منبر العراق الحر :….كاتب سياسي…
ما طرحه محمد الحلبوسي في مقابلته الأخيرة لم يأتِ كاجتهاد سياسي عابر، بل بدا أقرب إلى محاولة لإعادة صياغة ذاكرة مرحلة كاملة بلونٍ واحد، وصوتٍ واحد، ومتهمٍ واحد. أُخرج الزمن من سياقه، واقتُطعت الوقائع من ظروفها، وتحوّل تاريخ معقّد إلى رواية مبسطة يسهل تسويقها، لكنها تفتقر إلى العدالة في القراءة. وهنا تحديداً يكمن الخلل… بل يكمن التضليل.
الحلبوسي بنى خطابه على قاعدة واحدة: أن حقبة حكم المالكي كانت كارثة مكتملة الأركان، وأن عودتها تعني إعادة إنتاج الفشل ذاته. غير أن هذا الطرح يتعامل مع تلك السنوات كما لو كانت جزيرةً معزولة، لا يحيط بها بحرٌ من الأزمات الإقليمية، ولا تضربها رياح التحولات الأمنية في المنطقة.
لكن السؤال الأعمق، الذي لم يجد مكانه في الخطاب، هو: هل كانت تلك المرحلة نتاج قرار فردي، أم حصيلة تراكمات داخلية وانقسامات سياسية، وتوترات مجتمعية، وتدخلات إقليمية، وانفجار موجات التطرف بعد الانسحاب الأميركي وتداعيات الحرب السورية؟
اختزال تلك المرحلة في شخص، يعني إلغاء دور بقية الفاعلين، من قوى سياسية، وبيئات اجتماعية، وخطابات تحريضية، وحدود ملتهبة كانت مفتوحة على مصراعيها. وكأن الانهيارات الأمنية تحدث بقرار إداري، لا نتيجة تفككٍ متدرّج في بنية الدولة والمجتمع معاً.
التاريخ لا يُقرأ بهذه الطريقة الانتقائية. لأن تحميل المسؤولية لطرف واحد يريح الضمير السياسي، لكنه لا يقدّم فهماً حقيقياً لما جرى، ولا يمنع تكراره. أما القراءة العادلة، فتبدأ بالاعتراف بأن تلك الحقبة كانت نتيجة أزمة دولة كاملة، لا أزمة رجل واحد، وأن من يريد مستقبلاً مختلفاً، عليه أولاً أن يكون صادقاً مع الماضي، بكل تعقيداته، لا بنسخته المختصرة.
*أولاً: حين يُختزل الإعصار في رجل*
فترة حكم نوري المالكي (خصوصاً الولاية الثانية) لمعة تحت النار، لكن الحلبوسي تعمّد تجاهل تلك السنوات التي تزامنت مع ذروة الاستقطاب الطائفي في العراق، وتصاعد نشاط القاعدة قبل أن تتشكل داعش النسخة الأكثر شراسة منها، وبداية الانفجار السوري الذي فتح الحدود أمام الفوضى والسلاح والمقاتلين، إضافة إلى انسحاب القوات الأميركية وما خلّفه من فراغٍ أمني حساس. لم يكن العراق آنذاك جزيرةً مستقرة، وجاء من يعكّر صفوها، بل كان في قلب زلزالٍ إقليمي يعيد تشكيل خرائط النفوذ والاقتتال.
لكن ما طرحه الحلبوسي في خطابه هو اقتطاع هذه المرحلة من سياقها، وكأنها حدثٌ داخلي صرف، وكأن القرار السياسي وحده كان قادراً على إيقاف موجةٍ إقليمية جارفة، من الإرهاب والمؤامرات. هكذا يريد خداع الرأي العام ويضلل المشاهد، وأن يحول سنوات النار إلى حكاية مبسطة: حاكم أخطأ، فانهار كل شيء. وهي رواية سهلة التداول، لكنها لا تصمد أمام تعقيد الواقع آنذاك.
في تلك السنوات، لم يكن العراق يدير أزماته في فضاءٍ هادئ يمكن التحكم بإيقاعه، بل كان يقف في قلب عاصفة إقليمية تتشابك فيها الحروب والانقسامات والتحولات الأمنية الكبرى. كانت الأحداث تتدفق من خارج حدوده بقدر ما تتفاعل في داخله، ما جعل قدرة أي حكومة على الضبط الكامل محدودة أمام موجةٍ عاتية تتجاوز الإرادات الفردية.
