المقال الثالث: من العقيدة إلى التفويض: كيف تُشرعن الولايات المتحدة استخدام القوة..د.ثائر العجيلي

منبر العراق الحر :….هندسة الشرعية في القرار الأميركي بين الدستور والمؤسسة والتجربة

ملخص تنفيذي

ينتقل هذا الجزء من السلسلة من بحث العقيدة العسكرية الأميركية إلى تفكيك البنية القانونية والمؤسسية التي تمنح قرار استخدام القوة شرعيته. فالقوة في النموذج الأميركي لا تُفهم بوصفها قراراً فردياً،تُبنى على نزوة رئاسية ولا على فائض قوة، بل نتيجة منظومة دستورية وتشريعية وتنفيذية متشابكة، تُنتج ما يمكن تسميته “هندسة الشرعية”.

يتتبع المقال تطور التفويضات الرئاسية، ودور الكونغرس، واتساع تفسير الصلاحيات التنفيذية، وتأثير الاستخبارات في صناعة الشرعية، كما يُقارن بين تجارب النجاح النسبي، كحرب الخليج 1991، وتجارب الإخفاق البنيوي في العراق وأفغانستان – وهي ساحات ما تزال آثارها حاضرة في ذاكرة الشرق الأوسط، وشكّلت وعي المنطقة بحدود القوة الأميركية – لا لإدانة التجربة أو تمجيدها، بل لفهم منطقها الداخلي واستخلاص دروسها المؤسسية.

كما يتناول المقال اختبار الشرعية في زمن المنافسة المعاصرة مع الصين وروسيا، وفي مساحات الاشتباك الرمادي مع إيران، بوصفها حالات تُظهر كيف يتحول القانون إلى أداة في إدارة ميزان القوة.

أولاً: الدستور… نقطة الانطلاق

حين صاغ الآباء المؤسسون الدستور الأميركي، لم يضعوا “الحرب” في يد شخص واحد.

المادة الأولى منحت الكونغرس حق إعلان الحرب وتمويلها.

والمادة الثانية جعلت الرئيس القائد الأعلى للقوات المسلحة.

هذا التوزيع لم يكن تفصيلاً إجرائياً عابراً، بل تعبيراً عن خوف مبكر من تركز السلطة العسكرية في يد واحدة.

القرار الأخطر في الدولة – قرار استخدام القوة – صُمم ليكون موزعاً، لا فردياً.

لكن الدستور كتب في زمن مختلف.

ومع تعقد البيئة الدولية، بدأ السؤال يظهر:

كيف تُدار الأزمات السريعة إذا كان إعلان الحرب يتطلب نقاشاً تشريعياً مطولاً؟

ثانياً: من إعلان الحرب إلى التفويض

مع القرن العشرين، تراجع استخدام “إعلان الحرب” الرسمي، وظهرت صيغة جديدة: التفويض باستخدام القوة.

تفويض 1964 في فيتنام (خليج تونكين) فتح الباب لعمل عسكري واسع من دون إعلان حرب رسمي.

بعد 11 سبتمبر 2001، جاء تفويض AUMF ليمنح الرئيس صلاحيات مفتوحة زمنياً وجغرافياً لملاحقة الجماعات المسؤولة أو الداعمة للهجمات.

هنا بدأت مرحلة جديدة:

لم تعد الحرب حدثاً معلناً، بل إطاراً قانونياً ممتداً.

التفويض لم يكن مجرد صيغة لغوية، بل تحولاً في فلسفة استخدام القوة.

إعلان الحرب يحدد خصماً واضحاً وزمناً محدداً.

أما التفويض، فيمنح مرونة استراتيجية أوسع، لكنه يفتح باباً لتفسيرات ممتدة.

ثالثاً: السلطة التنفيذية… واتساع التفسير

مع الزمن، توسع تفسير صلاحيات الرئيس بوصفه القائد الأعلى.

الرؤساء، من ترومان إلى بوش الابن، استخدموا القوة العسكرية في حالات لم يصدر فيها إعلان حرب تقليدي.

تُبنى الشرعية هنا عبر تداخل:

• تقارير الاستخبارات

• المشاورات مع الكونغرس

• استشارات قانونية داخلية

• تبريرات علنية للرأي العام

القرار لا يصدر بمرسوم منفرد، لكنه أيضاً ليس معزولاً عن إرادة الرئيس.

هنا تظهر معادلة دقيقة:

المؤسسة تضع الإطار،

لكن القيادة السياسية تحدد اللحظة.

رابعاً: الاستخبارات وصناعة التقدير

حين تصبح المعلومة جزءاً من الشرعية

أحد أخطر عناصر الشرعية هو التقدير الاستخباري.

