معركة احد ودور المنافقين الخطير ….الكاتب/ اسعد عبدالله عبدعلي

منبر العراق الحر :

بعد هزيمة معركة بدر عمل مشركي قريش على الانتقام والتخطيط للقضاء التام على المسلمين ودخول المدينة واستباحتها, وقد كان اعتمادهم على المنافقين (القوة الخفية) كبيرا لضرب المسلمين من الداخل, خصوصا ان بعض الصلات بين بعض شخوص قريش وبعض من اظهر الاسلام وهاجر بقيت مستمرة, لكن بشكل سري حتى بعد الهجرة, لذلك القراءة العميقة لمعركة احد تكشف الدور الخطير للمنافقين فيها, لكن عملت الحكومات المتعاقبة (الاموية والعباسية) عبر اعلامها على التشويش على تفاصيل المعركة بغرض اخفاء دور بعض الشخصيات.

ان دور المنافقين في معركة احد ليس يكن كحالة طارئة، بل ظهر كتيار منظم عمل بتنسيق خفي لتقويض القيادة النبوية, فان المنافقين لم يكتفوا بالانسحاب، بل مارسوا حرباً نفسية وميدانية لكسر شوكة المسلمين.

 

 

· اولا: المنافقون وخطوة الانسحاب من الحرب

تذهب القراءة التحليلية في قرار انسحاب عبد الله بن أبي بن سلول بثلث الجيش في معركة أحد, ورجوع 300 مقاتل معه, تقريبا ثلث جيش المسلمين الذي كان عدده 1000 مقاتل, إلى ما هو أبعد من مجرد الخلاف في الرأي العسكري، حيث تعتبره فصلاً من فصول “المؤامرة الكبرى” التي كانت تهدف إلى تقويض النبوة من الداخل, وإبادة الفئة المؤمنة.

وترى هذه القراءة أن التبرير العلني الذي ساقه ابن سلول، والمتمثل في الاعتراض على قرار النبي ﷺ بالخروج من المدينة وتفضيل رأي الشباب، لم يكن إلا غطاءً سياسياً وعذراً واهياً لإحداث خرق أمني واجتماعي في لحظة مفصلية؛ فالمنافقون، بالتنسيق المضمر مع القوى اليهودية والمتضررين من قيام الدولة الإسلامية، اختاروا توقيتاً قاتلاً للانسحاب بهدف إحداث صدمة نفسية عنيفة تكسر الروح القتالية للمسلمين وتوهمهم بأن الهزيمة قدر محتوم نظراً لعدم التكافؤ العددي.

إن هذا الفعل هو “خيانة عظمى” وتجسيد لتيار النفاق الذي كان يتحين الفرص لإضعاف خط النبوة الاصيل، وتسليم رقاب المسلمين لقريش، حيث لم يكن هدفهم الحفاظ على الأنفس كما زعموا، بل كان طعنة في ظهر النبي ﷺ في أشد ساعات الحاجة، وهو ما ساعد لاحقاً في تمييز الخبيث من الطيب, وتبيان أن الثبات الحقيقي في ذلك اليوم لم يكن إلا للنخبة التي باعت نفسها لله، وعلى رأسهم الإمام علي بن أبي طالب (ع)، في مقابل تيار النفاق الذي حاول تسويق الفرار والتخاذل كوجهة نظر سياسية أو عسكرية.

 

 

· ثانيا: التحريض والتثبيط (الحرب النفسية)

أن دور المنافقين في معركة أحد لم يقتصر على الانسحاب الميداني فحسب، بل امتد ليشكل طعنة غادرة في عمق الجبهة النفسية للمسلمين، حيث مارس من بقي منهم داخل الجيش أو في المدينة حرباً إعلامية منظمة, تهدف إلى تفكيك الرابطة العقائدية بين المقاتلين وقيادتهم النبوية.

وقد تجلى ذلك بوضوح من خلال استغلالهم لظروف المعركة القاسية لبث شائعة مقتل النبي ﷺ، وهي الشائعة التي لم تكن عفوية بل كانت سلاحاً فتاكاً استهدف ضرب الروح المعنوية في مقتل، مما أدى إلى تشتت الكثير من الصحابة وفقدانهم الأمل، حتى وصل الأمر ببعضهم إلى التفكير في العودة إلى حياتهم السابقة أو طلب الأمان من المشركين.

ولم يكتفِ هؤلاء المنافقون بإشاعة الموت، بل عمدوا إلى سلاح الاستهزاء والتشكيك بالوعود الإلهية، فكانوا يرددون بين الصفوف بعبارات ملؤها التهكم أن الوعود بالنصر والتمكين ما هي إلا “غرور” وأماني كاذبة، محاولين تصوير التمسك بالقتال على أنه انتحار لا جدوى منه، وذلك لدفع المقاتلين إلى الفرار وتأمين أنفسهم، في محاولة بائسة لإثبات أن الحسابات المادية والمصالح الشخصية أصدق من اليقين النبوي، وهو ما يعتبر تمحيصاً إلهياً كشف الفرق بين “الثابتين” الذين لم يزدهم سماع الشائعات إلا إصراراً, كالإمام علي بن أبي طالب (ع)، وبين من تزلزلت عقيدتهم تحت وطأة الضجيج الإعلامي للمنافقين.

