منبر العراق الحر :
من احتواء الخصم إلى إدارة ميزان القوة العالمي: تشكّل منطق التفوق واختباراته التاريخية
ملخص تنفيذي
هذا الجزء يشرح أن جوهر العقيدة العسكرية الأميركية ليس “الحرب” بحد ذاتها، بل منع نشوء مهيمن منافس عبر تفوق نوعي، وتحالفات ممتدة، وقدرة على إسقاط القوة عالميًا. ويبيّن كيف تطوّر هذا المنطق من الاحتواء في الحرب الباردة إلى إدارة ميزان القوة في مرحلة ما بعد الأحادية، ضمن توترات مزمنة بين الاستقرار والهيمنة، وبين الردع والاستباق. يستخلص النص دروسًا عملية من فيتنام والخليج 1991 والعراق وأفغانستان، وصولًا إلى بيئة المنافسة المعاصرة مع الصين، واختبارات الردع في المسارح الإقليمية مثل الحالة الإيرانية، لينتهي بجسرٍ نحو تفكيك البنية القانونية التي تمنح هذه العقيدة شرعيتها المؤسسية.
الجزء الثاني
بعد أن قدّم الجزء الأول الحرب في التفكير الأميركي بوصفها أداة داخل السياسة لا قطيعة معها، يأتي هذا الجزء ليُعرّف “السياسة الكبرى” التي تتحكم بتلك الأداة: منع الهيمنة المنافسة وصناعة التفوق القابل للتصديق.
الفكرة المؤسسة هنا ليست دفاعًا حدوديًا تقليديًا، بل هندسةُ بيئةٍ دولية تمنع ظهور قوة قادرة على قلب النظام ضد واشنطن. في وثيقة توجيه التخطيط الدفاعي الأميركية بعد الحرب الباردة (1992) يظهر التصريح الأكثر عُريًا: “هدفنا الأول منع عودة منافس جديد… ومنع أي قوة معادية من السيطرة على منطقةٍ قد تولّد مواردُها قوةً عالمية” (وزارة الدفاع الأميركية، 1992).
هذا المنطق ليس اختراعًا أميركيًا خالصًا؛ إنه نمطٌ متكرر في تاريخ الإمبراطوريات، لكن واشنطن أعادت صياغته بأدوات القرن الحادي والعشرين: التفوق التكنولوجي، و”قيادة” التحالفات، وامتلاك القدرة على التحرك عبر مسارح متعددة. وفي أدبيات النقاش الأميركي نفسها تُسمّى هذه المقاربة “الصدارة/الهيمنة” أو “الانخراط العميق”، في مقابل مدرسة “الضبط/التحفّظ” التي تحذّر من كلفة الإفراط (بوزن، 2014؛ RAND، 2025).
ومضات مقارنة تاريخية
روما-قرطاج (264-146 ق.م):
انتهت الحروب البونية بتدمير قرطاج وتحوّل روما إلى المهيمن في غرب المتوسط. الخلاصة: منع المنافس لا بعد نضجه، بل قبل أن يصبح “نظامًا بديلًا”.
بريطانيا وميزان القوى (1805 ثم 1815-1914):
أسست ترافالغار تفوقًا بحريًا طويلًا، وكرّست حقبة “السلام البريطاني” بوصفها نظامًا تديره القوة البحرية والتحالفات. الخلاصة: التفوق البحري + “إمساك الميزان” يساوي استقرارًا يخدم المصلحة.
الاحتواء الأميركي (1947-1950):
نقل “مبدأ ترومان” الولايات المتحدة من الانكفاء إلى التزام عالمي، ثم جاءت وثيقة NSC‑68 لتدعو إلى تعبئة قوة “العالم الحر” لردع خصمٍ أيديولوجي. الخلاصة: الردع طويل النفس يتطلب تحالفات وتفوقًا مستدامًا.
