منبر العراق الحر :.
إنّ الوعي العربي المعاصر يستحيل علينا أن نتناول أبعاده الحقيقية بشكلٍ دقيق ، بعد محاولاتٍ كانت حُبلى بالمصاعب ، من أجل النهوض بالوعي العربي بشكلٍ عام ، فالمجتمعات العربية كلّ منها في وادٍ مختلف عن الآخر ، كما أن المجتمعات في منحى ، والأنظمة العربية في منحى آخر .
ولعل الوعي العربي هو الأكثر تشابكاً ، إن كان في جوانب التعليم أو الثقافة أو البيئة ، أو في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بشكلٍ عام .
ولكي نتناول مفهوم الوعي ، لا بُدّ لنا في البداية من ربط الوعي بحالة الإدراك ، مثل المفاهيم ، المعرفة ، الأفكار ، والتقييم النظري ، أو وجهات النظر ، وكذلك ربط الوعي بمفهوم التفاعل والقدرة عليه ، والقدرة على التواصل في البيئة الخارجية أو المحيط الخارجي ، عبر كافة الحواس .
وكذلك ربط الوعي بالقدرة على ترجمة المفاهيم عبر القدرة على التعبير بأي وسيلة من وسائل التواصل الإنساني ، وبالمحصّلة لا بُدّ من امتلاك المهارات في مجال التفكير ، والتفكير النقدي ، ومن ثُمّ التفكير الإبداعي .
إنّ الدراسات التي تمت حول مفهوم الوعي قد شغلت إهتمام العديد من التخصصات وكانت في بدايتها الفلسفة .
وأعتقد ليس من المفيد الآن الرجوع إلى إشكاليات الفكر الفلسفي ، حيث أن هذا الفكر كانت أولى تساؤلاته حول الحرية ، والولوج الآن في مسائل الميتافيزيقا ، كأن نتساءل : هل الإنسان حر؟. أو هل الحرية موجودة ؟.
الآن نتناول الأمور على أساس بأن الحرية هي حقيقة ، ومُمارسة عملياً بنفسِ الوقت ، بهدفِ فك الإشتباك التاريخي بين الحتمية والحرية ، من أجل البعد الإنساني .
في بدايةِ الأمر لا بُدّ من تأسيس التأمل الذاتي ، المُراقب من الذات ، عبر عملية استبطان الذات نفسها بنفسها ، وعندما تنجح هذه العملية ، نبدأ بتأسيس الواجب الفلسفي الذي يروم إلى فهم الحرية بعيداً عن الوهم .
فهل نجح الوعي العربي المعاصر ، أو الفلسفة العربية الراهنة من مواجهة أشكال الإحتلال المُمارس على أراضٍ من الوطن العربي ؟.
وهل الوعي العربي بكلِ أشكاله ومع الفلسفة أيضاً ، إستطاع أن يُفكّك الجغرافيات الفلسفية القديمة ، و ولج بطرحٍ جديد لمعالجة واقعنا الحالي ؟.
الإجابة دوماً تأتي بالنفي مع الأسف ، لأننا لا نتناول معطيات الحاضر حينما نفكر ، كي لا نتحمّل عناء تحسين واقعنا ومستقبلنا .
إنّ فقداننا للوعي ، وفقدان الفكر العربي الراهن لهذا الوعي ، هو الذي فسح المجال لممارسة كلّ أشكال الإقصاء والتهميش كما الإدانة والاستعباد ، لكل فكرٍ مُغايرٍ يبتغي التجديد والإصلاح وبناء مستقبلٍ أفضل ، يعتمد على تبنّي المسؤوليات الجادة ، والتجديد الذي يُعتبر تنويراً للمجتمع و للعقل وللفكر العربي .
إنّ واقعنا الراهن يُعتبر مليئاً بالشوائب والغموض والتشويه الذي ليس بإمكانه ولا بأي شكلٍ من الأشكال أن يأخذ بيد المواطن إلى بر الأمان ، وإلى مرفأ اليقين .
إنّ الوعي العربي وسلطته اعتمد طروحاتٍ شديدة الشبه بالشراك المُفخخة ، أو القنابل الموقوتة ، مثل ثنائيات السلم والحرب ، العقل والنقل ، الخير والشر والعلم والدين ، وكأننا من خلال وعينا الراهن نقوم بانتاج إرهاصاتٍ عربية ، وموروث ، ومنتوج مُشتّت الأصول .
وكم من سرديات فلسفية عربية تحمل بين طيّاتها مصائب آنية ، والحديث عن مشكلة الألوهية ، والموروثات ، وطروحات الفارابي وإبن سينا ، ممّا يُرشدنا إلى ضآلة ونضوب العقل العربي ، الذي في الأساس يجب أن يكون ساعياً وجاداً نحو التنوير والتجديد ، في الوقت الذي لا يزال فيه العقل العربي يبحث في الوجود والممكن ، وكل هذه الطروحات هي بعيدة تماماً عن واقع المواطن العربي الذي يُهرول نحو الوصول إلى منصّات المعرفة والنهوض .
