منبر العراق الحر :….كاتب وسياسي….
ما جرى في 28 فبراير لم يكن حدثاً مفصلياً عابراً في تاريخ الشرق الأوسط المعاصر، بل جريمة كبرى يندى لها جبين الإنسانية. حيث إذ انتقلت المنطقة خلال ساعات قليلة من حالة صراع غير مباشر قائم على حروب الوكالة والضغوط المتبادلة، إلى مواجهة عسكرية مفتوحة بين دول، اتسمت باتساع نطاقها الجغرافي وحدّة أدواتها وتجاوزها للخطوط الحمراء التقليدية. فقد مثّل هذا الحدث (اغتيال المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية، السيد علي خامنئي)، وعدد كبير من القيادات العليا للدولة داخل منشأة شديدة التحصين تحت الأرض، سابقة غير معهودة في تاريخ الصراعات الإقليمية.
هذا الحدث لم يكن مجرد عملية عسكرية نوعية، بل تحوّلاً استراتيجياً عميقاً أعاد تشكيل قواعد الاشتباك، وأدخل الذكاء الاصطناعي بوصفه عنصراً مركزياً في التخطيط والتنفيذ واتخاذ القرار العسكري. كما أدى إلى توسيع رقعة المواجهة لتشمل دول مجلس التعاون الخليجي والأردن، ما نقل الصراع إلى مستوى إقليمي شامل، وفرض اختبارات غير مسبوقة على منظومات الدفاع الجوي والاستقرار السياسي والأمن الإقليمي في مرحلة ما بعد 28 فبراير.
*المحور الأول: عملية الاغتيال الكبرى في 28 فبراير*
تمثّل عملية اغتيال المرشد الإيراني السيد علي خامنئي، مع عدد من أفراد عائلته ونحو أربعين من القيادات العليا داخل مجمّع سري محصّن تحت الأرض، نقلة نوعية في فلسفة الصراع المعاصر. فالعملية لم تُصمَّم بوصفها تصفيةً لشخص، بل كضربةٍ تستهدف بنية الحكم عبر كسر نقطة الارتكاز التي تتقاطع عندها الشرعية الدينية والقرار السياسي والسلطة العسكرية. من هذا المنظور، كان الهدف تعطيل منظومة القيادة العليا دفعة واحدة، وهذا خطأ بنيوي يتجاهله العدو فيكمن في تشخيص النظام بوصفه شخصانياً تُزال قمته فتنهار قاعدته. هذا التقدير يغفل أن الدولة الإيرانية تقوم على شبكة مؤسسات متداخلة وشرعية أيديولوجية وقدرة عالية على إنتاج الاستمرارية تحت الضغط. في مثل هذه البنى، لا يؤدي استهداف القمة إلى تفكك القاعدة، بل غالباً ما يعيد إعادة تموضعها حول مركزٍ أكثر صلابة.
أما اختيار التنفيذ في وضح النهار، بمشاركة أمريكية إسرائيلية مباشرة، يعكس تحولاً في إدارة المخاطر والرسائل، وتكريس حقيقة أن التحصينات العميقة لم تعد ضمانة، وأن مرحلة الضربات المحدودة قد أُغلِقت.
غير أن الأخطر ليس حجم القوة، بل المنهج. والاعتماد الكثيف على الذكاء الاصطناعي في جمع البيانات، وتحديد الأهداف، وتوجيه النيران، بنقل الحرب من تخطيطٍ بشري إلى إدارة خوارزمية تُضغط فيها دورة القرار إلى حدّها الأدنى، بما يعيد تعريف السيادة ويقلّص هوامش الاحتواء.
ورغم النجاح التكتيكي، إلا أن هذا النهج ينطوي على مخاطر استراتيجية كبيرة: إذ قد يدفع الدولة المستهدفة إلى مزيد من العسكرة والتصلّب، ويطلق ديناميات انتقامية توسّع رقعة الصراع. لذلك لا تُقرأ ضربة 28 فبراير كحسمٍ نهائي، بل كـ كسرٍ متعمّد لسقف الحرب وافتتاح مرحلة جديدة.
*المحور الثاني: الانفجار الإقليمي وبداية الحرب الشاملة*
لا يمكن فهم المشهد الذي أعقب مقتل المرشد الأعلى الإيراني بوصفه تصعيداً عسكرياً تقليدياً أو ردّ فعل ظرفياً، بل يجب التعامل معه كـ لحظة انفجار بنيوي أنهت عملياً مرحلة كاملة من تاريخ الصراع في الشرق الأوسط. القصف الواسع الذي طال دول الخليج، والدمار الكبير الذي أصاب تل أبيب، إلى جانب الإغلاق شبه الكامل للممرات الجوية والبحرية، ليست مظاهر متفرقة لأزمة طارئة، بل مؤشرات واضحة على تعطّل منظومة الاستقرار الإقليمي بكاملها.
فهذه الممرات لم تكن مجرد مسارات نقل، بل عصباً حيوياً للاقتصاد العالمي، وضمانة غير معلنة لاستمرار الصراع ضمن حدود يمكن التحكم بها. إغلاقها يعني أن الحرب خرجت من نطاق الجغرافيا العسكرية إلى نطاق الاقتصاد العالمي والأمن الدولي.
الاستعداد العسكري المعلن لكل من السعودية والإمارات يمثل بدوره تحوّلاً نوعياً في موقع دول الخليج داخل معادلة الصراع. فهذه الدول، التي بنت استراتيجيتها لعقود على مزيج من الحماية الخارجية والحياد النسبي، وجدت نفسها فجأة أمام واقع يفرض الانتقال من موقع المتلقي للأحداث إلى موقع الفاعل العسكري المباشر. هذا التحول لا يعكس فقط ردّ فعل على التهديد، بل يشير إلى انهيار الرهان على أن الصراع الإيراني الإسرائيلي يمكن أن يبقى محصوراً خارج المجال الخليجي.
هذا الانفجار الإقليمي من منظور استراتيجي، لا يعبّر عن فشل التفاهمات المؤقتة فحسب، بل عن انهيار الإطار غير المكتوب الذي كان ينظّم حدود الحرب والسلم في الشرق الأوسط. ومع سقوط هذا الإطار، دخل الإقليم مرحلة مواجهة شاملة مفتوحة، لا تحكمها بعدُ قواعد ثابتة، ولا تملك فيها الأطراف ترف العودة السريعة إلى منطق التهدئة أو إدارة الأزمة.
*المحور الثالث: الرد الإيراني وتوسّع دائرة النار*
جاء الرد الإيراني السريع عبر الحرس الثوري من خلال عملية (الوعد الصادق 4) بوصفه ردّاً اضطرارياً على كسر غير مسبوق للسقف السيادي، وليس مجرد ردّ انتقامي تقليدي. فاغتيال رأس النظام في إيران وضع الدولة أمام معادلة وجودية: إمّا الرد الواسع، أو القبول الضمني بانهيار الردع وما يترتب عليه من تفكك داخلي.
من هذا المنظور، لم يكن خيار إطلاق موجات مكثفة من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة قراراً تكتيكياً محدوداً، بل قراراً استراتيجياً يهدف إلى إعادة تعريف الصراع. إيران لم تسعَ إلى تحقيق نصر عسكري مباشر، بل إلى إثبات أن كلفة استهداف قيادتها العليا لن تبقى محصورة داخل حدودها، وأن أي ضربة من هذا النوع ستؤدي إلى توسيع رقعة النار أفقياً بدل احتوائها عمودياً.
توسيع نطاق الضربات ليشمل دول مجلس التعاون الخليجي والأردن يمثّل تحوّلاً واضحاً في العقيدة الإيرانية من منطق “الردع عبر الوكلاء” إلى منطق الردع المباشر عبر تعميم التهديد. الرسالة هنا مزدوجة: الأولى- موجهة إلى الخصوم المباشرين، ومفادها أن إيران، رغم الضربة القاصمة، لا تزال قادرة على المبادرة وإطلاق النار على مسرح واسع.
والثانية- موجهة إلى البيئة الإقليمية، وتحديداً الدول التي تستضيف قواعد أو أصولاً عسكرية أمريكية، بأن الحياد لم يعد ممكناً في حرب من هذا النوع.
استراتيجياً، فإن إدخال الخليج والأردن في دائرة المواجهة كسر أحد أهم مرتكزات الاستقرار الإقليمي، وهو الفصل بين ساحات الصراع وساحات الاقتصاد والطاقة. فالهجمات، حتى عندما لم تحقق إصابات مباشرة واسعة، نجحت في اختبار الحد الأقصى لمنظومات الدفاع الجوي الإقليمية، وكشفت أن التفوق الدفاعي لا يعني حصانة كاملة، بل إدارة خسائر محتملة في ظل هجمات التشبع والكثافة.
لكن هذه الاستراتيجية تحمل مخاطر عميقة. فكلما اتسعت دائرة النار، تقلّصت قدرة إيران على ضبط مسار التصعيد، وازدادت احتمالات دخول أطراف جديدة، وتحول الصراع من مواجهة محسوبة إلى حرب إقليمية متعددة الجبهات يصعب احتواؤها سياسياً أو عسكرياً.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر