منبر العراق الحر :
منذ تولي دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية في 20 يناير 2017، بدا واضحا أن القضية الكردية لم تكن من أولويات سياسته، بل خضعت، كسائر الملفات، لمنطق المصالح التكتيكية الباردة. فلم تكن لتلك الإدارة مواقف مشرفة أو إيجابية تجاه الشعب الكردي، بل كانت، أقل ما يقال عنها، مواقف غير إنسانية. ابتداء من غض الطرف عن هجوم الميليشيات الشيعية العراقية الراديكالية الموالية لإيران، بقيادة قاسم سليماني، على إقليم كردستان، وتحديدا على مدينة أربيل، عام 2017، مرورا بعام 2019 حين أُعطي الضوء الأخضر لتركيا وحلفائها المسلحين (العمشات، الحمزات، أحرار الشرقية) للهجوم على الكرد في سوريا، ولا سيما في كري سبي (تل أبيض) وسري كانيه (رأس العين)، حيث قتل مئات المدنيين، وليس انتهاء بإعطاء الضوء الأخضر للجولاني، حليف هذه الإدارة، لغزو المناطق الكردية في سوريا سنة 2026، في حملة رافقتها فتاوى عنصرية تحرض على القتل والسبي، ثم إجبار الكرد على توقيع اتفاق مع الجماعات الراديكالية التي استولت على السلطة في سوريا؛ وهو اتفاق لا يلبي ربع طموحات الشعب الكردي وحقوقه. وكأن الإدارة الأمريكية سارعت إلى إغلاق هذا الملف مؤقتا للتفرغ للملف الإيراني. نعم، إنها الحقيقة المرة. لم يقدم ترامب للشعب الكردي سوى تشجيع الراديكاليين على قتلهم وتشريدهم، إما بالصمت، أو بالتواطؤ، أو بالانسحاب المتعمد.
واليوم، يتردد حديث عن رغبة هذه الإدارة في تحريك المعارضة الكردية في كردستان الشرقية (كردستان إيران) ضد نظام الملالي. وهنا يمكن القول إن معظم الشعب الكردي، إن لم يكن كله، في أجزائه الأربعة، يتوجس خيفة من هذه الخطوة، ولا يشجع على الإقدام عليها إلا بشرطين أساسيين.
الشرط الأول يتمثل في تقديم ضمانات أمنية واضحة تركز على الدعم العسكري، على أن يكون دعما مستمرا غير قابل للتراجع حتى تحرير كامل المناطق الكردية، مع فرض منطقة حظر طيران فوقها، على غرار ما حدث في إقليم كردستان عام 1991.
أما الشرط الثاني فهو تقديم ضمان سياسي صريح يقضي بأن تفضي هذه الشراكة في نهاية المطاف إلى حصول الشعب الكردي على حكم ذاتي في مناطقه، وألا يكون تحت رحمة أي مشروع سياسي مركزي ينكر عليه حقوقه القومية، أيا كان عنوانه أو داعموه. فالتجارب السابقة علمت الكرد أن التحالفات الظرفية غير المبنية على ضمانات ملزمة كثيرا ما تنتهي بانسحابات مفاجئة تتركهم في مواجهة مصيرهم وحدهم. ومن دون هذين الشرطين، فإن أي موافقة من الأحزاب الكردية على طلب من هذا النوع قد تعرض الشعب الكردي لمجازر بشعة على يد نظام شمولي لا يتردد في استخدام كامل إمكاناته العسكرية، وقد تفضي إلى موجات تهجير جديدة يدفع ثمنها المدنيون أولا وأخيرا.
لذلك، فإن أي قرار مصيري بهذا الحجم لا ينبغي أن يبنى على وعود عابرة أو حسابات ظرفية، بل على ضمانات سياسية وأمنية صلبة تحمي الأرض والإنسان معا. وإلا فإن تلك الأحزاب قد تجد نفسها، من حيث لا تريد، وقد تحولت من قوى تدافع عن حقوق شعبها المشروعة إلى أدوات في صراعات إقليمية لا تخدم في النهاية سوى أجندات الآخرين.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر