منبر العراق الحر :
تُعدّ الأحزاب السياسية ركنا أساسيا في البنية الديمقراطية لأي دولة حديثة. فهي الإطار الذي تُصنع داخله النخب، وتتكون فيه القيادات، وتتبلور من خلاله الأفكار والبرامج، كما أنها الوسيط الطبيعي بين المجتمع والدولة. غير أنّ المتتبع للشأن السياسي في السنوات الأخيرة يلاحظ تحولا عميقا في وظائف الأحزاب، حيث بات الهاجس الانتخابي يطغى بشكل شبه كامل على حساب أدوارها الأصلية في التأطير والتكوين وصناعة البدائل.
حيث تعيش معظم الأحزاب اليوم تحت ضغط التنافس الانتخابي المتكرر. فالمواعيد الانتخابية القريبة والرهان على المقاعد يدفعها إلى اختزال العمل السياسي في حملات انتخابية دائمة. وهكذا تتحول الهياكل التنظيمية إلى أدوات للتعبئة اللحظية، بدل أن تكون فضاءات لتنشئة الأعضاء، وتطوير قدراتهم، وصقل وعيهم السياسي.
حين تضعف وظيفة التكوين، يضعف معها إنتاج الأفكار. فالأحزاب التي تتخلى عن المجالات الفكرية، ومراكز الدراسات، ومدارس التكوين الداخلي، تجد نفسها عاجزة عن بلورة برامج سياسية واقتصادية واجتماعية حقيقية. وفي غياب البدائل الجادة، يبرز خطاب شعبوي بسيط يعتمد على الوعود السهلة والشعارات الجاهزة. وهكذا يفقد النقاش السياسي عمقه، ويتحول إلى تبادل للاتهامات أو سباق نحو إرضاء الناخبين آنيا، دون رؤية واضحة
لا يمكن فصل هذا التحول عن أزمة الثقة التي يعيشها المواطن تجاه الفاعلين السياسيين. فحين يرى الناس أحزابا تتحرك فقط خلال الحملات الانتخابية، وتتحدث لغة مختلفة قبل الاقتراع وبعده، يصبح من الطبيعي أن تتراجع المشاركة السياسية وأن يتنامى الشعور باللاجدوى. الثقة تُبنى على المصداقية والاستمرارية، وليس على الظهور الموسمي.
صحيح أنّ التحولات الاقتصادية والاجتماعية الحديثة، وصعود التكنولوجيا، وانتشار شبكات التواصل، كلها عوامل أعادت تشكيل مفهوم السياسة والعمل الحزبي. لكن هذا لا يعفي الأحزاب من مسؤوليتها. فالتجارب الدولية أثبتت أن الأحزاب القوية هي تلك التي تجعل من التأطير والتكوين أولوية استراتيجية، وتستثمر في العنصر البشري، وتفتح المجال أمام الشباب والنساء وذوي الكفاءات، وتربط حضورها الانتخابي بمشروع مجتمعي واضح.
ولا يمكن إصلاح هذا الوضع، إلا بإرادة وتغييرات ملموسة، من بينها:
إعادة الاعتبار لمدارس التكوين السياسي داخل الاحزاب
تجيع البحث وإنتاج الافكار عبر مراكز دراسات حزبية مستقلة ومهنية.
اعتماد الديمقراطية الداخلية لضمان صعود الكفاءات، بدل منطق الولاءات.
ربط الخطاب السياسي بالواقع وليس بالشعارات الانتخابية.
اعتماد سياسة القرب داخل المجتمع ، وليس فقط عند اقتراب الانتخابات.
والتخلي عن الركوض خلف المقاعدوالمكاسب على حساب وظيفتها التاريخية والدستورية في تأطير التنشئة وخلق موقع جاد يحتوي الرأي العام لاستعادة الثقة وجعل الاحزاب مدارس للديمقراطية باعتبارها خدمة عمومية لا سباقا انتخابيا.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر