منبر العراق الحر :….المقدمة :
1.منذ منتصف القرن العشرين أصبحت استراتيجية الردع إحدى الركائز الأساسية للدول في مجالات الأمن القومي والعلاقات الدولية،وتنطلق هذه الاستراتيجية من مبدأ منع الصراع قبل وقوعه، عبر التأثير في حسابات الخصم و دفعه إلى الامتناع عن السلوك العدائي، من خلال التهديد بعواقب تفوق المكاسب المحتملة.
يقوم الردع على مبدأ بسيط في ظاهره عميق في نتائجه الا وهو منع الفعل قبل وقوعه ولا يتحقق ذلك غالبا عبر استخدام القوة فعليا، بل من خلال التهديد او التلويح باستخدامها، بما يخلق لدى الطرف الاخر قناعة بان كلفة الاقدام على الفعل ستكون اعلى من أي مكسب محتمل. وبين التهديد الصريح والاشارة الضمنية الى امتلاك القوة. تتشكل استراتيجيات الردع كأداة سياسية وعسكرية تهدف الى الحفاظ على التوازن ومنعا لتصعيد، دون الانزلاق الى المواجهة المباشرة. وقد ازدادت أهمية الردع بالتزامن مع تطور القدرات العسكرية وظهور أسلحة الدمار الشامل، ما جعل الحرب خيارًا عالي الكلفة لجميع الأطراف.
قد تستهدف الحشود الامريكية في المنطقة إيصال رسالة ردع لطهران للقبول بمبدأ التفاوض على اساس الشروط الامريكية التي تتعلق بالبرنامجين النووي والصاروخي وعلى مستقبل وكلائها بالمنطقة.
2. مفهوم استراتيجية الردع
في اللغة العربية، يعني الردع، المنع والزجر ودفعا لشيء ويقال ردعه عن الأمر أي كفه ومنعه عنه.
يمكن تعريف استراتيجية الردع بأنها سياسة أمنية تقوم على استخدام التهديد والتلويح بالقوة بدلًامن استخدام القوة ذاتها، بهدف التأثير في سلوك الخصم ومنعه من الإقدام على عمل عدائي من خلال التهديد باستخدام القوة. ويعتمد الردع على اقناع الطرف المقابل بان تكاليف الفعل تفوق فوائده.
ويرتكز الردع على فرضية عقلانية الفاعلين الدوليين، حيث يُفترض أنهم يقيمون قراراتهم بناءً على حسابات الكلفة والتأثير. ومن هذا المنطلق،يسعى الردع إلى الحفاظ على الوضع القائم ومنعا لتغيير القسري في موازين القوى.
ويستخدم الردع في السياقين، العسكري للحيلولة دون نشوب صراع، والجنائي (إجراءات عقابية تردع المخالفين للقوانين).
3: أنواع الردع الاستراتيجي
تنقسم استراتيجية الردع في الجال الاستراتيجي عسكري / سياسي إلى عدة أنواع رئيسية تتمثل
– الردع التقليدي: التهديد باستخدام القوات المسلحة التقليدية والقدرات الدفاعية.
– الردع النووي: استخدام التهديد بالأسلحة النووية لمنع أي هجوم، استنادا الى مفهوم الدمار الشامل المتبادل.
– الردع غير المتكافئ / غير المتناظر: استراتيجية الدول الأضعف باستخدام أدوات غير تقليدية(طائرات مسيرة بدون طيار، هجمات سيبرانية ،حروب عصابات) لألحاق الخسائر بالخصم الأقوى.
– الردع الممتد: يقصد به حماية الحلفاء، تعهد الدول الكبرى بحماية حليف لها بحيث يعتبر العدوان على الحليف عدوانا عليها.
4: شروط تحقيق استراتيجية الردع
تتطلب فاعلية استراتيجية الردع توافر مجموعة من الشروط الأساسية:
– القدرة الفعالة: امتلاك القدرة العسكرية الحقيقية القادرة على تحقيق الردع ومنع العدو من تحقيق استراتيجيته.
– المصداقية: يجب ان يعتقد الخصم بان الطراف الرادع سينفذ تهديده ولن يتردد.
– معرفة الخصم: معرفة نقاط قوة وضعف الخصم وفهم دوافعه لتقدير تكاليف هجومه.
– المباغتة والسرعة: سرعة التهديد وتنفيذه يمنع الخصم من التفكير في المغامرة.
– الاستعداد لتحمل المخاطر: جاهزية الدولة الرادعة لتحمل عواقب تنفيذ تهديداتها.
– التواصل الواضح: إيصال رسائل حازمة لا لبس فيها بشأن الخطوط الحمراء وعواقب تجاوزها.
5. الشروط الأمريكية :
تتحشد القوات البحرية الامريكية من حاملات الطائرات والمدمرات والغواصات في خليج عمان وبحر العرب وفي المحيط الهندي فضلا عن وجود قواتها البرية والجوية في قواعدها في منطقة الشرق الأوسط.
