ليست واشنطن وطهران فقط… من يملك فعلاً مفتاح إشعال الحرب؟ الدكتور ثائر العجيلي

منبر العراق الحر :….مقدّمة: ما يُرى… وما يُحرّك ما لا يُرى

حين تقترب حاملات الطائرات الأميركية من مسرح الخليج، يبدو المشهد للوهلة الأولى مواجهةً مباشرة بين واشنطن وإيران.

لكن الحقيقة الأثقل أن القرار ليس ثنائيًا، وأن الزناد ليس بيدٍ واحدة، وأن الاشتعال قد يأتي من هامشٍ يظنه الجميع تفصيلاً.

 

نحن أمام لحظة إقليمية تتقاطع فيها ثلاثة مسارات:

1. ردع عسكري محسوب،

2. مساومة سياسية صلبة،

3. ساحات وسيطة قادرة على قلب الطاولة.

 

والأخطر أن الجميع يعلن أنه لا يريد الحرب…

بينما تتكاثر الأدوات القادرة على إشعالها.

 

 

 

أولاً: ميزان القوة… وميزان الحساب

 

الولايات المتحدة تستخدم الحاملات كلغة ضغط: إسقاط قوة، طمأنة حلفاء، ورفع سقف التفاوض.

إيران تبني ردعًا غير متماثل: صواريخ، مسيّرات، جغرافيا ضيقة، وكلفة مؤلمة لمن يقترب.

 

المعادلة واضحة:

القدرة على الإيذاء متبادلة، لكن كلفة الاستخدام الاستراتيجي مرتفعة جدًا.

ولهذا يتحول الاستعراض إلى مفاوضات تحت الضغط،

لا إلى حرب فورية.

 

 

 

ثانياً: إسرائيل… اللاعب الأكثر تأثيراً في معادلة الاشتعال

 

في أي قراءة جادة للمشهد، لا يمكن اختزال الصراع بين واشنطن وإيران فقط.

 

الفاعل الأكثر حساسية وتأثيرًا في لحظة الحسم هو: إسرائيل.

 

ليس لأنها الأقرب جغرافيًا فحسب،

بل لأنها:

​• تعتبر المشروع النووي الإيراني تهديدًا وجوديًا مباشرًا.

​• تمتلك تفوقًا استخباريًا وعسكريًا نوعيًا في المنطقة.

​• قادرة على تنفيذ عمليات استباقية دون انتظار ضوء أخضر علني.

​• تؤثر بعمق في القرار الاستراتيجي الأميركي عبر شبكة تحالفات سياسية وأمنية راسخة.

 

الواقع – شئنا أم أبينا – أن إسرائيل اليوم هي اللاعب الإقليمي الأكثر قدرة على تغيير مسار الأحداث بضربة واحدة محسوبة.

 

إذا رأت أن مسار التفاوض يمنح إيران وقتًا إضافيًا، فقد تختار رفع الكلفة ميدانيًا.

وإذا شعرت أن الردع يتآكل، فإنها تميل إلى تثبيت الخطوط بالنار لا بالبيانات.

 

(( الحقيقة الصريحة ))

 

القرار بالحرب الشاملة قد لا يكون أميركيًا خالصًا،

لكن الشرارة الأولى قد لا تكون إيرانية أيضًا.

 

في لحظات التوتر القصوى،

تملك إسرائيل القدرة – وربما الإرادة – لإعادة تعريف سقف الصراع.

 

وهنا يتغير السؤال من:

 

هل تريد واشنطن الحرب؟

هل تريد طهران الحرب؟

 

إلى:

 

هل تسمح إسرائيل بواقع تعتبره تهديدًا وجوديًا أن يستقر؟

 

 

 

 

ثالثاً: الخليج… بين الردع والخشية

 

الخليج العربي ليس مسرحًا صامتًا.

هو عقدة الطاقة العالمية، وساحة قواعد، وهدف محتمل لأي ردّ بالوكالة.

 

يريد ردعًا يمنع الابتزاز، لكنه لا يريد حربًا تشل الموانئ والمنشآت وتدفع أسعار الطاقة إلى الفوضى.

 

النتيجة: الخليج يدعم الضغط المنضبط، ويخشى الانفلات.