*ثانياً: أين الحديث عن تظاهرات الأنبار 2012؟*
الحلبوسي تحدّث عن الاعتقالات والمظلومية والمخبر السري، لكنه لم يذكر الحقيقة الأهم: أن تظاهرات 2012 في الأنبار لم تبقَ احتجاجات مدنية، بل تحولت تدريجياً إلى بيئة سياسية وأمنية سمحت بنمو الإرهاب. وهذا لم يقوله المالكي… بل قاله: وزير الدفاع الأسبق سعدون الدليمي، ووزير الدفاع الأسبق جمعة عناد، وبعض الشخصيات العشائرية مثل سعيد اللافي وحميد الهايس. كلهم أقرّوا أن: المنصات السياسية في ساحات الاعتصام تحوّلت تدريجياً إلى مظلات وحواضن لمسلحين ضد حكومة المالكي، و يغذيهم خطاب تكفيري. فهل كانت الحكومة مسؤولة؟ نعم جزئياً. لكن هل كانت وحدها؟ قطعاً لا. الحلبوسي يريد أن يحول الدولة بلا ذاكرة… إلا ذاكرة واحدة تخدم خطابه.
*ثالثاً: الحلبوسي وتزوير الذاكرة السياسية*
خطاب القطيعة الذي يروّجه الحلبوسي اليوم ليس شجاعة سياسية، بل تنكّر مكشوف للوقائع. لا الذاكرة تُمحى، ولا التاريخ يُعاد تفصيله حسب الحاجة. صعوده إلى رئاسة البرلمان لم يكن قفزةً منفردة في فراغٍ سياسي، بل جاء على أكتاف تفاهمات وتوازنات دعمتها قوى واضحة، في مقدمتها نوري المالكي ومسعود بارزاني.
الآن يتحدث وكأنه كان خصماً لتلك المعادلة، وليس من أبرز المستفيدين منها. هذا ليس اختلافاً سياسياً مشروعاً، بل إعادة تموضع انتهازية تُحمّل الآخرين كل الأوزار وتغسل يد صاحبها من الماضي الذي صعد عبره.
صحيح أن السياسة لا تُدار بمنطق العواطف، لكنها أيضاً لا تُدار بمنطق التنكّر للوقائع، ولها حداً أدنى من النزاهة. ومن يتقدّم في ظل توافقات الأمس، ثم ينقلب عليها بلغة الإدانة المطلقة، لا يمارس نقداً، بل يزوّر الذاكرة ويتهرّب من مسؤوليته في مرحلة كان جزءاً منها، لا شاهداً عليها من بعيد.
*رابعاً: خطاب الحلبوسي قراءة منقوصة*
خطاب الحلبوسي لم يكن قراءةً للواقع بقدر ما كان إعادةَ ترتيبٍ للذاكرة على مقاس السياسة. لم يقف أمام الماضي ليشرحه، بل مرّ عليه كمن يختار من الأرشيف صورةً واحدة ويخفي بقية الألبوم. بدا وكأنه لا يفتش عن الحقيقة بقدر ما يبحث عن موقعٍ جديد داخل لحظةٍ متوترة.
في حديثه، تحولت مرحلة كاملة من تاريخ العراق إلى مشهدٍ معزول، بلا جذور ولا عواصف ولا حدود ملتهبة من حوله. اختفى السياق، وغابت الجغرافيا السياسية، وتلاشت ظروف الانسحاب الأميركي، وانفجار الحرب السورية، وتصاعد موجات التطرف التي ضربت المنطقة كلها. بقيت صورة واحدة: حقبة مشيطنَة، تُحمَّل وحدها كل أثقال الانهيار.
وعندما أُشيرت أصابع الاتهام نحو الحكومة آنذاك، جرى إزاحة سؤالٍ آخر إلى الظل: كيف نمت تلك الجماعات؟ كيف وجدت خطاباً يحميها، ومساحاتٍ اجتماعيةً تتحرك فيها؟ كيف تحوّلت ساحات الاحتجاج من مطالب إلى منصاتٍ التبست فيها السياسة بالأمن؟ ذلك الجانب ظلّ خارج العدسة، وكأن البيئة التي تمدد فيها الإرهاب لم تكن جزءاً من الحكاية.
ثم يرفع مفردة المظلومية وحدها، منزوعةً من نصفها الآخر. ذُكرت الجراح، لكن لم تُذكر السكاكين التي حملها الإرهاب. استُحضرت المعاناة، وغاب ذكر التنظيمات التي استثمرت فيها وحوّلتها إلى وقودٍ للدم. هكذا بدا المشهد ناقصاً، ضحية بلا جلاد، وأزمة بلا فاعلين غير طرفٍ واحد. لم يكن خطابه تشخيصاً دقيقاً للأحداث ومساراتها بقدر ما كان إعادة صياغة للرواية بشكل معكوس. وليس تفكيكاً للأزمة، بل جاء ببناء سردية سياسية تُستخدم اليوم في صراعٍ جديد. سردية تختار، وتحذف، وتعيد الترتيب، لتنتج ذاكرةً انتقائية، تُدين طرفاً واحداً وتُعفي الآخرين بصمت..
منبر العراق الحر منبر العراق الحر