نظرية الفعل التواصلي عند يورغن هابرماس….زهير القريني

منبر العراق الحر :

تُعد مدرسة فرانكفورت من بين أهم المدارس الفلسفية المعاصرة، وما يزيد من أهميتها هو أن ركيزتها الأساسية تتمثل في ‘النقد’؛ هذا الأخير ليس نقدًا مجردًا أو غاية في ذاته، بل هو على العكس تمامًا؛ إذ يمثل تشخيصًا دقيقًا للواقع الراهن وأزماته التي تعرقل مسار العقل الإنساني، لا سيما في سياقه الحداثي. ومن هذا المنطلق، ينصب تركيزنا على أحد أبرز أقطاب هذه المدرسة، وهو الفيلسوف والسوسيولوجي الألماني يورغن هابرماس، الذي يمثل الجيل الثاني من مدرسة فرانكفورت النقدية. ويُعد هابرماس النموذج الأمثل الذي نستطيع من خلاله فهم الأفكار النقدية الجوهرية التي قامت عليها هذه المدرسة؛ فبرغم اجتماع روادها حول منطلقات محورية دفعتهم لتأسيس هذا التيار النقدي، إلا أن ذلك لا ينفي وجود اختلافات ورؤى متباينة بين مفكريها.”
فلم يعد السؤال هل هذا الفعل عادل او أخلاقي بل اصبح هل هذا الفعل فعال يوفر الجهد والمال هذا النوع من العقلانية هو الذي جعل الإبادة الجماعية
هدفنا في هدا المقام هو تسليط الضوء على الفيلسوف والسوسيولوجي يورغن هبرماس من خلال مقاربة الأسئلة التالية
ما السياق الذي دفع بيورغن هبرماس الى وضع نظرية الفعل التواصلي وما ملامح هذه النظرية
وتكمن المفارقة الصادمة في أنه بمجرد أن أصبح العقل أداة للسيطرة على الطبيعة، تجاوز ذلك ليصبح أداة للسيطرة على الإنسان نفسه. فالتنوير، الذي عَرَّفه إيمانويل كانط في مقاله الشهير ‘ما التنوير؟’ بأنه الجرأة على استخدام العقل والخروج من حالة الوصاية (سواء كانت كنسية أو غيرها)، انقلب إلى سبب للانتكاسة؛ إذ أضحى العقل أداة للإنتاج فحسب، مما أدى إلى اغتراب الذات عن موضوعها وعن ‘التجربة المعيشة’.
وهذا التشخيص للأزمة هو ما صاغه إدموند هوسرل أيضاً في كتابه ‘أزمة العلوم الأوروبية’؛ حيث يرى أن العلوم التي طورها العقل، رغم وصولها إلى ذروة التقنية والإنتاج، أصبحت تنظر إلى الإنسان كمجرد ‘شيء’، متجاوزة بذلك ‘عالم الحياة’ (Lebenswelt) الخاص به. وهو ما دفع رائد الفينومينولوجيا إلى تأسيس نسق فلسفي شعاره ‘العودة إلى الأشياء ذاتها’ كما تتبدى في وعي الفرد. وهو السياق ذاته الذي طرقه كل من هوركهايمر وأدورنو في كتابهما المشترك ‘جدل التنوير’، لا سيما في صياغتهما لمفهوم ‘العقل الأداتي’؛ وهو المفهوم المفتاحي الذي يشرح كيف تحول التنوير من وسيلة للتحرر والقيم الأخلاقية إلى مجرد وسيلة حسابية تهتم بالنجاعة التقنية والنجاح المادي فقط.
على الرغم من تأثر يورغن هابرماس بالأفكار النقدية للجيل الأول من مدرسة فرانكفورت، إلا أنه لم يختزل فكره في تلك الأطروحات فحسب، بل انفتح على التراث الفلسفي الألماني الغني؛ فاستلهم من الفلسفة الهيغلية، وفلسفة اللغة، والتأويلية (الهرمنيوطيقا)، والماركسية، والكانطية، وسائر التيارات الفلسفية التي سادت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وفي واقع الأمر، فإن المصادر التأسيسية لنظريته النقدية بدأت أولاً عبر تأثرٍ عميقٍ بفلسفة هايدغر.
