*بين الوعد الإلهي ومنطق القوة: قراءة في المواجهة بين إيران وأمريكا وإسرائيل* ناجي الغزي

منبر العراق الحر :….كاتب وسياسي….
المواجهة الدائرة اليوم بين الجمهورية الإسلامية في إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، ليست مجرد صراع عسكري أو نزاع نفوذ تقليدي؛ بل هي صدام سرديّتين: سردية الهيمنة والردع بالقوة، وسردية الوعد الإلهي والصبر الاستراتيجي. ومنذ أكثر من 47 عاماً، تعيش طهران تحت حصار متعدد الأشكال، اقتصادي ومالي وتقني وأمني، ومع ذلك لم تنهار الدولة ولم يتفكك النظام، بل أعاد إنتاج أدواته وأعاد تعريف موازين القوة في الإقليم.
*أولاً: “المكر الإلهي” وإعادة توزيع الزمن الاستراتيجي؟*
في الوعي الإيماني، يُفهم قوله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ باعتباره تحذيراً من قراءة الأحداث بسطحية آنية. أما في التحليل الاستراتيجي، فذلك يعني أن التراجع التكتيكي قد يكون غطاءً لإعادة التموضع.
إيران قدّمت تنازلات مرحلية في محطات متعددة، أبرزها الاتفاق النووي، ابتداء من الاتفاق الأول عام 2015، مروراً بمفاوضات عمان التي غدرت بها أمريكا بحرب 12 يوم عام 2025 و الغدر الثاني في 28فبراير 2026 لكنها في الوقت نفسه: استطاعت أن تراكم خبرة تقنية نووية متقدمة، وطورت برنامجها الصاروخي بعيداً عن قيود الاتفاق، وبنت شبكة تحالفات إقليمية عابرة للحدود. هنا يتحول “المكر الإلهي” في الخطاب العقائدي إلى “إدارة زمن الصراع” في لغة الاستراتيجية: امتصاص الصدمة، وإطالة أمد المواجهة، واستنزاف الخصم في مسار طويل النفس.
*ثانياً: حماقة العدو… سوء تقدير أم غرور قوة؟*
الرهان الأمريكي – الإسرائيلي منذ 1979 كان يقوم على فرضية أن النظام الإيراني لن يصمد طويلاً تحت العقوبات والعزل. لكن بعد أربعة عقود، لم يتحقق الانهيار الداخلي الموعود. اعتقدت تل أبيب وواشنطن أن الحصار سيُنتج تمرّداً شعبياً واسعاً، العزلة الدولية ستخنق الاقتصاد حتى الانهيار، والضربات المحدودة ستردع التمدد الإقليمي. لكن ما حدث هو العكس، تكيف اقتصادي عبر اقتصاد المقاومة، وتعزيز الصناعات العسكرية المحلية، وتوسيع عمق الردع غير المباشر عبر حلفاء إقليميين. في منطق القوة، الخطأ الأكبر هو إسقاط التجربة السوفيتية أو العراقية على الحالة الإيرانية دون فهم البعد العقائدي الثوري الذي يحكم بنية القرار في طهران.
*ثالثاً: “بلغت من الكبر عتياً”… القيادة بين الرمز والاستمرارية*
وجود قائد متقدم في السن في قمة الهرم السياسي لا يعني هشاشة الدولة، بل قد يرمز إلى ثبات الخط الاستراتيجي. في النظم العقائدية، تتحول القيادة إلى مرجعية رمزية عابرة للأجيال، بينما تستمر المؤسسات في إدارة الدولة، المعادلة هنا ليست بعمر القائد، بل، في عمق البنية المؤسسية (الحرس الثوري، ومجلس الأمن القومي)، وتماسك النخبة الحاكمة، ووضوح العقيدة السياسية.
وقد أثبتت تجارب التاريخ أن الدول التي لا تُبنى على الأشخاص بل على “عقيدة دولة” راسخة، تتجاوز لحظة الغياب ولا تسقط بسقوط الرموز. فحين تتحول الفكرة إلى بنية مؤسسات، وإلى ثقافة سياسية متجذرة في النخبة والقاعدة معاً، يصبح القائد تجسيداً لمسارٍ قائم، لا مصدره الوحيد. وإن غياب السيد علي الخامنئي، بوصفه رمزاً ومرجعية، لا يعني انقطاع الخط الذي مثّله، ما دامت المنظومة التي تشكلت حول فكره ما تزال قائمة.
