منبر العراق الحر : تعتبر نظرية “الطائر الساخر” في عالم الاتصال السياسي, واحدة من أقوى الأدوات التي تتجاوز حدود الفن والترفيه, لتصبح سلاحاً فعالاً في إعادة صياغة الوعي العام, وتفكيك الموازين القائمة. وتعتمد هذه النظرية في جوهرها على استخدام الهجاء اللاذع والكوميديا السوداء, كآلية خبيثة وذكية لتعرية خطابات السلطة او تسقيط الخصوم، حيث تقوم بتسليط الضوء على الفجوات المنطقية والتناقضات الصارخة في “البروباغندا”, والتي تروجها الأنظمة والجهات المتنفذة.
وفي المشهد العراقي المعاصر، الذي عانى لعقود من جمود الخطاب الإعلامي الرسمي, واتسامه باللغة “الخشبية” والمثالية الزائفة, والتي لا تشبه واقع الناس، لم تعد السخرية مجرد “نكتة” عابرة تُقال في المجالس الخاصة للترويح عن النفس، بل تطورت لتصبح مؤسسات إعلامية ضخمة مشبوهة, تمتلك ترسانة من الأدوات الفنية والتقنية القادرة على توجيه الرأي العام, حسب الاوامر السرية المشبوهة, والعمل على صناعة “الترند” السياسي الذي يحرك الشارع نحو الفوضى او التمرد.
وقد برز برنامج “البشير شو” هنا كحالة دراسية فريدة ونموذج رائد لهذا التحول الجذري، إذ لم يكتفِ بتقديم الضحكة والايحاء الجنسي، بل نجح في تحويل السخرية والتفاهة والشتائم, من مجرد رد فعل اجتماعي عفوي وبسيط عن فئة السذج والناقمين على العراق الجديد, إلى فعل يهدد السلم الاهلي، عبر دفع الفئة الساذجة وبقايا البعث لخيار الفوضى, وهو تابع لجهات تخطط له, وتمتلك استراتيجيات واضحة للتأثير السلبي في المجتمع العراقي, ومحاولة منها بواسطة المهرج البشير لنشر التفاهة والتسافل وتشتيت الانتباه.
ويستطيع من خلال “نقد المونتاج” والمصادر المفتوحة مع عمالته للسفارات وغياب الضمير ان يصبح اداة للطعن بالعراقيين.
· نشر التفاهة بعنوان النقد الكوميدي
تحت شعار “الكوميديا” والسخرية، تحولت برامج مثل (البشير شو) إلى معول يهدم ما تبقى من أساسات الدولة، فبدل أن تكون أداة للإصلاح، صارت وسيلة لتمزيق النسيج الاجتماعي العراقي تحت غطاء “حرية التعبير”.
للأسف، تحولت هذه البرامج الساخرة في العراق إلى أداة أساسية لكسر “هيبة الدولة” والاستهزاء بكل ما هو محترم ومقدس في مجتمعنا. وبحجة أن الخطابات الرسمية “ما توكل خبز” ولا تخدم المواطن، فتحوا الباب على مصراعيه للفوضى الفكرية وتسطيح القضايا المصيرية… بدل أن ترفع هذه البرامج وعي المواطن، قامت بتبسيط القضايا السياسية المعقدة لدرجة “التسفيه”. فصارت الصراعات الدولية والمخططات التي تهدد أمن البلد مجرد “نكتة” يضحك عليها ابن الشارع، مما جعل المواطن البسيط يستصغر الأخطار الحقيقية, ويستهزئ بمؤسساته الوطنية, بدلاً من المطالبة بإصلاحها بجدية.
وقد اعتمدت هذه البرامج، وعلى رأسها (البشير شو)، على سياسة “اصطياد الأخطاء” وتفتيش الأرشيف ليس بهدف التصحيح، بل بهدف التشهير والإحراج. فهم يركزون على تناقضات المسؤولين, فقط لإسقاط هيبتهم أمام عوائلهم وجمهورهم، مما خلق فجوة من عدم الثقة المطلقة بين الشعب والدولة، وهو بالضبط ما تحتاجه الفوضى لكي تنتشر.
ان أخطر ما في هذه البرامج هو التناقض الذي تقع فيه هي نفسها؛ فبينما تدعي محاربة الفساد، نجدها تتماشى بوضوح مع الأجندات الخارجية والخطوط الأمريكية, التي لم تجلب للعراق سوى التفرقة والدمار. السخرية هنا ليست “سلاحاً للفقراء”، بل هي “سمّ مدسوس في العسل” لتمرير أفكار تغريبية تضرب قيم المجتمع العراقي, وتخدم مصالح من يريد إضعاف العراق من الداخل.