في حالة العراق 2003، بُنيت الحجة القانونية والسياسية على تقديرات بوجود أسلحة دمار شامل.

لاحقاً، كشفت التحقيقات أن المعلومات كانت غير دقيقة أو مبالغاً في تفسيرها.

الدرس هنا لم يكن فقط خطأ في المعلومة، بل في كيفية تحول التقدير إلى مسوغ شرعي.

لكن الشرعية لا تُختبر فقط في دقة المعلومة، بل أيضاً في البيئة التي يُتخذ فيها القرار.

خامساً: البيئة البنيوية للقرار

قرار استخدام القوة لا يُولد في فراغ

هناك بيئة كاملة تحيط به:

• أجهزة أمن قومي

• موازنات دفاعية

• لجان في الكونغرس

• رأي عام

• حلفاء ينتظرون موقفاً

• وخصوم يراقبون الإشارات

الصناعات الدفاعية والأسواق المالية جزء من هذه البيئة، لكنها ليست صانعة القرار وحدها، بل عناصر في منظومة أوسع تتفاعل مع الأمن القومي والمصالح الاستراتيجية.

القوة في النظام الأميركي ليست نتاج “مزاج”، بل نتيجة توازن داخلي معقد بين مؤسسات وضغوط وتقديرات.

سادساً: تجارب النجاح والإخفاق

بين الخليج والعراق وأفغانستان

في حرب الخليج 1991، توافرت عناصر واضحة:

هدف محدد، تحالف واسع، تفويض دولي، استخدام حاسم للقوة.

النتيجة: نجاح عسكري سريع عزز صورة التفوق والشرعية.

في العراق 2003 وأفغانستان 2001-2021، كانت الصورة أكثر تعقيداً.

إسقاط النظام لا يعني بناء الاستقرار.

القوة قد تنجح عسكرياً لكنها تواجه صعوبة في تحويل الإنجاز إلى مكسب سياسي مستدام.

هذه التجارب ليست مادة إدانة ولا تمجيد.

هي مختبر مؤسسي أعاد تشكيل التفكير الأميركي في حدود القوة وإدارة ما بعد الضربة.

وهي، في ذاكرة الشرق الأوسط، شكلت وعياً نقدياً بقدرات الولايات المتحدة وحدودها في آن واحد.

سابعاً: الصين وروسيا وإيران

اختبار الشرعية في زمن المنافسة المتعددة

اليوم، لا تُختبر هندسة الشرعية في حرب شاملة تقليدية، بل في بيئة تنافس معقدة.

في الحالة الصينية، لا يدور السؤال حول إعلان حرب، بل حول إدارة صعود منافس بنيوي طويل الأمد.

الشرعية هنا تتجسد في استراتيجيات أمن قومي، وتحالفات إقليمية، وتشريعات تكنولوجية، وموازنات دفاعية تهدف إلى منع تحوّل الصعود الاقتصادي إلى هيمنة استراتيجية.

في مواجهة روسيا، تظهر الشرعية عبر دعم غير مباشر، وعقوبات واسعة، وتحالفات عسكرية، من دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة.

القوة تُمارس ضمن حدود محسوبة.

أما إيران، فهي حالة اختبار في المنطقة الرمادية.

ليست منافساً نظامياً عالمياً، لكنها تختبر حدود النفوذ الأميركي عبر أدوات غير متناظرة.

هنا يصبح التفويض القانوني جزءاً من الرسالة الردعية نفسها.

الجسر إلى الجزء الرابع

من الشرعية إلى المصداقية

إذا كانت العقيدة تحدد لماذا تُستخدم القوة،

وكانت هندسة الشرعية تحدد كيف يُسمح باستخدامها،

فإن السؤال التالي يتجاوز القانون إلى الإدراك.

فالقرار قد يكون دستورياً.

وقد يمر عبر التفويض والمؤسسة.

لكن في ميزان القوة الدولي، لا تُختبر الدولة بنصوصها، بل بمدى تصديق الآخرين لتهديدها وحدود استخدامها.

الخصم لا يقرأ تفاصيل التفويض،

بل يقرأ الإرادة.

والحليف لا يسأل عن الصياغة القانونية،

بل عن مدى الالتزام.

هنا ينتقل النقاش من الإذن إلى التأثير،

ومن الشرعية الداخلية إلى المصداقية الخارجية.

فالتفويض يمنح الإطار،

لكن الردع يختبر صدقية الإطار.

ومن هنا يبدأ الجزء الرابع من السلسلة:

الردع في الاستراتيجية الأميركية: بين مصداقية التهديد وحدود الاستخدام

حيث لا يكون السؤال: هل تملك الدولة القوة؟

بل: متى تستخدمها؟

ومتى يصبح الامتناع عنها رسالة بحد ذاته؟

اترك رد