تتوخى الولايات المتحدة من هذا الحشد البحري والجوي، أجبار الجانب الإيراني عبر وسائل الضغط والتلويح باستخدام القوة للقبول بالشروط الأتية:
– تفكيك البرنامج النووي بالكامل مع رقابة دولية كاملة ومستمرة.
– تسليم 400 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب وخفض المخزون التشغيلي منه الى الصفر.
– تفكيك البرنامج الباليستي الإيراني بالكامل، من مصانع وسلاسل انتاج الصواريخ.
– وقف كامل للبرنامج الصاروخي يشمل الطائرات المسيرة والصواريخ الجوالة.
– تفكيك كامل المليشيات التابعة لإيران في المنطقة ووقف دعمها تسليحا، تدريبا واستشارة وتمويلا.
6.الموقف الإيراني :
الموقف الإيراني يقوم على استراتيجية مزدوجة: الانفتاح المشروط على الدبلوماسية مع الاستعداد الكامل للمواجهة العسكرية. وتدرك طهران أن القبول غير المشروط بالشروط الأمريكية يعني تفكيك عناصر قوتها الاستراتيجية، سواء على مستوى برنامجها النووي، أو نفوذها الإقليمي، أو قدرتها الردعية، ولذلك فهي تستخدم خطابًا تفاوضيًا دون تقديم تنازلات جوهرية.
التصريحات الإيرانية تعكس محاولة ردع مسبق للضغوط الأمريكية والإسرائيلية، مع إرسال رسائل طمأنة إلى الوسطاء الإقليميين بأن إيران ليست الطرف الساعي للحرب.
بالتزامن تتحرك تركيا ودول الخليج من منطلق إدراكها أن أي مواجهة عسكرية ستؤدي إلى عدم استقرار إقليمي واسع، اقتصاديًا وأمنيًا، وهو مايفسر نشاط الوساطات ومحاولات إبقاء قنوات التواصل مفتوحة.
7.الموقف الإسرائيلي:
أما إسرائيل، فهي ترى في أي تسوية دبلوماسية لاتُنهي القدرات الإيرانية تهديدًا مباشرًا لأمنها، لذلك تدفع باتجاه الخيار العسكري، سواء بشكل مباشر أو عبر الضغط على واشنطن. هذا التباين بين الرؤية الأمريكية المتأرجحة بين الضغط والتفاوض،والإسرائيلية الداعمة للحرب، يضع المنطقة أمام سيناريوهات مفتوحة، يكون فيها المسار الدبلوماسي هشًا لكنه لا يزال الخيار الأقل كلفة لجميع الأطراف.
8.الرأي:
يمكن تفسير الحشد البحري والجوي الأمريكي بوصفه تطبيقًا عمليًا لاستراتيجية الردع تجاه إيران، إذ يهدف هذا الحشد العسكري المكثف إلى التأثير في حسابات صانع القرار الإيراني ومنعه من الإقدام على خطوات تصعيدية قد تهدد الأمن الإقليمي والمصالح الأمريكية وحلفائها.
ويعد الحشد البحري في منطقة خليج عمان وبحر العرب والمحيط الهندي، أحد نماذج الضغط والتهديد بفرض حصار بحري على إيران ومنعها من بيع النفط الى الهند والصين وخلق مشاكل اقتصادية إضافية لها.
ويجمع التحرك الأمريكي الحالي بين الردع بالعقاب، من خلال التلويح بالقدرة على توجيه ضربات عسكرية قوية لأهداف منتخبة وبسيناريو يحقق المباغتة بالزمان والمكان وبالأسلوب، وكذلك الردع بالمنع، عبر تقليص فرص نجاح أي عمل عسكري ايراني محتمل، ولا سيما ما يتعلق بتهديد الملاحة البحرية وغلق مضيق هرمز أو استهداف القواعد والقوات الامريكية المنتشرة في المنطقة.
9.الخاتمة :
يأتي الحشد العسكري الأمريكي في إطار استراتيجية ضغط مركّب لا تستهدف الحرب الشاملة بقدر ما توظّف القوة كرافعة تفاوضية لاحتواء السلوك الإيراني وإعادة ضبطه ضمن سقوف محددة. ويشكّل خيار الضربة العسكرية المحدودة، في هذا السياق، أداة ردع انتقائية تهدف إلى تعزيز شروط التفاوض ومنع إيران من تجاوز الخطوط الحمراء الأمريكية، مع الحفاظ على تفوّق ميزان القوة لصالح واشنطن. غير أنّ هذا النهج،القائم على المزج بين الردع والتفاوض، يظل هشًّا وقابلًا للانزلاق نحو تصعيد غير محسوب في حال سوء التقدير المتبادل أو غموض قواعد الاشتباك بين الطرفين.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر