إخوتي، يا شركاء القلب والذاكرة والمعنى،….رانية مرجية

منبر العراق الحر :

يأتي رمضان كأنه امتحانٌ سريّ للروح، لا يعلنه أحد ولا تُعلَّق له لافتات، لكنه يحدث في الداخل، في تلك المساحة التي لا يراها سوانا. ليس مجرّد شهرٍ نبدّل فيه مواعيد الطعام، بل زمنٌ نعيد فيه ترتيب علاقتنا بأنفسنا، وبالله، وبالآخرين. هو إعادة كتابة للنصّ الداخلي الذي أنهكته الضوضاء، وترميمٌ لبيت الروح بعدما تصدّعت جدرانه من فرط العجلة والخوف.

أكتب إليكم، وأنا أنتمي إلى إيمانٍ مسيحيّ، بعينٍ ترى في رمضان أكثر من طقسٍ إسلاميّ؛ أراه تجربةً إنسانيةً رفيعة، فيها من الزهد ما يحرّر، ومن الجوع ما يوقظ، ومن الصمت ما يفضح زيفنا ويقودنا إلى صدقٍ أعلى. الصوم، في جوهره، ليس امتناعاً عن الطعام فحسب، بل امتناعٌ عن القسوة، عن الغرور، عن فائض الكلام الذي لا يقول شيئاً. هو تمرينٌ شاقّ على أن نكون أخفّ، أن نتخلّى عمّا يثقلنا، أن نترك خلفنا ما لا يشبه صورتنا الأجمل.

رمضان، كما أراه، لحظةُ عدالةٍ داخلية. ففيه يتساوى الغنيّ والفقير أمام وخز الجوع، ويتعلّم الممتلئ أن يتذكّر الخاوي، ويتدرّب القادر على أن يمدّ يده لا ليتملّك بل ليمنح. هو شهرُ إعادة توزيع الحساسية فينا؛ أن نشعر أكثر، أن نرى أكثر، أن ننتبه إلى التفاصيل الصغيرة التي تصنع خلاصنا اليوميّ.

وفي لياليه، حين يعلو صوت التراويح وتخفت ضوضاء العالم، يحدث شيءٌ أشبه بالمصالحة الكبرى: تصالح الإنسان مع هشاشته، مع ضعفه، مع أخطائه التي يحاول أن يغسلها بالدعاء والدمع والرجاء. هناك، في تلك العتمة المضيئة، يولد الرجاء من جديد، لا كترفٍ لغويّ، بل كضرورةٍ روحية. الرجاء بأننا نستطيع أن نكون أفضل، أن نغفر أكثر، أن نبدأ من جديد دون أن نخجل من البدايات.

ما أجمل أن تجتمع العائلة حول مائدة الإفطار، لا لتكسر الصوم فقط، بل لتكسر العزلة أيضاً. فالخبز الذي يُقسم، يقسم معه التعب، والتمر الذي يُؤكل على عجل، يحمل في طعمه تاريخاً من البساطة التي لا تخون. في تلك اللحظات، يتجلّى المعنى: أن الإنسان لا يعيش وحده، وأن النجاة لا تكون فردية، بل جماعية، دافئة، متشابكة الأيدي.

رمضان ليس شهر المثالية، بل شهر المحاولة. ليس زمن الملائكة، بل زمن البشر وهم يسعون، يتعثرون، ثم يقومون. هو دعوة مفتوحة لأن نعيد الاعتبار للرحمة، وأن نوسّع تعريفنا للإيمان ليشمل الآخر المختلف، القريب والبعيد، الشبيه والمغاير. ففي جوهر كل إيمانٍ حقيقيّ، تكمن الرغبة في الخير، وفي صون الكرامة الإنسانية، وفي الدفاع عن النور مهما اشتدّت العتمة.

إخوتي، أدعو لكم في هذا الشهر أن يكون صومكم امتلاءً لا فراغاً، وأن يكون جوعكم وعياً، وعطشكم شوقاً إلى ما هو أنقى. أدعو أن تُغسَل قلوبكم من أثقالها، وأن تُضاء دروبكم بحكمةٍ هادئة، وأن تجدوا في كل يومٍ من أيامه سبباً صغيراً للامتنان، ولو كان نجمةً وحيدةً في سماءٍ مزدحمة.

رمضان كريم عليكم. ليكن شهراً تعيدون فيه اكتشاف أنفسكم كما أرادها الله: طيّبة، رحيمة، قادرة على المحبة رغم كل شيء. وليكن الهلال الذي يعلّق في السماء وعداً بأن النور، مهما تأخر، يعرف دائماً طريقه إلينا. 🌙
رانية مرجية – تلفون 7077060-

 

اترك رد