 

 

· ثالثا: التنسيق السري بين المنافقين ومشركي قريش

كان هنالك وجود تنسيق مسبق وعميق بين مشركي قريش والمنافقين في المدينة، وعلى رأسهم عبد الله بن أبي بن سلول، لإجهاض الدعوة الإسلامية في معركة أحد. ويمكن الاستدلال على ذلك التنسيق بجملة من الشواهد التاريخية، تبدأ من المراسلات السرية التي كانت تجري بين قادة مكة والمنافقين قبل المعركة لتحريضهم على خذلان النبي ﷺ، وهو ما تجلى بوضوح في انسحاب عبد الله بن أبي بثلث الجيش (نحو 300 مقاتل) في وقت حرج جداً وفي منطقة “الشوط” بين المدينة وأحد، حيث يرى المؤرخون أن هذا الانسحاب لم يكن مجرد اختلاف في وجهات النظر حول القتال داخل المدينة أو خارجها، بل كان خطة مدروسة لزعزعة الروح المعنوية وإحداث خلل في موازين القوى لصالح قريش.

كما تبرز الدلائل في الدور التثبيطي الذي مارسه المنافقون داخل الصفوف قبل الانسحاب، ومحاولاتهم إثارة الفتنة بين الأوس والخزرج، إضافة إلى ما ورد في التفاسيرة لآيات سورة آل عمران التي نزلت في أعقاب المعركة، والتي كشفت سياقاتها عن وجود اتصالات وتحالفات “تحت الطاولة” تهدف إلى تسليم المدينة للمشركين في حال هزيمة المسلمين، معتبرين أن تزامن هذا الانسحاب مع تحركات جيش مكة يثبت وجود اتفاق “غرفة عمليات مشتركة” غير معلنة تهدف إلى استئصال الوجود النبوي، وهو ما جعل من دور المنافقين في “أحد” طعنة في الظهر مكملة للهجوم القرشي من الأمام.

 

 

 

· رابعا: هل كان للمنافقين دور في اغتيال الحمزة ؟

ان التحليلً المعمقً يوصلنا الى أن استشهاد الحمزة بن عبد المطلب (أسد الله ورسوله) لم يكن مجرد حادثة عسكرية عابرة, أو انتقاماً شخصياً من قِبل “وحشي” و”هند بنت عتبة”، بل كان جزءاً من مخطط استراتيجي شارك فيه المنافقون بالصمت, أو التسهيل أو التآمر الميداني؛ حيث أدرك هؤلاء أن قوة النبي ﷺ تستند إلى ركنين عظيمين من بني هاشم هما الحمزة وعلي بن أبي طالب، فكان التخلص من الحمزة يهدف إلى كسر أحد “أجنحة” النبي القوية لإضعاف شوكة علي بن أبي طالب في الميدان مستقبلاً, وتسهيل الانقضاض على الرسالة.

كان هناك دور خفي للمنافقين الذين بقوا في الجيش, ولم ينسحبوا مع ابن سلول, لمراقبة تحركات الحمزة وتسهيل وصول المشركين إليه، بالتنسيق غير المباشر مع “الطلقاء” كأبي سفيان وهند بنت عتبة، إذ تطلب اغتيال شخصية بوزن الحمزة وسط جيش محارب الحصول على معلومات دقيقة عن ثغرات الجيش؛ وهو ما يتم ربطه بخيانة الرماة، معتبرين أن تركهم للجبل لم يكن ناتجاً عن الطمع في الغنائم فحسب، بل كان بفعل تحريض من منافقين مندسين وسطهم لفتح ثغرة في ظهر الجيش، مما مكن وحشي والمشركين من الوصول إلى الحمزة وهو في حالة اشتباك.

فان المنافقين كانوا جزء من تيار يضمر الحقد على بني هاشم، حيث كان الحمزة يمثل العزة الهاشمية التي أذلت كبرياء قريش في بدر، فجاءت تصفيته لتخدم أجندة هؤلاء المنافقين الذين أرادوا إفراغ البيت النبوي من حمايته التاريخية، ليتسنى لهم لاحقاً منازعة الأمر لأهله.

 

 

· اخيرا:

تكشف القراءة العميقة لمعركة “أُحد” أن ما جرى في المعركة كان نتيجة تحالف استراتيجي خفي بين كيد المشركين وغدر المنافقين الذين شكلوا قوة خفية تضرب الجسد الإسلامي من الداخل، حيث عمل هذا التيار المنظم بتنسيق مسبق لتقويض القيادة النبوية عبر خطوات مدروسة بدأت بالانسحاب المفاجئ لثلث الجيش لإحداث صدمة نفسية وخرق أمني في توقيت قاتل.

ولم تتوقف عند هذا الحد، بل امتدت لتشمل حرباً نفسية وإعلامية شرسة عبر بث شائعة مقتل النبي ﷺ لزعزعة اليقين ودفع المقاتلين للفرار، وصولاً إلى التآمر الميداني لتصفية ركائز القوة الهاشمية كالحمزة بن عبد المطلب لكسر أجنحة النبي وإضعاف شوكة الإمام علي (ع) مستقبلاً.

وهو ما يجعل من أحداث “أحد” قصة صراع وجودي بين ثبات النخبة المؤمنة, وخيانة تيار النفاق الذي حاول تسويق التخاذل كوجهة نظر عسكرية، بينما عملت الماكنة الإعلامية للأنظمة اللاحقة على طمس هذه التفاصيل لإخفاء أدوار بعض الشخصيات، ومن هنا تبرز الحكمة التي تقول إن العدو الذي يلبس ثيابك أخطر من الجيش الذي يقف قبالتك، فالأول يقتلك غدراً والثاني يقاتلك شرفاً.

 

اترك رد