منبر العراق الحر :
مقدمة: لماذا لا تحسم واشنطن موقفها من طهران؟
على مدى عقدين، تعاملت الولايات المتحدة مع إيران ضمن نمط ثابت ظاهرياً ومربك فعلياً:
• لا حرب شاملة.
• لا تطبيع كامل.
• لا إسقاط نظام.
• لا قبول نووي معلن.
• لا اتفاق مستقر طويل الأمد.
هذا ليس تردداً عشوائياً.
بل سياسة مدروسة تُعرف في الأدبيات الاستراتيجية باسم:
الغموض الاستراتيجي.
لكن ما الذي يعنيه الغموض الأميركي في الحالة الإيرانية تحديداً؟
وهل هو ضعف؟ أم إدارة مخاطر متعمدة؟
أولاً: الغموض ليس غياب قرار… بل هندسة قرار مؤجل
في حالة إيران، واشنطن لا تعلن خطوطاً حمراء نهائية بشأن:
• العتبة النووية الدقيقة.
• مستوى التخصيب الذي يستدعي ضربة.
• توقيت التدخل العسكري.
• حدود الرد على الوكلاء الإقليميين.
هذا الغموض يخدم ثلاثة أهداف:
1. إبقاء طهران في حالة عدم يقين دائم.
2. منع التزام أميركي مُقيِّد قد يُجبرها على التصعيد.
3. الاحتفاظ بهامش مناورة داخلياً وخارجياً.
الغموض هنا أداة ردع نفسية قبل أن يكون سياسة أمنية.
ثانياً: العقيدة الأميركية تجاه إيران – منع دون إسقاط
منذ 2003، تشكلت عقيدة أميركية غير معلنة تجاه إيران تقوم على:
• منع امتلاك سلاح نووي فعلي.
• احتواء النفوذ الإقليمي دون حرب مباشرة.
• الضغط الاقتصادي المتواصل.
• تجنب إسقاط النظام بالقوة.
هذه العقيدة تعكس إدراكاً أميركياً بأن:
إسقاط النظام الإيراني بالقوة قد يُنتج فوضى إقليمية أوسع من المشكلة الأصلية.
إذن الهدف ليس التغيير،
بل الضبط.
ثالثاً: Title 10 و Title 50 في الساحة الإيرانية
التعامل الأميركي مع إيران يوضح بجلاء الفرق بين العلن والظل:
Title 10:
• تعزيز وجود عسكري في الخليج.
• ضربات محدودة عند تجاوز عتبات معينة.
• رسائل ردع علنية.
Title 50:
• عمليات استخبارية.
• دعم استخباري لحلفاء.
• عمليات سيبرانية.
• ضغوط غير معلنة.
إيران لا تواجه حرباً تقليدية،
بل بيئة ضغط مركبة متعددة الأدوات.
رابعاً: تسليح الدولار ضد طهران
العقوبات على إيران تمثل أحد أكثر نماذج تسليح الدولار وضوحاً:
• عزل مصرفي.
• تقييد صادرات النفط.
• عقوبات ثانوية على أطراف ثالثة.
• مراقبة دقيقة للتدفقات.
لكن العقوبات لم تُسقط النظام.
ولم تُنهِ برنامجه النووي.
بل أنتجت:
• تكيفاً اقتصادياً.
• توجهاً نحو الصين وروسيا.
• اقتصاداً موازياً جزئياً.
الغموض هنا يتمثل في أن واشنطن لا تحدد بوضوح:
ما هو الهدف النهائي للعقوبات؟
خامساً: الضربة غير المنفذة كأداة ردع
واشنطن لم تضرب المنشآت النووية الإيرانية بشكل شامل،
رغم امتلاكها القدرة.
هذا الامتناع ليس عجزاً،
بل جزء من المعادلة.
إيران لا تعلم:
• متى قد تُنفذ ضربة.
• ما هو الحد الفاصل الحقيقي.
• ما إذا كانت العتبة قد تجاوزت بالفعل.
الغموض يمنع طهران من حساب المخاطر بدقة.
سادساً: الوكلاء… المنطقة الرمادية
أكبر اختبار للغموض الأميركي يظهر في:
• العراق
• سوريا
• لبنان
• اليمن
الرد الأميركي غالباً يكون:
• محدوداً
• محسوباً
• لا يستهدف الداخل الإيراني مباشرة
لماذا؟
لأن واشنطن تريد:
إيصال رسالة دون فتح جبهة شاملة.
الغموض يسمح بردود جزئية دون التزام تصعيدي كامل.
سابعاً: النووي الإيراني – العتبة الغامضة
إيران تقترب من العتبة،
لكن لم تعلن سلاحاً.
واشنطن ترفض القبول،
لكن لم تضرب.
هذا التوازن الهش قائم على:
ردع غير مكتمل بين عتبتين.
الغموض هنا يمنع:
• إعلان حرب
• إعلان قبول
ويُبقي الطرفين في مساحة مناورة.
ثامناً: المخاطرة البنيوية
الغموض سلاح ذو حدين.
إذا كان محسوباً، فهو يربك الخصم.
لكن إذا طال أمده، قد يُقرأ كضعف.
إيران قد تختبر العتبات.
وواشنطن قد تجد نفسها مضطرة للرد بعد تراكمات.
الغموض يحتاج إدارة دقيقة،
وإلا يتحول إلى ضباب استراتيجي.
الخلاصة الصريحة
الغموض الأميركي تجاه إيران ليس ارتباكاً.
بل سياسة قائمة على:
• منع الحرب الشاملة.
• منع السلاح النووي.
• منع انهيار الردع.
• ومنع التورط الإقليمي المفتوح.
لكن هذه السياسة تقوم على توازن هش.
إذا أخطأت طهران في الحساب،
أو بالغت واشنطن في الضغط،
قد ينهار الغموض إلى وضوح ناري.
الغموض الاستراتيجي ليس حياداً،
بل إدارة خطر مستمر.
الغموض الأميركي ليس فراغاً في القرار، بل مساحة مُدارة بعناية بين الردع والمنع، حيث يُؤجَّل الحسم إلى اللحظة التي يصبح فيها التأجيل أخطر من الفعل.
…
منبر العراق الحر منبر العراق الحر