لذلك فإن كتاباتنا و وعينا وفلسفتنا المبعثرة بعد ابن رشد ، هي مجرد ارتحال اضطراري لتفسير ما خطّه ابن رشد بعيداً عن أي فكرة وظيفية ، أو حتى إرهاصات القابلية للتداول المجتمعي ، حتّى ولو تمّ استيراد نظرياتٍ ما ، بهدف إعادة صياغتها ، تبدو سخيفة بشكلٍ مُجمل .
عبثاً نحاول تحسين حياة وفكر المواطن ، من خلال فلسفةٍ عقيمةٍ في وقتنا الراهن ، من خلال تبريرات تحرّض الفلاسفة العرب لإعادة نمذجة فلسفة الكبار في ظروفٍ مغايرة ، وبشكلٍ كُلّي مختلفة .
لذلك نرى أن الفلسفة العربية المعاصرة غائبة ، لأنها بعيدة عن الولوج والاشتباك بالأحداث الجارية والمتسارعة ، لذا نعتها كثيرون بأنها صناعة الوهم ، وإذا حاولنا تفكيك الخطاب الفلسفي العربي لوجدناه متناقضاً وبمنأى عن الواقع الملموس والمعاش ، وهنا نتجرأ لنتساءل بشكلٍ رئيسي لفائدة الفلسفة ، والإجابة بكلمةٍ واحدة هي بكل تأكيد الوعي .
مع الأسف فلسفتنا الراهنة تُعاني من الكثير من حالات الغياب عن كثيرٍ من القضايا الرئيسية مثل الهوية والتعليم والدراما والعقلانية الاجتماعية وانتهاءً بالحريات والسياسة .
فمتى تصبح الفلسفة العربية الراهنة ملموسة واقعاً وتطبيقاً ، نظرية وممارسة ، وليست مجرد ترميم لنظرياتٍ سابقة أو بائدة .
ومن جانبٍ آخر نستطيع أن نقول أن الظاهرة الثقافية تشوّه الكيان الفلسفي العربي ، بسبب غياب مفهوم الجماعة الفلسفية ، ذات الهم المشترك ، وهذا مؤشر كافٍ على غياب الوعي لدى المهتمين بالفلسفة أنفسهم ، وأنهم مكانهم كمرضى على سرير الحكمة .
إنّ التغيير الجاد والمستدام هو الذي يعتمد على التوازن بين الماضي والحاضر ، مع الإدراك بأن الثوابت والمبادىء والقيم التي نشأ عليها الإنسان هي ليست عبثية ، بل هي أداة فاعلة بالإمكان توظيفها لتحقيق التغيير الإيجابي بما يتناسب مع الوقت الراهن ، مع ضرورة التمييز بين المبادئ الجوهرية التي تلعب دوراً مهماً الذي يشكل أساس الهوية ، وبين العادات التي قد تكون قابلة للتكيّف مع الزمن بعيداً عن دوّامات الضياع ومخاطر فقدان أو الابتعاد عن الهوية والشخصية .
آخذين بعين الاعتبار أن مفهوم الثوابت معمول به حتّى في المجال السياسي في منطقتنا العربية ، لكنه غير متناول في المجتمعات الغربية حتّى سياسياً ، هم يتعاطون العلوم والقوانين ، وعند الغرب التعامل بروح العاطفة ليس هو الحال كما هو في المنطقة العربية ، فعند العرب عنصر العاطفة متفوق على العقل والحكمة أو المادة ، وهذا المفهوم يُختصر بالخيالِ والوهم الاجتماعي والسياسي .
وعندما نتعمّق في فحوى ” الثوابت ” نجدها بأنها عبارة عن سلوك وقواعد بمثابة الحاكمة على الأفراد ، وهي ليست للمساومة أو المراجعة ، أمّا المتغيرات فهي شؤون يشملها التبديل والتغيير نحو التطوير ، وهذا التطوير بالتأكيد لا يخرج الأصل عن خصائصه المميّزة واستمراريته ، لأن التغيير يحتاج إلى سلاسة ومرونة وتكيّف ، وتجاوباً مع الاحتفاظ بالثوابت ، والمتغيرات يجب أن تكفل الصلاحية والملاءمة للمكان والزمان .
وإذا تعمّقنا أكثر في مفهوم كلمة الثوابت ، نراها تختزن فعلاً وضمناً مفهوم رفض الواقع ، وبالتالي رفض أي تغيير إن كان اجتماعياً أو سياسياً .
في عام 1789 ومع الثورة الفرنسية ، كانت هناك محطّات مهمة فيما يخصّ الثوابت ، حيث كانت ثورة إنفصال عن الكنيسة ، وثورة مساواة ، وإلغاء الامتيازات التي كانت تتمتع بها الكنيسة ، وتأكيد مبدأ حقوق الإنسان والمواطن على حرية التعبير والمساواة وحرية الضمير ، ومن ثمّ تسارعت التحولات ، وتم إلغاء تهمة الإبتعاد عن الدين ، في قانون صدر عام 1881 ، وإقرار الطلاق المدني عام 1884 ، وكذلك القبول بالدفن المدني عام 1887 .
وترتّب على هذه التحولات التي طالت الحداثة السياسية ، إنفصال المجتمع عن السلطة ، والإقرار بمسؤولية أي مواطن على أفعاله ، والممارسات البشرية في ظلّ السياسة والقانون ، خاضعة للمحاسبة والنقد والمراجعة ، وأصبحت الشرعية السياسية تتم بعيداً عن الكنيسة ، وأصبحت مُستمدة من الشعب وفق صناديق الاقتراع ، كما تم إقرار مبدأ المواطنة ، الذي أكّد أن كلّ المواطنين متساوون أمام القانون ، بغض النظر عن الدين أو المذهب أو الجنس أو اللون أو المعتقد ، وابتعدت الدولة عن مظاهر حياة الناس الشخصية .
الوعي العربي يتعامل مع الماضي ويستثمره على أنه حاضر أبدي ، هذا الواقع هو خلاصة التعلّق بالوهم ، هكذا هو فكر الثوابت لا التحوّلات والتغيرات وحسب ، بل يروم إلى إيقاف الفكر والتنوير أيضاً .
حيث أن التنوير هو بمثابة انطلاقة وخروج أي إنسان عن حالة القصور التي يُعاني منها ، والتي هو المسؤول عنها ، والتي لا يعود سببها إلى تشويهٍ في قدرة الفهم ، بل إلى فقدانه الشجاعة ، واتخاذ القرار الذي يجعله ينطلق بعيداً عن الوصاية من قِبل أي كان .
من يتابع الأمور يُدرك أنه في المنطقة العربية رُصدت أموال طائلة جداً ، وتم تأسيس مؤسسات مُتسلسلة ولا تنتهي كي تعيق أي تطور لهذه المنطقة ، ورغم كل مظاهر العنف الأصولي ، إلاّ أن أُفق الحرية والمساواة لا بُدّ إلاّ أن يُفتح ، فصخور الثوابت لا يمكنها بكل تأكيد إيقاف مجرى النهر ، أو أن تُغلق الأفق الرحب .
لذلك على كلّ فرد أن يتحلّى بالآثار الإيجابية المترتبة على تحمّل المسؤولية ، والقرار الذي يتخذه ، فمن الضروري أن يكون الإنسان يملك السيطرة الحقيقية ، وقائداً لمسيرة حياته ، واتخاذ قراراته بحرية ، وأن يحترم ويُقدّر الذات بهدف أن يتمتع بفعالية بالثقة بالنفس ، والقدرة على رسم مسار حياته بعيداً عن وصاية أي أحد ، وأن يتحلّى فعلاً بالشجاعة كي لا يتردد ، وبنفس الوقت كسب صداقة واحترام الآخرين ، وفتح آفاق جديدة من خلال المسؤولية التي يمتلكها ، واكتساب مهارة القدرة على التغيير ، والتي تمكّنه من الارتقاء بالمجتمع و بمؤسّساته .
إنّ الإرتقاء بالمجتمع ، والتفكير بمستقبلٍ حضاري للعرب ، يُصيبنا بالدهشة ، حيث أن هكذا عناوين تمنحنا الخيبة أكثر مما تجعلنا نتفاءل ، فهكذا عناوين كان من المفروض أن تُمرّر دون نقدٍ سليم ، وهذه الأفكار بحاجةٍ ماسّة إلى غرفٍ خاصّة بالعناية المركّزة ، بهدف تشريحها وتفكيكها ، وإعادة النظر فيها ، ولأن أفق هذه العناوين واسعٌ ورحب ، وتتّسم بالشمولية ، لذا فإنها لا تتوافق مع الحالة الراهنة التي تعيشها الأمّة ومجتمعاتها ، وكأن الزمن لا يزال مُبكّراً كي نتناول هكذا أفق حضاري لمجتمعاتنا ولأمّتنا ، لأنه بشكلٍ أوّلي ومبدئي يجب على المجتمعات العربية أن تتمتع بشيءٍ من التحرر والتقدم ، والنمو والتحديث ، والإصلاح والتغيير ، نحو مستقبلٍ مشرق ، وهذه الأمور ليست مهمة نخب مُعيّنة بعينها ، بل هي مهمة كلّ المجتمع ، ففي الوقت الراهن هذه الأمور ليست محصورة بيد نخبة ثقافية ما ، لأن زمن النخب الفكرية والثقافية قد ولّى ، والمشروع الحضاري العربي ، والوعي الحضاري قد وصل إلى آفاقٍ مسدودة .
حتّى الثورة الرقمية ودورها في إعادة تشكيل الوعي الإنساني تجاوزتنا ، حيث شهد العالم خلال العقود الأخيرة ثورة غيّرت مسيرة الحياة الإنسانية في معظم المجالات ، وخاصّة مجال الإعلام والاتصالات ، من خلال تقنيات المعلومات ، والإعلام الإلكتروني الذي هيمن على وسائل الإعلام التقليدية ، وسادت أزمة المعرفة والتضليل في عصر الإعلام الرقمي ، ممّا أدّى إلى تضاعف البيئة الإعلامية الهشّة ، وتصاعد الخطاب الشعبوي ، وانتشار الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية ، والنقص الحاد في الدراسات النقدية العميقة .