ويذهب البعض أحياناً إلى القول بأن هابرماس لا ينتمي فعلياً إلى مدرسة فرانكفورت النقدية لكونه أسس نزعة نقدية جديدة تختلف عما كان عليه الحال مع الجيل الأول، إلا أن هذا الحكم يبدو مجحفاً في حقه؛ فهو يمثل تراكماً معرفياً كبيراً للتراث الألماني، ومنطق التطور التاريخي يقتضي ألا يجيء الجيل الثاني نسخةً مكررةً من الجيل الأول. لقد استفاد هابرماس من تطور العلوم المعاصرة، مما أتاح له تطوير نظريته النقدية ووضعها في نسق شامل وكلي.
ويمكن تقسيم المسار الفكري لهابرماس إلى مرحلتين أساسيتين: مرحلة التأمل الذاتي، وهي المرحلة التي أنتج فيها مؤلفات محورية مثل ‘التقنية والعلم كأيديولوجيا’، و’الفضاء العام’، و’المعرفة والمصلحة’. اتسمت هذه المرحلة بطابع نقدي حاد، وكان فيها متأثراً بشكل مباشر بفلسفة كل من ماركس وكانط.”
أما المرحلة الثانية، فتتمثل في خروج هابرماس من بوتقة ‘التأمل الذاتي’ التي طغت على فكره في بداياته، وهي مرحلة نضج تأسيسية توجها بكتابه الأهم ‘نظرية الفعل التواصلي’. ومن هذا المنطلق، تحول يورغن هابرماس من فيلسوف ينصبُّ اهتمامه على الموضوعات والذات المعزولة، إلى فيلسوف يُعنى بين-الذاتية (Intersubjectivity) والتفاهم والتواصل الاجتماعي بين الأفراد. وكان مشروعه يهدف إلى تأسيس نظرية جديدة تتجاوز ‘التمركز حول الذات’ لترسخ قيم الانفتاح على الآخر والتفاهم معه؛ وهو المسار الذي قاده في نهاية المطاف إلى صياغة شاملة لنظريته في الفعل التواصلي.
لقد جاء هابرماس في سياق فكري واجتماعي خاص وثري؛ فباعتباره ممثلاً للجيل الثاني من مدرسة فرانكفورت النقدية، كان عليه مواجهة الإرث الفكري الذي خلفه الجيل الأول، ولا سيما نقد ‘العقل التنويري’ وتشخيص الانتكاسة التي أصابت الحداثة، والنكوص الذي اعتري العقل عندما تم توظيفه كـ ‘عقل أداتي’ في خدمة الإنتاج الصناعي والمجتمع الرأسمالي؛ ولعل العمل الأبرز الذي جسد هذا التوجه هو كتاب ‘جدل التنوير’ لكل من هوركهايمر وأدورنو.”
في هذا السياق، اغتربت الذات عن موضوعها وأضحى العقل أداتياً (Instrumental) فحسب؛ أي أنه اختُزل في كونه مجرد آلة للإنتاج. وقد شاطر هابرماس الجيل الأول هذه القضية، المتمثلة في نقد ‘العقل الأداتي’. ولكي نفهم نظرية يورغن هابرماس، لابد من تقديم لمحة عن الأفكار الرئيسية التي قدمها كل من أدورنو وهوركهايمر في كتابهما ‘جدل التنوير’؛ حيث ينطلق الكاتبان من مفارقة صادمة: لماذا انزلقت البشرية، التي كان من المفترض أن يحررها التنوير، إلى بربرية جديدة تمثلت في النازية، والفاشية، والحروب العالمية؟
لقد سعى التنوير إلى تخليص الإنسان من الخرافة والخوف، وجعله سيداً على الطبيعة بواسطة العقل، إلا أن المفارقة تكمن في أنه بمجرد أن أصبح العقل أداة للسيطرة على الطبيعة، تجاوز ذلك ليصبح أداة للسيطرة على الإنسان نفسه. فالتنوير، الذي عَرَّفه كانط في مقاله الشهير ‘ما التنوير؟’ بأنه الجرأة على استخدام العقل، انقلب ليصبح هو نفسه سبباً في الانتكاسة؛ إذ أضحى أداة للإنتاج وسبباً في اغتراب الذات عن موضوعها وعن ‘التجربة المعيشة’.
وهذا التشخيص للأزمة هو ما صاغه إدموند هوسرل أيضاً في كتابه ‘أزمة العلوم الأوروبية’؛ إذ يرى أن العلوم التي كان العقل سبباً في تطويرها حتى بلغت ذروة التقنية، أصبحت تنظر إلى العقل كمجرد أداة، وإلى الإنسان كمجرد ‘شيء’، متجاوزة بذلك ‘عالم الحياة’ الخاص به. وهو ما دفع رائد الفينومينولوجيا إلى تأسيس نسق فلسفي شعاره ‘العودة إلى الأشياء ذاتها’ كما تتبدى في الوعي. وهو ذاته ما تطرق إليه هوركهايمر وأدورنو؛ حيث حوّل التنوير العقل من وسيلة للتحرر والقيم الأخلاقية إلى مجرد ‘وسيلة حسابية’ تهتم بالنجاعة التقنية فقط. فلم يعد السؤال: ‘هل هذا الفعل عادل أو أخلاقي؟’، بل أصبح: ‘هل هذا الفعل فعال ويوفر الجهد والمال؟’. وهذا النوع من العقلانية الأداتية هو الذي شرعن تقنياً ممارسات وحشية مثل الإبادة الجماعية.”
“إن هدفنا في هذا المقام هو تسليط الضوء على مشروع الفيلسوف والسوسيولوجي يورغن هابرماس، وذلك من خلال مقاربة الإشكاليات التالية: ما السياق الذي دفع به إلى وضع نظرية الفعل التواصلي؟ وما هي الملامح الجوهرية لهذه النظرية؟
لقد أفضى ‘العقل الأداتي’ إلى تحويل الإبادة الجماعية وتدمير البيئة إلى مجرد عمليات تقنية منظمة تفتقر إلى الروح والأخلاق. وفي هذا الصدد، طرح أدورنو وهوركهايمر التنوير بوصفه ‘أسطورة’؛ وهذا التشبيه ليس عفوياً، بل يحمل نقداً حاداً؛ فإذا كانت الأساطير القديمة محاولة بدائية لفهم العالم والسيطرة عليه، فإن التنوير الحديث الذي ادعى سيادة العقل تحول بدوره إلى أسطورة جديدة ترفض النقد وتفرض وصايتها. ويستحضر الكاتبان رمزية ‘أوديسيوس’ كتشبيه صادم للإنسان التنويري؛ فهو الشخص الذي استخدم مكره للنجاة من قوى الطبيعة، لكنه لكي ينجو، اضطر لقمع غرائزه وتعذيب ذاته، مما يرمز إلى أن الحضارة الغربية قامت على قمع ‘الطبيعة الداخلية’ للإنسان.
ومن هنا، تبلور مشروع يورغن هابرماس؛ حيث كان هدفه الأول هو سد الثغرات التي اعتورت النظرية النقدية لأسلافه. فقد رأى أن أدورنو وهوركهايمر اكتفيا بنقد العقل ومحاكمته دون تقديم بديل حقيقي أو مخرج من هذه الأزمة الوجودية. لذلك، ارتأى هابرماس ضرورة تقديم أطروحة تجاوزية، تمثلت في نظرية الفعل التواصلي كحل لاستعادة فاعلية العقل في جانبه التحرري والتفاهمي.”

ومن بين الروافد التي استقى منها هابرماس مقومات نظريته، نجد علم الاجتماع؛ نظراً لارتباطه الوثيق بتحولات المجتمع وتتبع آليات اشتغاله. وهنا برز اهتمامه بأعمال إميل دوركايم، وماكس فيبر، وتالكوت بارسونز؛ حيث اعتنى بالأخير بشكل كبير في تحليله لنظرية الفعل، كما انكبَّ على دراسة عقلانية فيبر. وإلى جانب السوسيولوجيا، وظَّف هابرماس الفلسفة بمختلف تشعباتها، لا سيما الهرمنيوطيقا (فلسفة التأويل) وفلسفة اللغة؛ وتحديداً نظرية أفعال الكلام عند أوستن وسيرل، التي تتجاوز مجرد نقل المعنى لتحيل على إنجاز الفعل والتواصل، ومنها وجد هابرماس ضالته لتأسيس نظريته حول ‘الفعل التواصلي’.
لقد اجترح هابرماس مفهوماً جديداً للعقلانية أسماه ‘العقلانية التواصلية’، حاول من خلاله تفسير بنية المجتمع المعاصر، محدداً ثلاثة أبعاد ينطوي عليها هذا المفهوم: أولاً، علاقة الذات العارفة بـ ‘العالم الموضوعي’ (الأحداث والوقائع). ثانياً، علاقتها بـ ‘العالم الاجتماعي’ المتميز بالفاعلية والانخراط في التفاعل مع الآخرين. وأخيراً، علاقة الذات بـ ‘عالمها الباطن’ (تعبيرات الصدق والذاتية). ويهدف هابرماس من خلال هذه العقلانية إلى استعادة دور الفلسفة داخل المجتمع، بنقلها من دور ‘القاضي’ المترفع عن العلوم إلى دور ‘المنسق’ و’الحارس’ لشرط التفاهم بين مختلف حقول المعرفة.
