تداعيات عودة المالكي للمشهد السياسي ….‏محمد النصراوي

منبر العراق الحر:‏
‏تطرح عودة اسم السيد نوري المالكي إلى واجهة المشهد السياسي بوصفه مرشحاً لرئاسة الوزراء تساؤلات بنيوية تتجاوز طبيعة التوافقات داخل الإطار التنسيقي، لتلامس جوهر قدرة النظام السياسي على المناورة في بيئة داخلية وإقليمية شديدة التعقيد، إذ يبدو هذا الترشيح في ظاهره التزاماً إجرائياً بمقررات الكتلة الكبرى، لكنه في العمق يضع الدولة العراقية أمام حرج استراتيجي يمتد من أروقة القرار في بغداد وصولاً إلى عواصم القرار الدولي، فالقراءة الهادئة للمعطيات الراهنة تشير إلى أن الاستحقاق الذي يُراد منه ترتيب البيت الشيعي سياسياً قد ينتهي إلى إنتاج معادلة “الانسداد السياسي” حتى وإن تحقق النصاب العددي، فالمشكلة لا تكمن في آلية التصويت بقدر ما تكمن في “القبول النوعي” الذي يفتقده المرشح على مستويات عدة.
‏على المستوى الداخلي، يواجه هذا الترشيح جداراً صلباً من الرفض الصامت والمعلن، حيث لا يزال موقف المرجعية في النجف الأشرف، والذي تبلور بوضوح في رسالة عام 2014 الشهيرة، يمثل مرجعاً سياسياً وتاريخياً يلقي بظلاله على أي محاولة لإعادة إنتاج الوجوه التي ارتبطت بمراحل حرجة من تاريخ العراق المعاصر، وهو موقف يتجاوز البعد الديني ليصبح مؤشراً على رغبة في التجديد لم يجد صانع القرار في الإطار التنسيقي وسيلة لتجاوزه حتى الآن، يضاف إلى ذلك الانقسام الحاد في المواقف السياسية، إذ يبرز تيار الحكمة برفضه المتحفظ، وموقف السيد الحلبوسي المعلن، كحجر عثرة أمام تمرير الترشيح بسلاسة، فيما يثير صمت أطراف سياسية أخرى قلقاً من نوع مختلف، ففي لغة السياسة العراقية لا يعني الصمت الموافقة بالضرورة، بل قد يمثل حالة من ترقب العاصفة أو انتظار نضوج البدائل خلف الكواليس، وهو ما يعكس هشاشة التوافق الظاهري داخل الإطار نفسه، الذي سجلت أطراف فاعلة فيه، كالحكمة والعصائب، تحفظات مسبقة على هذا الاختيار.
‏إقليمياً، تبدو الصورة أكثر قتامة، خاصة مع التصريحات التي أدلى بها المالكي نفسه حول المواقف السلبية لدول فاعلة مثل تركيا وقطر وسوريا تجاه طموحه السياسي، ما يكشف عن فجوة في “دبلوماسية الجوار” قد تعزل العراق في لحظة يحتاج فيها إلى تصفير الأزمات، وفي حين كان المراهنون يعولون على غطاء إقليمي معين، جاء النفي الإيراني لأي مباركة رسمية للترشيح ليعيد خلط الأوراق، مشيراً إلى أن طهران، وبقية العواصم الإقليمية كالرياض، تنظر بكثير من التوجس لعودة شخصية صِدامية إلى سدة الحكم، أما دولياً، فقد جاءت تغريدة دونالد ترامب ككاشف ضوئي للمزاج الدولي العام، فهي لم تكن مجرد تعبير عن رأي شخصي، بل مثلت إشارة واضحة لشبكة من التحفظات الغربية التي ترى في إعادة إنتاج الأسماء المثيرة للجدل تهديداً لاستقرار العملية السياسية، وتحدياً لخطوط حمر تتعلق بملفات الفساد والإدارة الأمنية السابقة.
‏إن التمسك بهذا الترشيح يضع القوى السياسية الشيعية أمام مفارقة القفز فوق تحفظاتها السابقة التي أعلنتها بالإجماع، ما يطرح تساؤلات جدية؛ فهل يمتلك العراق إمكانية الدخول في أزمة تمثيل جديدة مع محيطه الإقليمي والدولي؟ وكيف يمكن لحكومة أن تعمل بفاعلية وهي تفتقر لمباركة النجف وقبول العواصم الكبرى؟ وهل يمثل هذا الترشيح محاولة أخيرة لتثبيت نفوذ تيار معين داخل الإطار، أم أنه مجرد مناورة سياسية لرفع سقف التفاوض قبل الانتقال إلى “المرشح التسوية”؟ إن الإجابات على هذه التساؤلات ستحدد، ليس فقط هوية رئيس الوزراء القادم، بل قدرة العراق على الحفاظ على توازنه الهش وسط الأمواج المتلاطمة.

اترك رد