لقد نجح (البشير شو) وأمثاله في جعل “الضحك” بديلاً عن “الحل”، وفي تحويل هيبة الدولة إلى مادة للسخرية اليومية، مما يسهل على الأعداء تمرير مشاريعهم, في بلد أصبح كل شيء فيه مضحكاً ومستباحاً.
· أدوات “البشير شو”
إن ما يقدمه أحمد البشير ليس مجرد برنامج ساخر، بل هو منظومة تضليلية مدروسة تعتمد على أساليب خبيثة تهدف إلى تفتيت الهوية الوطنية, وتسطيح الوعي الجمعي؛ فهو يستخدم “الكوميديا السوداء” كخديعة نفسية لمعالجة ملفات الدم والفساد بطريقة هزلية, تجعل المشاهد يعتاد على رؤية المآسي ويضحك عليها، مما يؤدي بالتدريج إلى “تمويت الضمير” وفقدان الصدمة تجاه الجرائم الكبرى, بدلاً من التحرك الجاد لتغييرها.
كما يعتمد البرنامج بذكاء خبيث على “المصادر المفتوحة” واقتطاع المقاطع من الفضائيات ليس لإظهار الحقيقة، بل لتمزيق السياقات واستخدام سلاح الخصم ضده عبر “التسقيط الرقمي” وتشويه الصور الذهنية بما يخدم أجندات خارجية مشبوهة.
والأخطر من ذلك هو استغلاله الممنهج لـ “لغة الشارع” واللهجة القريبة من الشباب كطعم عاطفي لاختراق عقول “جيل تشرين الفوضوي”, محولاً غضبهم إلى مجرد استهزاء وتنكيت يفرغ شحناتهم في الفضاء الإلكتروني فقط، ليكون بذلك المصدّ الذي يمنع الوعي الحقيقي ويستبدله بموجة من السخرية, والتي تهدم هيبة الدولة وتماسك المجتمع, وتخدم القوى التي تسعى لابقاء العراق في دوامة الفوضى وعدم الاستقرار.
· التحديات والانتقادات
تحت غطاء “حرية التعبير” المزعومة، تمارس برامج مثل (البشير شو) وما يرافقها من “فضايات العهر” الإعلامي دوراً مشبوهاً يهدف إلى تقويض قيم المجتمع العراقي، حيث سقطت هذه المنصات في فخ “الشخصنة” الفاضحة، فهي لا تنقد من أجل الإصلاح، بل تستهدف رموزاً معينة وتتجاهل آخرين, بناءً على الأوامر المباشرة من القنوات الممولة وأجندات الدول التي تحتضنها.
كما انحدر المحتوى إلى مستنقع “الابتذال” عبر الخلط المتعمد بين النقد السياسي وبين السخرية الوضيعة من “الأشكال واللهجات”، وهو أسلوب رخيص يعكس الإفلاس الفكري.
وهو يستهدف التنمر على المكونات الاجتماعية لتفكيك النسيج الوطني.
أما ادعاءات التعرض “للضغط القانوني” والهروب للبث من الخارج، فليست إلا مسرحية للتغطية على العمالة والارتهان للخارج، حيث اختاروا منصات بعيدة ليكونوا في مأمن وهم ينفذون مخططاتهم من دون حسيب؛ فما يسمونه “نظرية الطائر الساخر” ليس في الحقيقة إلا “مرآة مسمومة” لا تعكس الواقع بل تشوهه وتزيفه، بهدف دفع المشاهد إلى التخلي عن ثوابته الوطنية والتشكيك في كل المبادئ، لتتحول السخرية من أداة ترفيه إلى سلاح هدم شامل يخدم الفوضى وأعداء البلاد.
· ختاماً
إنّ ما كشفته تجربة “الطائر الساخر” في المشهد العراقي يثبت أن الضحك حين يُنتزع من سياق الإصلاح ليُوضع في سياق “التسقيط الممنهج”، يتحول من أداة تنوير إلى معول هدم للهوية والسيادة؛ فالسخرية التي تستهدف “هيبة الدولة”, وتبسط القضايا المصيرية لدرجة “التسفيه”, ليست إلا سماً مدسوساً في عسل الترفيه، يُراد به تخدير الوعي الجمعي وتمرير أجندات الفوضى تحت غطاء الكوميديا.
والعبرة تكمن في أن “ليس كل من أضحكك أراد بك خيراً، فالبنج يجعلك تبتسم وأنت تفقد أعضاءك”؛ لذا فإن الوعي الحقيقي هو الحصن الوحيد الذي لا تستطيع جيوش السخرية المأجورة اختراقه.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر