قراءة في المشهد السياسي والاجتماعي في العراق: _ غياب العدالة الاجتماعية وتضخم الأنا الحزبية..

منبر العراق الحر :… عبدالكريم حنون السعيد….

يمكن فهم الصراع السياسي والاجتماعي في العراق المعاصر بوصفه انعكاسًا لاختلال عميق في العلاقة بين وعي المجتمع وبنية الدولة. فالعراق ليس بلدًا يعاني من نقص في الموارد أو في الحيوية الاجتماعية، بل يعاني من فجوة بين ما يدركه المواطن من معنى الحق والكرامة، وبين ما يراه متجسدًا في الواقع المؤسسي. هذه الفجوة هي التي تغذي التوتر، وتحوّل الاختلاف السياسي الطبيعي إلى صراع ممتد.
منذ عام 2003، تشكّلت الدولة على أسس جديدة، غير أن عملية إعادة البناء لم تُنتج حتى الآن شعورًا عامًا بالمساواة التامة أمام القانون أو بتكافؤ الفرص بين المواطنين. ومع مرور الوقت، ارتفع مستوى وعي المجتمع، خصوصًا لدى الأجيال الشابة، بفعل التعليم، والانفتاح الإعلامي، وتجارب الاحتجاج المتكررة. هذا الارتفاع في الوعي لم يتزامن دائمًا مع إصلاحات بنيوية عميقة، مما أدى إلى تضخم الإحساس بالاختلال.
في العراق، يتجلى الصراع السياسي في تنازع القوى على السلطة والنفوذ، لكنه في العمق يعكس سؤالًا أكبر: من يمثل الإرادة العامة فعليًا؟ وحين يشعر المواطن أن التمثيل السياسي لا يعكس تطلعاته، أو أن توزيع السلطة والموارد يخضع لمنطق المحاصصة أكثر من منطق الكفاءة والإنصاف، يتولد شعور بالتباعد بين الدولة والمجتمع. هذا التباعد هو المصدر الحقيقي لفقدان الثقة.
أما اجتماعيًا، فإن تكرار الأزمات الاقتصادية والخدمية، وارتفاع معدلات البطالة، وتفاوت مستويات المعيشة، كلها عوامل تعمّق الإحساس بعدم التوازن. في مثل هذا السياق، تتقدم الهويات الفرعية – الطائفية أو القومية أو المناطقية – على الهوية الوطنية الجامعة. ليس لأن المجتمع العراقي بطبيعته منقسم، بل لأن الإطار الوطني لم ينجح بعد في ترسيخ شعور شامل بالمساواة. الفرد حين لا يجد في الدولة ضمانًا عادلاً، يلجأ إلى دوائر أصغر تمنحه شعورًا بالحماية والانتماء.
الاحتجاجات التي شهدها العراق في السنوات الأخيرة، ولا سيما حراك تشرين، يمكن قراءتها بوصفها تعبيرًا عن وعي جماعي يسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين المجتمع والدولة. الشعارات التي رفعت ركزت على الكرامة، والفرص، ومحاربة الفساد، واستعادة الدولة من منطق الغنيمة. هذه المطالب لم تكن ثورية بمعنى الهدم الشامل، بل إصلاحية بمعنى البحث عن توازن مفقود. وهو ما يشير إلى أن التوتر لم يكن رفضًا لفكرة الدولة، بل مطالبة بإعادة بنائها على أسس أكثر إنصافًا.
ومن المفارقات في الحالة العراقية أن الخطاب الديني والأخلاقي حاضر بقوة في المجال العام، لكن الإحساس العملي بالإنصاف لا يوازي حضوره الخطابي دائمًا. هذه المفارقة تعكس انفصالًا بين القيم المعلنة والتجسيد المؤسسي لها. فحين لا تتحول القيم إلى قواعد عادلة تضبط العلاقات، تبقى في مستوى الوعظ ولا تنجح في توحيد الجماعة.
الصراع في العراق إذن ليس قدرًا تاريخيًا، بل نتيجة تراكم اختلالات في التوازن بين الوعي والبنية. المجتمع يدرك معنى المساواة والحق أكثر من أي وقت مضى، لكنه لا يرى هذه المعاني متحققة بالقدر الكافي. هذا الإدراك يولّد توترًا مشروعًا، غير أن غياب قنوات مؤسسية فعالة لاستيعابه قد يحوله إلى احتقان طويل الأمد.
مع ذلك، فإن في هذا التوتر جانبًا إيجابيًا؛ فهو دليل على أن الحس العام لم يمت، وأن الشعور بالمصير المشترك ما زال ممكنًا. العراق لا يفتقر إلى روح وطنية، بل إلى إطار عادل يعيد الثقة ويضبط الاختلاف. حين يشعر المواطن أن الدولة تحمي حقه بقدر ما تطالبه بواجبه، وأن الانتماء الوطني يوفر له فرصًا متكافئة، يعود الإحساس بأن الجميع في مركب واحد، مهما اشتدت الأمواج.
إن استعادة الاستقرار في العراق لا تتحقق عبر توازنات سياسية مؤقتة أو تسويات ظرفية، بل عبر إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس واضح من الإنصاف والمساءلة. فحين تتطابق البنية مع وعي المجتمع، يتحول التوتر إلى طاقة إصلاح، وتستعيد السياسة معناها بوصفها إدارة عادلة للاختلاف، ويعود المجتمع إلى انسجامه بوصفه فضاءً تتكامل فيه الذوات بدل أن تتصارع

اترك رد