وللدقّة نؤكّد بأن الثقافة الرقمية هي من بين العوامل المؤثّرة بشكلٍ عميق على مفهوم الهوية في المجتمع العربي ، حيث أحدثت تغييراً جذرياً في كيفية فهم الفرد لنفسه وللآخرين ، حيث أن الثقافة الرقمية تسهم بشكلٍ مباشر في تعزيز وتشكيل الهوية الفردية ، وتقبّل هويات أخرى ومتعددة ، وعدم التحمّل للبقاء على هوية واحدة ثابتة ، آخذين بعين الاعتبار بأن إنتشار المعلومات المضللة ، والضغط الاجتماعي يؤثّر سلباً على مفهوم الهوية ، وهذا بالتالي يؤدّي إلى الاعتماد على هويّاتٍ ذات معايير خارجية ، بعيداً عن الخصوصية الثقافية .
ومن ناحية أخرى يمكن للثقافة الرقمية تعزيز دور الأفراد مع الثقافة الأصلية لهم عبر طرقٍ جديدة ، من خلالِ إحياء القديم أو بعض التراث الثقافي بواسطة الإبداع الرقمي ، على الرغم من الضغوطات والسبل المستحدثة ، وهذه العملية يمكن أن تكون عبارة عن فرصة لاستكشاف هوية قد تكون مركّبة وشاملة ، تلعب دوراً في تقدم التعاطي مع الثقافة العربية وتطويره في عصر المعلومات ، وهذا هنا يؤكّد لنا أو يعكس كيفية تكيّف الهوية مع المناخ المتحيّز عبر التوازن بين الأصالة والحداثة الذي قد يؤدّي إلى أفق جديد في فهم الذات والمجتمع .
وإذا تناولنا الهوية الوطنية في المجتمع العربي نجدها تتميّز بالكثير من الثراء والتعقيد ، حيث تتشابك فيها عوامل كثيرة ، مثل : الدينية واللغوية والثقافية والتاريخية ، ممّا يجعلها غنيّة بالتنوّع الفريد الذي يعكس خصوصية بيئية أو محلّية .
ولقد أفرزت الثقافة الرقمية وساهمت في بلورة هذه الهوية ، عبر منصّات التواصل الاجتماعي التي أفرزت مساحات واسعة للتعبير ، وأصبح الأفراد يملكون القدرة على المساهمة في النقاش ، وخاصّة حول تجليات الهوية الوطنية ، حيث يتم تداول التراث الثقافي ، والأساطير ، وحالات الإحباط الوطني والسياسي في البلاد ، ممّا يُعزّز الشعور بالولاء والانتماء ، والسعي من أجل الأفضل ، والتكيّف مع السياقات الجديدة ، مّما يؤدّي إلى تغيير مستمر في اللحظة الراهنة في المجتمعات العربية المعاصرة .
فعند المواطن العربي ، يُعتبر التعبير عن الذات في العصر الرقمي أحد أبرز وجوه الهوية الرقمية ، مما يسهم في توسيع الفضاء الثقافي ، وتبادل الحوار والأفكار ، كما يؤخذ بعين الاعتبار، أن العصر الرقمي يحمل أيضاً البعد السلبي ، مثل التذمّر الإلكتروني ، والهوية الزائفة ، وهنا يتطلب من الأفراد الوعي التام بهدف حماية خصوصياتهم ، وضمان تعاملهم مع البيئة الرقمية ، التي قد تكون معقّدة أو مشبوهة في بعض الأحيان ، والتصدي للتحديات التي قد تطرأ نتيجة لذلك ، والأخذ بعين الاعتبار الخصوصية الثقافية ، كي يستطيع المجتمع العربي ، إيجاد التوازن المستدام بين الخصوصية و التقليدي والرقمي في بناء الهوية المتجددة .
ويجب أخذ الحذر من أن الخوارزميات الرقمية تلعب دوراً واضحاً كفاعل اجتماعي ، لديه القدرة على توجيه المحتوى العام وفق اهتمامات المستخدم ، وتتم تغذيته وفق ميوله وأفكاره .
وينتج عن ذلك خلق فقاعة فكرية تمارس دورها في عزل هذا المستخدم عن الرأي الآخر ، وينتج عن ذلك تشكيل تنشئة رقمية انتقائية ، تغذّي المستخدم بما يريده هو ، وتضعف مقدرته على الحوار ، أو التنوّع والتفكير النقدي .
لذا على المجتمعات أن تتألق في توجهاتها الرقمية ، لتحمي مفهوم الخصوصية والكرامة الإنسانية ، وبالتالي تمنع الاستغلال النفسي والمعلوماتي لأبناء الأمّة ، حيث أن التوازن بين الواقعي والرقمي ، هو السلوك الأمثل لحماية الإبداع والهوية الإنسانية من الذوبان في الأفق الافتراضي .