 

 

 

 

رابعاً: الوكلاء… حين يصبح الإنكار سيفًا ذا حدّين

 

أخطر عناصر المشهد ليست الحاملات ولا الصواريخ، بل الساحات الوسيطة:

​• جنوب لبنان،

​• سوريا،

​• العراق،

​• البحر الأحمر.

 

هجوم من وكيل يمنح “مساحة إنكار”، لكنه يضيّق “مساحة التحكم”.

حرب لا يريدها المركزان قد تبدأ من هامشٍ يعتقد أنه يخدمهما.

 

 

 

 

خامساً: الساحة العراقية… حكومة تُولد على إيقاع التوازن

 

العراق ليس تفصيلاً؛ هو عقدة توازن بين واشنطن وطهران.

 

ولادة حكومة جديدة ستُقرأ كرسالة:

​• إن مالت كفة واشنطن، فسينعكس ذلك في معادلات أمنية واقتصادية.

​• وإن رجحت طهران، فسيُعاد تثبيت نفوذ الوكلاء وحدود الاشتباك.

 

الساحة العراقية قد تتحول إلى منصة تهدئة إذا نضج تفاهم،

أو إلى منصة اختبار إذا تعثر المسار.

 

في لحظات كهذه، لا تُقرأ التشكيلات الحكومية داخليًا فقط، بل كجزء من لوحة إقليمية أوسع.

 

 

 

 

سادساً: السيناريوهات المترتبة (من الأقرب إلى الأشد خطورة)

 

1) صفقة مرحلية تحت الضغط

 

تجميد نسبي/خطوات تقنية مقابل تخفيف محدود.

إدارة أزمة… لا حل نهائي.

 

2) تصعيد مضبوط

 

ضربات محدودة ورسائل نارية تحفظ ماء الوجه،

دون تجاوز عتبة الحرب الشاملة.

 

3) انزلاق عبر حادث أو وكيل (الأخطر)

 

استهداف سفينة، قاعدة، أو منشأة… تتسلسل الردود قبل أن تُضبط.

هنا لا ينتصر أحد؛ الجميع يخسر، ويُعاد رسم الخطوط بالنار.

 

 

 

 

(( التقدير الأقرب اليوم ))

 

المشهد يميل إلى مساومة صلبة تحت سقف الردع،

مع قابلية انفلات عبر الوكلاء.

لا غزو وشيك، ولا استسلام سياسي، بل اختبار إرادات وإعادة تعريف لقواعد الاشتباك.

 

لكن كلما طال أمد الضغط دون مخرج سياسي مقنع، ارتفعت احتمالية أن يأتي “الخطأ الكبير” من مكان صغير.

 

 

 

(( لحظة المفصل ))

 

المنطقة لا تنتظر بيانًا من واشنطن ولا خطابًا من طهران فقط.

المنطقة تنتظر قرارًا قد لا يصدر من عاصمتين فقط.

 

قد يصدر من غرفة عمليات في تل أبيب.

قد يولد من حسابات ترى أن الوقت ينفد.

وقد يُتخذ تحت عنوان “المنع الوقائي” لا “إعلان الحرب”.

 

وهنا يكمن التحول الأخطر:

حين يصبح من يملك القدرة على المبادرة هو من يحدد توقيت الاشتعال، لا من يملك فقط القدرة على الرد.

 

 

الخاتمة

 

الحاملات ليست إعلان حرب، لكنها ليست عرضًا بحريًا.

الصواريخ ليست قرار مواجهة، لكنها ليست ديكور ردع.

 

الميزان اليوم لا يُدار بين واشنطن وإيران فقط.

هناك لاعب ثالث يقرأ الزمن بطريقة مختلفة،

ويحسب الخطر بطريقة وجودية لا تفاوضية.

 

وفي الخلفية، الخليج يحسب الكلفة،

والعراق يتهيأ لولادة حكومة قد تُبنى على نتائج هذا الصراع لا على برامج داخلية فقط.

 

نحن أمام لحظة إعادة رسم قواعد اشتباك،

لا جولة ضغط عابرة.

 

أخطر ما في هذه اللحظة أن كل طرف يراهن على عقلانية الآخر…

بينما الزناد قد يُضغط من يدٍ ثالثة.

وفي هذه المنطقة، لا يشعل الحرب من يريدها فقط،

بل من يقتنع أن تأجيلها أخطر من إشعالها.

 

 

اترك رد