منبر العراق الحر :….. بقلم: عبدالكريم السعيد….
تطرح قصيدة «إلى تجّار الكتابة» إشكالية تتجاوز حدود النص الشعري لتلامس جوهر السؤال الثقافي المعاصر: ما وظيفة الشعر في زمن تحوّل فيه كثير من الكتابة إلى سلعة، وتقدّمت فيه الشهرة على القيمة، والعلاقات على الإبداع؟ ومن داخل هذا السؤال، يمكن قراءة القصيدة بوصفها خطابًا صادرًا عن الشعر نفسه، لا عن ذات فردية، خطابًا يسعى إلى الدفاع عن هويته، وإعادة تعريف حدوده، وترميم مكانته الإنسانية والأخلاقية والجمالية.
تنطلق القصيدة من وعيٍ يرى أن الشعر يمثّل الإنسان بكل تجلياته، وأن المتلقي الحقيقي لا يقرأ النص بوصفه كلامًا عن الآخر، بل يراه تعبيرًا عنه، وعن أسئلته وقلقه وحاجته إلى معنى. ومن هنا، فإن «أنا» القصيدة لا تمثّل صوت الشاعر الفرد بقدر ما تجسّد صوت منظومة قيمية ترى في الكلمة مسؤولية، وفي القصيدة فعل شهادة.
بهذا المعنى، لا تشتغل القصيدة بمنطق الغضب الأخلاقي ولا بمنطق التشهير، بل بمنطق وضع الحدود داخل النص نفسه: حدود بين كتابة تحافظ على جوهر الشعر، وكتابة تنزلق إلى المتاجرة. إنها لا تكتفي بإدانة الواقع، بل تعيد التذكير بوظيفة الشعر الإنسانية بوصفه صياغة للمقاومة في شكل جمالي، وكشفًا للمعنى ضمن ضوابطه الأخلاقية والإنسانية.
ويكمن أحد أهم منجزات النص في أنه لا يجعل العاطفة هي الكاشف الأساسي، بل يجعل الشعر ذاته هو الكاشف. فالبنية الشعرية، والصورة، والإيقاع، والاختيار اللغوي، كلّها تؤدي وظيفة الكشف، بحيث يبدو النص وكأن «الشعر هو من يتكلم»، لا ذات منفعلة تبحث عن تنفيس.
ومن هذا المنطلق، يتحوّل الشعر داخل القصيدة إلى كائن ناقد ومقاوم عن نفسه. فهو يدافع عن هويته في مواجهة محاولات تسليعه، ويرفض أن يكون أداة ترويج للتفاهة أو وسيلة تسويق للرداءة. وتبرز هنا فكرة سيادة القيمة على الشهرة، حيث يُعاد ترتيب السلّم: المعنى أولًا، ثم يأتي كل شيء بعده.
ولا يمكن النظر إلى القصيدة بوصفها تأسيسًا لتيار عابر، بل بوصفها استعادة لصوت الشعر الحقيقي وسط ضجيج الأصوات النشاز. فالقيم لا تتحوّل إلى موضة، ولا تُرفع كشعار مؤقت، بل تظل جوهرًا ثابتًا في كل كتابة صادقة.
وتشير هذه القراءة إلى أن القصيدة تمارس فعلًا تصحيحيًا داخل بنية الثقافة، لا عبر الوعظ المباشر، بل عبر إعادة تعريف الشعر من جديد. فحين يترفع الشعر عن التفاهة والمجاملات، يستعيد رشده، ويستعيد الشاعر معه معنى الكتابة بوصفها مسؤولية لا استعراضًا.
تؤكد هذه القراءة أن قصيدة «إلى تجّار الكتابة» لا تُقدَّم بوصفها موقفًا انفعاليًا عابرًا، بل بوصفها فعلًا ثقافيًا واعيًا يعيد مساءلة معنى الشعر ووظيفته في زمن اختلاط القيم. فهي تنحاز إلى تصور يرى الشعر كيانًا أخلاقيًا وجماليًا في آن واحد، لا ينفصل فيه الجمال عن المسؤولية، ولا تُفصل فيه الكلمة عن أثرها الإنساني.
ومن خلال بنية شعرية متماسكة، تنجح القصيدة في تحويل الدفاع عن الشعر من خطاب مباشر إلى ممارسة فنية داخل النص نفسه، فتغدو القصيدة مساحة لإعادة تعريف الشعر بوصفه فعل مقاومة ناعمة، وكشفًا للمعنى، وحفظًا لشرف الكلمة.
وبذلك، تضع «إلى تجّار الكتابة» حدًا فاصلًا بين كتابة تحيا بالصدق، وكتابة تعيش بالضجيج، وتؤكد أن الشعر، كلما حافظ على مسافته الأخلاقية من السوق والتفاهة، ظل قادرًا على أداء دوره بوصفه أحد أعمق أشكال التعبير عن الإنسان وكرامته.
القصيدة :
الى تجّار الكتابة
ولأن وجهي لا يليقُ بهِ القناع ْ
ولأن أوكار الظلام يخيفها همس الشعاع ْ
ولأنني ..
منذ اقترفت الشعرَ ذاتَ قصيدة ٍ
آمنتُ بالحرف المناضل ِ..
والمقاتل ِ..
والشجاع ْ
فقد اتهّمتُ بأنني ..
متكبّرٌ
صعرّتُ خدّي للرؤى ..
وهزأتُ من شكل الصراع ْ
وكأنّ تغريد البلابل لا يطيب سماعهُ ..
إلا على وتر الضياع ْ
وكأنّ في زيف النفاق وسيلة ً
لا بدّ منها ..
في مجاملة الرعاع ْ
أتظنّ أقلامُ الغموض بأنها..
ستنال مني ..
عند منحدر الشغب ْ
أو أنني سأكون يوما ً
مثل عصفور البراري حين يذعنُ للتعب ْ
أتظنّ شرذمة المقاهي ..
والملاهي ..
والعلاقات التي انتعشت بتقطير العنب ْ
أني سأمنح بصمة ً
للطارئين على الأدب ْ
لا كنتُ إن جاملتُ صوتا ً ..
لا يهزّ دواخلي حدّ النخاع ْ
ولأن آفاقي طموحُ البحر
والأجفانُ بوصلتي ..
وأفكاري شراع ْ
سأظلّ أسعى كي يكون الشعر شعرا ً ..
لا خداع ْ
وأظلّ أسعى ..
كي يصيرَ الحرفُ خبزا ً للجياع ْ
لن أنحني أبدا ً لتجّار الكتابة ِ ..
طالما ..
أني أراهم في حساب الأرض ..
من سِقط المتاع ْ
منبر العراق الحر منبر العراق الحر