حيث أن الإبداع في حقيقة الأمر لا يتأتّى دوماً من الحريات المطلقة ، بل إن القيود في أغلب الأمر هي التي تدفع الإنسان إلى التفكير خارج منحى القيود ، والواقع العملي الذي عايشناه يؤكّد لنا أن القيود والقمع تُشكّل أرضية خصبة للإبداع الفكري ، وخاصّة عندما تكون الخيارات متعددة ، هنا قد يشعر الإنسان بالضياع أو في المجمل الإحباط ، وهذه الأمور تشحن العقل ، وتضع حداً للتشتت ، مّما قد يؤدّي إلى حلول مبتكرة وناجعة .
حتّى في الشركات الضخمة بالإمكان تحويل القيود إلى أداة إيجابية تدفع الإبتكار وتحرّضه عبر تحديد أهداف بعينها ، فالقيود تجعل الشخص أو فريق عملٍ ما ، بالعمل من خلال تنسيقٍ مركّز ، الذي بدوره يساعد في إيجاد حلول هي بحدِ ذاتها إبداعية لمشاكل مُعقّدة .
القيود بحد ذاتها لا تعني الإعاقة إطلاقاً ، بل قد تكون عاملاً مهماً وناجحاً للتحفيز والإبداع لتجاوز الواقع نحو آفاقٍ جديدةٍ ورحبة ، وخاصّة عندما تكون هناك حاجة حقيقية لتخطي صعوباتٍ ما ،
حينما يكون الجهد موظّفاً بالشكلِ السليم .
آخذين بعين الإعتبار بأن الحرية بدون هدفٍ معيّن ، أو إطارٍ سليم ، قد تؤدّي إلى ضياعٍ وهدر الوقت ، وخاصّة عندما تكون التجارب غير موفقة أو مفيدة ، إنّ التوازن بين الحرية والقيود هو الذي يكون دافعاً حقيقياً للإبداع .
إن القيود و الضغوط قد تكون المحرّك الخفي وراء أي إبداع ، حيث أن القيود قد لا تكون عوائق عند الإنسان المتماسك ، بقدر ما هي مُحفّزات تدفع العقل للبحث عن حلولٍ مبتكرة ، خاصّة عندما تكون واضحة ومحددة ، ومُعدة بعناية وبطريقةٍ مدروسة ، بعقلٍ عربي حضاري بعيداً عن قيود الموروثات .
لأن العقل العربي بشكلٍ عام مُقيّداً بثلاث قيودٍ جدرانها سميكة وصمّاء ، لعل أولها هو الفهم البدائي للدين ، إضافةً إلى قيود الموروثات والمفاهيم الثقافية التي أنتجتها تجربتنا الثقافية التاريخية ، أمّا القيد الثالث ، فهو قيد الرعب من الحداثة المعاصرة ، بحجة التخوّف على الخصائص الثقافية التي نتمتع بها ، من الضياع أو الزوال ، أو إمتزاج دمائنا الشريفة المتعلّقة بهذه الخصائص ، بالدماء غير الشريفة لثقافاتٍ وافدة . ! .
إن المحنة المعاصرة التي نعيش بها ، جعلتنا في منأى عن طموحاتنا ، على كافة المستويات ، السياسية والاجتماعية والاقتصادية ، وفي المقام الأول الثقافية .
إن محنة مجتمعاتنا العربية الآنيّة أخذتنا في حقيقة الأمر بعيداً عن مسيرة التقدم والتمدّن الإنساني ، فأين هو العقل العربي ؟.
مع الأسف إن أي عربي حينما يتمعّن الفترة الزمنية التي شهدت فعلاً نهضة عربية حديثة ، يجدها قد تمّت أثناء خضوع الساحة العربية المترامية الأطراف للإستعمار الأوروبي .
وعندما تراجع الاستعمار الغربي ، وحدث التحرّر ، تراجع الفكر العربي ، والعقل العربي ، وبالتالي تراجعت النهضة العربية الحديثة .
لو تناولنا الوقائع بدقةٍ أكثر، نرى أن المنطقة قد شهدت في عهد الاستعمار الأوروبي تغيراً كبيراً في واقع المجتمع العربي ، حيث تمّ تشييد البنى التحتية ، وتمت صياغة دساتير قائمة على التعددية ، كما تمّ تأسيس جامعات ومعاهد بهدف الربط الفكري والثقافي بين البلاد العربية وأوروبا ، وتشكّلت بيئة خصبة للحوار والجدل والنقد في عددٍ من المجتمعات العربية ، وفي ظل هكذا بيئة تجاوز العقل العربي مرحلة جموده الفكري الذي فُرض عليه من قِبلِ العهد العثماني ، وحاولت الرموز الثقافية والفكرية والأدبية تحديث واقع المجتمع العربي في مختلف المجالات ، بهدفِ اللحاق بركب الحضارة حديثاً .
ومع بدايات النهضة دخلت المعرفة والعقل العربي طرق التفكير الحديثة التي أبدعها العقل العربي ، حيث محت قسماً كبيراً من تركيبته العقلية التقليدية .