*رابعاً: اقتدار “الإسلام المحمدي الأصيل”: حين يتحول الإيمان إلى مشروع حضاري*
في الوعي الإيراني المعاصر، لا يُستحضر الحديث النبوي: “لو كان العلم في الثريا لناله رجال من فارس” بوصفه مفاخرة قومية بقدر ما يُستدعى كإشارة رمزية إلى قابلية الأمة للارتقاء العلمي مهما علت المسافات. إنه نص يُعاد توظيفه في سياق حضاري: ربط الهوية الدينية بالفعل المعرفي، وتحويل الإيمان من حالة وجدانية إلى دافع للإنجاز.
في هذا التصور، لا يُفهم “الإسلام المحمدي الأصيل” باعتباره خطاباً روحياً منزوعاً من الواقع، بل إطاراً حضارياً يحفّز على البناء. ومن هنا تشكّل المشروع الإيراني على قاعدة مزدوجة: صلابة عقائدية، واستثمار مكثف في أدوات القوة الحديثة. استراتيجياً، راهنت طهران على ثلاث ركائز متكاملة:
أولاً: الاكتفاء الذاتي في الصناعات العسكرية. الحصار الطويل لم يُقرأ بوصفه عقوبة فقط، بل كفرصة لإجبار الدولة على تطوير قدراتها المحلية.
ثانياً: الاستثمار في التعليم والتقنية. المعركة لم تُخض بالسلاح وحده، بل بالجامعات ومراكز البحث. المعرفة هنا ليست تراكماً أكاديمياً، بل مكوّناً من مكونات الأمن القومي.
ثالثاً: تحويل الحصار إلى محفّز ابتكار. العقوبات في القراءة التقليدية، وسيلة إضعاف. أما في القراءة الإيرانية، فقد تحولت إلى عامل ضغط يولّد بدائل داخلية، ويُنتج نموذج “اقتصاد المقاومة” القائم على الاعتماد على الذات.
*خامساً: الوعد الإلهي ومنطق الردع*
عندما تُستحضر الآيات القرآنية ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ و ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾
و ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ فإنها في الوعي السياسي الإيراني ليست مجرد عبارات تعبئة، بل أساسٌ تصوريّ يُبنى عليه فهم الصراع ومعناه. الوعد الإلهي هنا يُعدّ أحد أهم دعائم النصر، لأنه يمنح الإرادة ثباتها، ويحوّل الصمود من خيار تكتيكي إلى التزام عقائدي. فالقوة، في هذا المنظور، تبدأ من اليقين قبل أن تتجسد في السلاح.
غير أن الإيمان، كما يُفهم في هذه الرؤية، لا يُغني عن الأخذ بالأسباب، بل يفرضه. فالوعد الإلهي لا يتحقق بلا إعداد، ولا يترجم إلى واقع بلا بناء قوة. لذلك يتكامل البعد العقدي مع منطق الردع، ميزان القوة يفرض الحساب على الخصم، واقتصاد قادر على تحمّل الضغوط، وتحالفات تُدار بمرونة سياسية.
تدرك إيران أنها لا تستطيع هزيمة الولايات المتحدة في مواجهة مباشرة، لكنها تعتقد أن اليقين والثبات يمدّانها بطاقة الصبر الاستراتيجي، ويجعلانها قادرة على رفع كلفة أي حرب محتملة. ومع إسرائيل، تسعى إلى تثبيت معادلة ردع تمنع التفوق المطلق وتحول دون حرب شاملة.
هكذا يصبح الإيمان ليس بديلاً عن القوة، بل روحها المحرّكة؛ والوعد الإلهي ليس انتظاراً سلبياً، بل يقيناً يدفع إلى العمل، ويمنح مشروع الردع عمقه المعنوي وصلابته النفسية.
*سادساً: إلقاء الحجة… الشرعية قبل القوة*
قول الإمام علي (ع): “لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر…” لا يُقرأ كنص أخلاقي مجرد، بل كقاعدة في فلسفة الحكم، لا يُقدم الفعل السياسي على مشروعيته، ولا تُستخدم القوة قبل أن تُستوفى الحجة. فالشرعية تمنح السلاح معناه وحدوده.
في المواجهة الراهنة، تدرك طهران أن الصراع لا يُحسم فقط بميزان النار، بل بميزان الرواية. لذلك تقدم نفسها طرفاً مدافعاً لا مبادراً بالعدوان، وتربط تحركاتها بالقضية الفلسطينية وبخطاب “مقاومة الهيمنة”. فالمعركة ليست صراع نفوذ تقليدي، بل مواجهة بين مشروع استقلال ومشروع سيطرة.
إلقاء الحجة يعني بناء أرضية أخلاقية وسياسية، موجهة إلى الداخل لتعزيز التماسك، ويطمئن الحلفاء، ويقيّد قدرة الخصوم على شيطنة الفعل الإيراني. هكذا تتقدم المشروعية على الصدام، وتصبح القوة امتداداً للرواية لا بديلاً عنها.

اترك رد