بعد 11 سبتمبر، حدث انعطافٌ حاد:
لم تعد المنافسة وحدها بين دول، بل دخلت “التهديدات الناشئة” واللاعبون من غير الدول. هنا صاغت استراتيجية 2002 مفهومًا مفصليًا: الاستعداد للتحرك ضد التهديد “قبل أن يكتمل” (البيت الأبيض، 2002). هذا ليس تفصيلاً لغويًا؛ إنه انتقال من ردعٍ يضبط خصمًا عاقلاً داخل قواعد، إلى منطقٍ يرى أن الانتظار قد يُسقط ميزة الوقت.
لكن العقيدة لا تُكتب على الورق فقط؛ تُختبر في الحرب-وأحيانًا تُفضح. ولهذا ظهرت بعد فيتنام “عقائد حذر” تشدد على وضوح الغاية، وعلى دعم داخلي، وعلى تجنب الأهداف الضبابية (فاينبرغر، 1984). وفي نصوص لاحقة، اعترفت مراجعات أميركية بأن مشكلة واشنطن ليست في “القتال” بقدر ما هي في تحويل التفوق العسكري إلى مكسب سياسي مستدام (US Army War College، 2025).
حين اختُبرت العقيدة
العقائد تُختبر في الميدان.
صندوق حالة: فيتنام (1965–1975)
أظهرت فيتنام فجوةً بين “الانتصار التكتيكي” و”النجاح الاستراتيجي”: قدرة هائلة على القتال مع عجز عن حسم الغاية السياسية. الدرس الذي تكرر لاحقًا: لا يكفي التفوق العسكري إذا بقيت أدوات السياسة والتحالف والشرعية خارج المعادلة (US Army War College، 2025؛ فاينبرغر، 1984).
صندوق حالة: الخليج (1991)
في تقرير وزارة الدفاع النهائي وُصفت الحرب كأول صراع كبير بعد الحرب الباردة وكـ”انتصار لاستراتيجية التحالف والتكنولوجيا والقيادة”، مع تركيز على القدرة على الحشد السريع وإسقاط القوة (وزارة الدفاع الأميركية، 1992). الدرس: عندما تُحدَّد الأهداف وتُبنى الشرعية الدولية وتُستخدم القوة بكتلةٍ حاسمة، تتعزز “مصداقية” التفوق.
صندوق حالة: العراق (2003) وأفغانستان (2001-2021)
في العراق أكدت لجنة دراسة العراق أن القوة قد “توفر الاستقرار لوقتٍ ما” لكنها لا تُنتج اتفاقًا سياسيًا داخليًا من تلقاء نفسها؛ من دون تسوية، لا يتوقف العنف (Iraq Study Group، 2006). وفي أفغانستان لخّصت SIGAR الفشل البنيوي: صعوبة بناء “استراتيجية متماسكة”، وجداول زمنية غير واقعية، وميلٌ إلى “إنفاق سريع” يضاعف الفساد ويقلل الفاعلية (SIGAR، 2021).
ابتداءً من 2010 ثم 2014، بدأت وثائق المراجعة الدفاعية تتحدث بوضوح عن عالمٍ “متقلب” وعن الحاجة للاستعداد لمزيجٍ من المهام: ردع ومنع وتطمين الحلفاء، مع إدراك أن “عمليات الاستقرار الطويلة” تُستنزف ولا يمكن افتراض تكرارها بلا حدود (وزارة الدفاع الأميركية، 2010؛ 2014).
ثم جاءت وثيقة الدفاع 2018 لتعلن عودة “المنافسة الاستراتيجية طويلة الأمد” وتربط الحفاظ على النفوذ بـ”موازين قوة مواتية” عبر شبكة الحلفاء (وزارة الدفاع الأميركية، 2018). وعمّقت استراتيجية 2022 هذا المنطق بتسميتها الصريحة لمنع هيمنة منافس على مناطق مفتاحية، وبمفهوم “الردع المتكامل” الذي يدمج المجالات والأدوات والحلفاء (وزارة الدفاع الأميركية، 2022).
عودة المنافسة… بصيغ جديدة
اليوم، حين تتحدث واشنطن عن منافسة القوى الكبرى، فهي تشير إلى اختبار بنيوي طويل الأمد.
في الحالة الصينية، لا يتعلق الأمر بحرب تقليدية وشيكة، بل بإدارة صعود اقتصادي-تكنولوجي قد يتحول إلى قطب نفوذ استراتيجي يعيد تشكيل قواعد النظام. السؤال ليس إسقاط الصين، بل منع تحول قوتها إلى هيمنة إقليمية أو عالمية.
أما إيران، فتمثل نمطًا مختلفًا من التحدي: اختبار للردع في بيئة رمادية. ليست منافسًا نظاميًا عالميًا، لكنها تختبر حدود النفوذ الأميركي عبر أدوات غير متناظرة وشبكات إقليمية. هنا يصبح جوهر العقيدة اختبارًا لمصداقية الخطوط الحمراء أكثر من كونه صراع تفوق شامل،ولا بل متى يُحتوى التحدي؟ ومتى يُفهم الامتناع عن الرد بوصفه تراجعاً؟
في هذا المستوى، تتحول العقيدة من إدارة نظام عالمي إلى إدارة توازنات دقيقة في مسارح إقليمية معقدة.
توترات العقيدة
التوتر الأول: الاستقرار أم الهيمنة؟
واشنطن تصف حضورها كضمانة نظام، لكن خصومها-وبعض منظّريها-يرونه مولّدًا للموازنة والاحتكاك: ميرشايمر يرى أن قوى كبرى تميل لمراكمة النفوذ حين تمتلك فائض قوة (ميرشايمر، 2001)، بينما يجادل بوزن بأن طموح “الصدارة” قد يُراكم كلفة حروب الأطراف ويستنزف الشرعية (بوزن، 2014).
التوتر الثاني: الردع أم الاستباق؟
2002 جعلت “التحرك قبل اكتمال التهديد” جزءًا من قاموس الاستراتيجية (البيت الأبيض، 2002)، لكن العراق وأفغانستان أظهرا أن خطأ التشخيص أو سوء تصميم “ما بعد الضربة” قد يقوّض الردع بدل أن يعززه (Iraq Study Group، 2006؛ SIGAR، 2021).
التوتر الثالث: المؤسسة أم الرئيس؟
الإطار العام يُصاغ عبر آليات مؤسسية ملزمة للسلطة التنفيذية: “استراتيجية الأمن القومي” تقريرٌ مُلزم قانونيًا لإبلاغ الكونغرس بالرؤية، وQDR/ثم NDS أدوات مراجعة دورية للبنتاغون (وزارة الدفاع الأميركية-توثيق تاريخي). لكن الرؤساء يبدّلون النبرة وحدود “المصلحة القومية” كما يظهر مثلًا في وثيقة 2025 التي تشدد على “تركيز تعريف المصلحة” و”السلام عبر القوة” (البيت الأبيض، 2025).
جسر إلى الجزء الثالث
إذا كان هذا الجزء قد بيّن أن العقيدة الأميركية تتمحور حول منع ظهور مهيمن منافس وصيانة تفوق قابل للتصديق، فإن السؤال التالي لا يتعلق بالقوة ذاتها، بل بشرعيتها المؤسسية.
كيف تتحول هذه الرؤية الاستراتيجية إلى تفويضات وتشريعات واستراتيجيات أمن قومي تُنظّم استخدامها؟
كيف يُضبط التفوق بنص قانوني؟
وأين يبدأ دور المؤسسات في ترسيم حدود القوة؟
قبل أن نناقش الردع أو التنفيذ، لا بد من فهم البنية القانونية التي تمنح العقيدة غطاءها الرسمي.
وهنا يبدأ الجزء الثالث:
من العقيدة إلى التفويض: كيف تشرعن الولايات المتحدة استخدام القوة.؟
منبر العراق الحر منبر العراق الحر