ومثّل التطور الحضاري الأوروبي تحدّياً واضحاً ، حيث إرتفعت أصوات تطالب بالانفتاح على أوروبا والاستفادة من المعرفة العلمية منها ، بما يتماشى مع الواقع العربي .
كما ظهرت خلال النهضة العربية عدة اتجاهات فكرية نذكر منها ، حركة القومية العربية بمختلف اتجاهاتها ، وحركة الإصلاح الديني ، وحركة التنوير العربية ، إضافة إلى تياراتٍ يسارية وتيار ليبرالي ، واتجاهات فكرية أخرى .
ولقد نشطت وساهمت رموز هذه التيارات في الحوار الفكري والثقافي عبر الصحافة والمنتديات والصالونات الثقافية والأدبية والكتب والمجلات ، حينها حدث تحوّل إيجابي في العقل العربي ، بعد أن عاش فترة طويلة من الجمود ، من خلال المحرك الأساسي الذي ساهم في خلق الواقع الجديد ، والمجتمع الجديد ، الذي يختلف كل منهما عن عمّا كان سائداً عليه ، وبشكلٍ أدق ، تم تحرير العقل العربي من جموده الفكري ، وربط تفكيره ورؤيته للواقع مع العصر ، من خلال الأساليب الفكرية والعلمية ، وتحليل الواقع ، وصناعة المستقبل ، وبناء المجتمع والدولة الحديثة ، ودمج الثقافة العربية مع الحداثة ، والرؤية النقدية للتراث ، وسوى ذلك .
وبعد التحرر تمّ وبشكلٍ تدريجي القضاء على محاولات التحديث ، والتطوير الثقافي والفكري ، وعاد العقل العربي مرّة أخرى إلى الجمود ، مع تصاعد تيارات أخرى ، مثل الحركات الأصولية ، وحركات الإسلام السياسي ، وبالتالي القيام بتسييس كلّ شيء في المجتمع العربي ، وإحياء ثقافة المجموعات التقليدية في المجتمع ، وغياب الحريات ، وتلاشى القوى المدنية والتنويرية في مختلف أنحاء الوطن العربي ، وكلّ هذه الأمور ساهمت بشكلٍ فعلي في تراجع وجمود العقل العربي ، وتراجع الدول العربية ، وغياب الفلسفة العربية ، وتحويل المجتمع العربي من مجتمع منتج ، إلى مجتمع مستهلك ، وتسييس و أدلجة التعليم ، وانتشار العصبيات ، وتفشي التطرف والإرهاب .
ومع ذلك كله ، بقي هناك أفراد لا يزالون يقاومون تيار الجمود الفكري الجارف ، ويواجهون بشجاعة ، ومن خلال القلم مظاهر التعصب والتطرف ، وهؤلاء الأفراد وسواهم من الذين ينشطون في نفس المنحى ، هم كانوا وسيبقون نبراساً ينير الدرب للعديد من أبناء أمّتنا ، وخاصّة الجيل الجديد الذي يعيش واقعاً تكنولوجياً جديداً ، وهو أمر يدعو فعلاً للتفاؤل ، نحو إزاحة ضباب الضياع الفكري الراهن ، وتعيد للعقل العربي حيويته الإبداعية ، كي يُحيك لشباب الأمّة ثوباً جديداً لواقعها وفكرها ومستقبلها .
آخذين بعين الإعتبار بأن هذا الجيل يحتاج إلى إعدادٍ جيد ، والسبيل الوحيد والناجع من أجل هكذا مهمة ، هو العلم والتعليم ، إنّ القلم النبيل هو كفيل بإعداد هذا الجيل من أجل مستقبلٍ أفضل .
حيث أن التعليم هو عاملٌ أساسي يسهم بشكلٍ مباشر في تربية وإعداد الجيل الجديد ، وفي تطوير المجتمعات ، وتعزيز حالات الإبتكار والإبداع عند الشباب ، الذين يكتسبون العلم والمعرفة والمهارات ، من خلال تشجيعهم على التعبير عن أفكارهم بحرية .
حيث أن العلم يوفّر لهم كلّ اللوازم التي تدعم التفكير النقدي عندهم وتجاوز المعضلات ، وحلّ المشكلات التي تواجههم ، كما تنمو عندهم مهارات التفكير النقدي ، وكيفية تحليل المعطيات أو المعلومات ، وبالتالي تقييمها ، وتقييم نتائجها بشكلٍ موضوعي ، ومن ناحيةٍ أخرى يتعلمون الاستكشاف والتجربة ، وتطوير أفكار جديدةٍ مبتكرة ، وبالتالي تنمو عندهم روح المبادرة ، ويكون الإبداع عندهم نشطاً في مختلف المجالات ، وكلّ هذه الأمور ستؤدّي بالضرورة إلى مساهمة الشباب في تطوير مشاريع مبتكرة ، وتوسيع آفاق الفكر ، وتعزيز مهارات التواصل ، وتعزيز الفكر النقدي ، وتحفيز الإبداع في المجالات الجماعية ، والإلتزام بروح الولاء والانتماء الوطني والقومي .