ومجملاً، يمكن القول بأن العقلانية التواصلية هي البديل الذي قدمه هابرماس لتجاوز ‘المركزية الذاتية’ نحو أفق تواصل فعَّال بين الذوات انطلاقاً من اللغة. هذا التواصل يجب أن يقوم في فضاء تسود فيه ‘سلطة الحجة الأقوى’ (لا قوة الإكراه)، حيث تُتاح للجميع فرص متكافئة للمشاركة بعيداً عن أي ضغط سلطوي، ويكون الهدف الأسمى هو الوصول إلى إجماع عادل. إن العقلانية التواصلية هي انتقال العقل من كونه أداة للسيطرة إلى وسيلة للتفاهم؛ وهي الممارسة التي تعيد الاعتبار للإنسان بوصفه كائناً لغوياً قادراً على تبرير أفعاله أخلاقياً ومعرفياً، وجعل الحوار أداةً للتحرر وبناء المجتمع.”
يُعد يورغن هابرماس مديناً في صياغته لـ ‘نظرية الفعل التواصلي’ للفلسفة التداولية ونظرية أفعال الكلام التي وضع أسسها كل من أوستن وسيرل؛ وهي النظرية التي تجاوزت سكونية ‘المعنى’ التي كانت مدار البحث عند لودفيغ فيتغنشتاين، لتُحيله إلى ‘فعل’ مُنجَز. وقد نقل هابرماس هذا التحليل من مستواه اللساني الضيق إلى المستوى الاجتماعي لتحقيق تواصل فعّال وتفاهم ‘بين-ذاتي’؛ وهو ما يمثل جوهر مشروعه النقدي والتأسيسي في آنٍ واحد.
ويرى هابرماس أن اللغة ليست مجرد أداة لوصف العالم، بل هي آلية جوهرية لتنسيق الفعل الاجتماعي. ومن هذا المنطلق، استعار مفهوم ‘القوة الإنجازية’ (Illocutionary Force) ليؤكد أن التواصل الناجح يتطلب اعترافاً متبادلاً بـ ‘مطالب الصلاحية’ (الحقيقة، الصدق، المشروعية). وبذلك، تحولت التداولية من دراسة لسياقات اللغة إلى ‘تداولية عالمية’ تؤسس لـ العقلانية التواصلية؛ حيث يُصبح ‘الفعل التواصلي’ هو الفعل الذي يستخدم اللغة للوصول إلى إجماع حر وغير مشوه، محولاً شروط ‘سيرل’ التقنية (كشروط الوعد أو الطلب) إلى شروط أخلاقية وسياسية لبناء مجتمع ديمقراطي يقوم على الحوار بدلاً من الإكراه.”
هكذا يمكن القول بأن يورغن ها مبرماس لم يظل حبيس النقد فقط كما فعل الجيل الأول بل تجاوز هذه المرحلة في افق تقديم حلولا تواصلية من داخل نظريته التواصلية التي سماها نظرية الفعل التواصلي هذه الكتاب ليس كتابا سوسيولوجيا بل يعد نصا فلسفيا تأسيسيا محوريا يحاول ان يعرف العقلانية من جديدة تحت مسمى العقلانية التواصلية التي تهدف الى التواصل مع الاخرين وتفاهم مع ذوات الغير و الخروج من النزعة الذاتية التي سيطرة على العقل الحداثي ودفعته الى انتكاسة ونكوص وتكمن أهمية هذا الكتاب في كونه احدث قطيعة ابستمولوجيا مع فلسفة الوعي الكلاسيكية كان الهدف هو التعريف بنظرية الفعل التواصلي ليورغن هبرماس فأكيد لا يمكن التطرق الى كل أفكاره السوسيولوجيا والفلسفية كاملة
اهم المراجع
بو النور حمدي أبو النور: كتاب “يورغن هابرماس: الأخلاق والتواصل
حسن مصدق: كتاب “يورغن هابرماس ومدرسة فرانكفورت:

 

اترك رد