما زالت في مكانها..
تفتح النوافذ بحذر..
وتغلق عنا أبواب الريح.
لم تكن ترفع صوتها..
غير أن البيت كان يسمعها..
الجدران تستقيم..
الأبواب تكفّ عن الصرير..
والخبز يخجل أن يحترق.
كنا نختلف..
نتخاصم..
نكبر..
نظن أننا صرنا رجالًا ونساءً مكتملين..
بينما هي
تخيط في الخفاء
الشقوق التي نحدثها في بعضنا.
إذا سقط أحدنا
تُسقط عن الأرض قسوتها قليلًا
قبل أن تلتقطه.
لم ننتبه أنها كانت تتآكل..
أن ابتسامتها صارت أضيق..
وخطوتها أبطأ..
وأنها كل ليلة
تسلّم جزءًا صغيرًا من جسدها
للتعب.
وفي يومٍ
لم تعلن فيه شيئاً..
لا بكاء ولا شكوى..
أغمضت عينيها فقط.
دخلنا عليها صباحاً
فوجدنا الهدوء وقد سبقنا…
لم يكن وجهها شاحبًا..
كان خاليًا..
كأنما الحياة سحبت يدها منه
بهدوءٍ شديد.
ماتت..
ولم ينهدم البيت لحظتها
لم نسقط..
لم نتشرّد.
حدث الأسوأ فقط.. صرنا بخير.
نأكل.. نعمل.. نضحك أحياناً..
ننجح.. نتزوج.. ننجب.
وكلّما قال لنا أحد:
(الحمد لله أنكم تجاوزتم الأمر)
نهزّ رؤوسنا موافقين.
وحدنا كنا نعرف الحقيقة..
أننا أعدنا ترتيب البيت حتى لا يظهر الفراغ.
أخذ كل منا دورًا صغيرًا منها..
واقتسمنا صوتها
وصبرها
ومفاتيح النهار.
صرنا أربعةَ عشر جسدًا حزينًا
كما يليق بعائلةٍ نجت..
وأمًّا واحدة ما زالت
تحاول أن تموت فينا ولا تستطيع.

اترك رد