كلّ هذه الأمور تتوقّف عند خلق بيئة تعليمية ملهمة ، لأنها الوسيلة الوحيدة لتحقيق الإبتكار والإبداع في مختلف المجالات ، وخلق جيلٍ وطني معطاء ومثمر .
هنا تتجلّى روح المسؤولية على حقيقتها ، والمسؤولية الفاعلة قولاً واحداً هي المسؤولية الأخلاقية ، وأي فرد حينما يرى أن شخصاً آخراً قد قام بفعلٍ ما وفشل في إنجازه ، رغم أنّه كان مهتماً ، يتشكّل عند هذا الفرد ردة فعلٍ مُعيّنة ، غالباً هذه ردة الفعل هي المعمول بها ، فإمّا أن تكون ردة فعلٍ إيجابية أو ردة فعلٍ سلبية ، بمعنى أن ردة الفعل هي إمّا الثناء أو الملامة .
التأمل الفلسفي في المسؤولية الفاعلة له تاريخٌ طويل ، وأكثر شيءٍ يُميّز الأفراد هو موقفهم الأخلاقي كفاعلين مسؤولين ، فكيف سيكون النظر إليهم ، وكيف هو سلوك سواهم ، وهل تُفسّر الأمور مادّياً والقوانين التي تحكمها ، أو من خلال قوانين سماوية ، وتكثر هذه التساؤلات حينما نتعرّض للمسؤولية الفاعلة ا, الأخلاقية .
ولعلّ ” أرسطو 323- 384 قبل الميلاد ” هو أول من أسّس نظرية المسؤولية الأخلاقية ، ويقف أرسطو عند الفضائل والرذائل لدى البشر ، وحول المسؤولية الأخلاقية يقول أرسطو ” من المناسب الرد على فاعلٍ بالثناء أو الملامة على أساس فعله ، وهناك نوعاً معيّناً من الفاعلين ، ’مؤهّلين ليكونوا فاعلين أخلاقيين ، وبالتالي يصبحون عرضةً بشكلٍ دائم لتطلعات المسؤولية ، ذلك الذي يملك القدرة على القرار ” .
فالقرار عند أرسطو هو القصد الذي يُعبّر عن مفهوم الفاعل ، الذي يرى حوله أرسطو بأن الفعل يجب أن يكون أمره بيد الفاعل ، ولا يمكن أن يُفرض عليه من الخارج ، وعلى الفاعل أن يكون واعياً ومدركاً ما يفعله .
من المؤكد أن مفهوم المسؤولية خضعت لبعدها التاريخي ومسارها التطوري ، والكثير من التطورات ، والنقاش من قبل كثير من علماء الإجتماع والمُنظّرين ، وبشكلٍ عام من الصعب الحديث عن المسؤولية دون الأخذ بالأسس الأخلاقية في المسألة ، ولعل من أهم أُسس المسؤولية هو الناتج الإيجابي .
المسؤولية يُنظر إليها من خلال بند الحكمة العملية ، وباعتبارها مسألة شخصية ، ولا تحتاج إلى الإبحار في مجالات التحليل والتقييم المتعدد الجوانب والمستويات ، أو إلى مُقاربات في علم النفس والاجتماع والإدارة على سبيل المثال .
الشخص الفاعل هو من المفروض أن يتمتع بالحكمة العملية ، وهو المستفيد بهدف ضمان مخرجات إيجابية .
سوف لن نربط المسؤولية بين النظرية والتطبيق أو الممارسة ، حيث أن النظرية هنا ، وفي مجال المسؤولية تأخذ شكلاً من أشكال الاعتقاد ، لأن المعطيات واضحة ، وهناك نسق ما ، وفرض ما ، يمكن الاستدلال عليه من خلال الرؤية أو التقييم والتفسير ، ومن شأن هذا الاعتقاد في المجال المعرفي ترشيد السلوك بشأن الرؤية والتحليل واتخاذ القرارات .
وتبقى هناك اجتهادات فكرية معاصرة بشأن النظرية والممارسة تبحث من خلال نظريات جديدة ، معالجة القصور حصراً ، في مجال عملٍ ما بعينه .
ومن جهةٍ أخرى إن مفهوم الممارسة اُستخدم في النظريات اليسارية ، ويُشير إلى السلوك الفعلي في اكتشاف المعرفة ، وهذا السلوك بشكلٍ طبيعي يرتبط بالأُسس المادية للمجتمع ، ويُمارس على أساس طبقي وليس بشكلٍ فردي .
وهذه الممارسة تنشط في مجال اكتشاف المعرفة الموضوعية ، وتجنّب الوعي الزائف المعتمد على التشوّه الإيديولوجي .
وتكتسب نظرية الممارسة الاجتماعية الأهمية من خلال العلوم الإنسانية والاجتماعية ، لقدرتها على تفسير طبيعة الظواهر الاجتماعية على اختلافها ، وبالتالي تحليلها من خلال سياقٍ اجتماعي مُنظّم ، لأن هذه النظرية تُحوّل الانتباه بعيداً عن اتخاذ القرار الفردي .
