شَدْوُ اللآلِئِ – قصة قصيرة -…فوز حمزة

منبر العراق الحر :
هذا هو الاتصال الرابع الذي تلقَّته من مدير أعمالها هذا المساء، لكنها، مثل كل مرة، تُنهي الحديثَ بالكلمات نفسها:
“لم أَنْتَهِ بعدُ من وضع زينتي، دعهم ينتظرون.”
أغلقت هاتفها، ورمته بعيدًا عنها دون انتظار الجواب.
الفستان الأحمر القصير الذي ارتدته زادها بهاءً، أما عقد اللؤلؤ الأسود الذي أحاطت به جيدَها المرمريَّ، فقد جعلها تبدو كآلهةٍ للجمال. رفعت خصلاتِ شعرها الغجريةَ التي كانت تغطي نهديها، فبدت أكثر إثارةً وفتنة. أحاطت خصرها الرشيق بكفّيها، واستدارت أمام المرآة عدة مرات.
أما سيقانُها البيض، فقد حرصت على الكشف عن أكثر من نصفَيْهما لتبدو أكثر أنوثة. ولمَ لا؟ وهي تملك أروع ساقين.
شعرتْ كأنها فراشةٌ ينتظرُ الربيعُ ألوانَها، شمسٌ ينتظرُ الفجرُ بزوغَها. لم يتبقَّ سوى العطر، قبل أن تخرجَ لملاقاة الجمهور.
صدى خطواتها الرشيقة كان يُعلن عن مقدمها.
وقفت خلف الستارة… بضعُ ثوانٍ، ويصدح صوتُها حتى لتخجلَ البلابلُ من التغريد ثانية.
ستسرقُ الآهَ من الجمهور المحتشد الذي جاء من أجلها، ستحلّقُ بهم إلى السماء، وتُسافرُ بهم إلى النجوم، لينصتوا إلى تراتيلها، ثم ترحلُ بهم إلى أعماق البحار، لتُسمعهم كيف هو شَدْوُ اللآلِئِ.
ولن تعود إلا بعد أن يُمزّق تصفيقُهم الصمتَ ويُبدّده.
هذه ليلتُها… والأحمقُ يُخبرها أنهم سئِموا الانتظار!
فُتح الستار. أرسلت نظراتِها في أرجاء المكان، فعاد يخبرها بالحقيقة:
لا جمهورَ في الصالة، وحدَها تقف على خشبة المسرح!
لم تُدرك من قبل أنَّ للوَحدةِ مخالبَ تنهشُ الزمنَ الذي يمرّ.
فكّرت في الهرب، لكن خانتها خطواتُها.
أدركتْ أنَّ البقعة التي تقف عليها هي آخرُ ما تبقّى من عالمٍ كانت تظن أنها تعرفه.
رويدًا رويدًا، وُلِدَ داخلها خوفٌ، وتناسَلَ في لحظاتٍ، فاهتزّت كلُّ خلايا جسدها حتى شعرت به يسري في شرايينها.
بدأت الغناءَ، لعلها به تمزقُ رايةَ السكون، لكن الفراغَ أعادَ لها صدى صوتها الرائع… خائفًا ووحيدًا.

اترك رد