إنّ البناء الاجتماعي يرتبط بالممارسة الاجتماعية عبر المجال ، لذا فإن المجالات تصبح بمثابة البيئة التي تكمن فيها عمليات الإنتاج والاستهلاك ، وبالتالي توزيع مختلف أشكال الموارد الرمزية والمادية ، وبامكاننا أن نستوعب بنية المجال من خلال درجة القوة بين الفاعلين ، ومراكز تمركز المصالح في لحظةٍ تاريخيةٍ بعينها .
وحينما نربط المسؤولية بدور النخب ، نرى أن النخب التي نقصدها لم تتحمّل المسؤولية والممارسة الفعلية لقيادة المجتمع ، لأن ” النخب ” الراهنة هي بعيدة كل البعد وبشكلٍ فعلي عن المجتمع وأفراده ، حتّى أن الجمهور يُحمّلها مسؤولية التراجع والتردّي ، ” حيتان الفساد ” أي النخب الراهنة ، هي قليلة الخبرة مّما يرتبط بالسياسة والاقتصاد ، والتبعية وحدها هي التي تُسيّرهم ، فهذه النخب أحادية ، ليس لديها القدرة أو الجرأة لترسيخ مفهوم المشاركة السياسية ، أو التداول السلمي للسلطة ، بينما النخب الفعلية العربية الفعلية ، هي أسيرة القمع والاستبداد ، ومصادرة الرأي الآخر ، والتهميش والمعتقلات .
ومن هنا نستطيع أن نلمس الفرق بين نشأة النخبة عند الغرب ، وبين البلاد العربية ، إن العالم العربي لم يُوفق في إيجاد نخب سياسية تتميّز بالقبول الجماهيري ، حيث أن النخب السياسية المتوفّرة في وقتنا الراهن ، معظمها ينحدر من المؤسسات العسكرية ، وحينها يتحوّل العسكر إلى سياسيين ، وبالتالي أصبحوا يسيطرون على تنظيمات سياسية ، ومنظماتٍ شعبية ، ومجالس النواب ، وعلى بعض الكتاب والمفكرين والمثقفين ، الذين يعتاشون على موائد وصالونات السلاطين ، والذين هم مُسخّرون لخدمة النظام والمديح به وله ، وبنفس الوقت هم بحماية مراكز القوى .
ولو دقٌقنا النظر نرى أن معظم العالم العربي يحكمه العسكر ، وكلهم مرتبطون بالتبعية العمياء التي تدمّر المواطن والأوطان والأمّة .
في أوطاننا ينتشر الفساد السياسي والاقتصادي والثقافي والإعلامي ، وينتشر حتّى في المؤسسات القضائية والصحية والتربوية والتعليمية .
إنّ النخب العربية الحقيقية والفعلية تعيش حالة تردٍ ، وهي في مأزقٍ حقيقي ، من خلال الدور القمعي الذي تمارسه الأنظمة وأجهزتها الأمنية ، فالميدان للبطشِ والاعتقال ، في ظلّ غياب النهج الديمقراطي .
إنّ وجود الأنظمة القمعية المستبدّة يزداد ويشتدّ يوماً بعد يوم ، وحالة الاحتقان في الشارع الثقافي والسياسي لا حدود له .
إنّ الأنظمة العربية تفتقد الشرعية الشعبية ، لذلك فإنها تبحث عن شرعيتها من خلال سياسة التبعية ، والانحياز المطلق للمشروع الصهيوأمريكي الذي يسيطر على المنطقة ، والذي يدعم شرعيتهم في المرحلة الراهنة ، لأنهم سيفتقدون شرعيتهم في يومٍ ما .
إنّ سيادة القانون ، وإنتشار العدالة والمساواة ، وإطلاق الحريات ، والتداول السلمي للسلطة ، من شأن هذه النقاط أن تأخذ بيد المواطن والوطن إلى بر الأمان .
لكن الواقع المُعاش هو ، إرهاب الدولة ، والفساد وسرقة المال العام ، والخيانة واحتكار السلطة ، والتهميش والإقصاء ، وغياب مفهوم المواطنة والتعايش الوطني ، وغياب القانون .
إنّه الواقع المرير الذي تحياه شعوبنا المتعطّشة للحرية والديمقراطية والكرامة والحسّ الإنساني .
إنّ الوعي العربي ليس سلعة نستوردها ، وليس هندسة وراثية ، بل جملة مواقف نبيلة ، وتضحيات تتشكّل في خضم حياتنا اليومية .
فهل يستطيع المفكرون والسياسيون والكتّاب والمثقفون ، وعلماء الاجتماع والمؤرخين ، أن يأخذوا دورهم الجدّي والجريء لبناء جيلٍ حر ، يتجاوز جدار الخوف من أجل الحرية ، وبتر كل معالم القمع والاستبداد في البلاد ، وأخذ دوره الفاعل والمشارك في صناعة القرار السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي في البلاد .
منبر العراق الحر منبر العراق الحر