Screenshot

خطيئة التفسير الدستوري: كيف قادت المحكمة الاتحادية العليا العراق إلى أزمة الحكم… د. حسام البدري

منبر العراق الحر :….تمهيد….

يشير الفقيه الدستوري هانس كلسن، مؤسس نظرية المحكمة الدستورية الحديثة، في كتابه General Theory of Law and State إلى أن وظيفة المحكمة الدستورية هي حماية الدستور عبر تفسيره لا إعادة صياغته. ويؤكد الفقيه الفرنسي لويس فافورو (Louis Favoreu) في كتابه Les Cours Constitutionnelles أن التفسير القضائي يصبح خطيراً عندما يتحول من تفسير للنص إلى إنشاء قاعدة دستورية جديدة خارج الإرادة التأسيسية للشعب. انطلاقاً من هذه القاعدة النظرية يمكن قراءة تجربة المحكمة الاتحادية العليا في العراق في تفسير المادة (76) من دستور 2005، والتي تتعلق بتكليف مرشح “الكتلة النيابية الأكثر عدداً” بتشكيل الحكومة.
فقد بدا النص الدستوري، من حيث الصياغة، واضحاً في ربط التكليف بنتائج الانتخابات. إلا أن المحكمة الاتحادية في قرارها المرقم (25/اتحادية/2010) تبنت تفسيراً مفاجئاً اعتبر أن الكتلة الأكبر قد تكون الكتلة التي فازت في الانتخابات أو الكتلة التي تتشكل بعد الانتخابات داخل مجلس النواب عبر التحالفات. وقد أثار هذا القرار جدلاً واسعاً في الفقه الدستوري العراقي، إذ يرى الدكتور عامر حسن الفياض في كتابه النظام الدستوري في العراق أن هذا التفسير “أدخل النظام السياسي في منطقة رمادية بين النص الدستوري والواقع السياسي”، بينما يذهب الدكتور حسن الجبوري في دراساته حول تفسير النصوص الدستورية إلى أن المحكمة “انتقلت من التفسير إلى إنشاء قاعدة دستورية لم ينص عليها الدستور”.
غير أن المشكلة لم تقف عند حدود التفسير ذاته، بل امتدت إلى صمت المحكمة واستمرارها في التمسك بهذا التفسير لأكثر من عقدين رغم نتائجه السياسية المدمرة. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل كان القضاء الدستوري يمارس دوره بوصفه حارساً للدستور، أم تحول إلى جزء من معادلة سياسية أعادت تشكيل النص الدستوري وفق توازنات السلطة؟
—————

من تفسير النص إلى إعادة كتابة الدستور

يرى الفقيه الدستوري المصري يحيى الجمل في كتابه القضاء الدستوري في النظم المعاصرة أن أخطر انحراف يمكن أن يقع فيه القضاء الدستوري هو تجاوز حدود التفسير إلى تعديل الدستور عملياً. وهذا بالضبط ما حدث في تفسير المحكمة الاتحادية لمفهوم “الكتلة النيابية الأكثر عدداً”.
فالنص الدستوري، عند قراءته قراءة لغوية ومنهجية، يشير إلى الكتلة التي تحوز أكبر عدد من المقاعد نتيجة الانتخابات. فالدستور لم يشر صراحة إلى تحالفات لاحقة داخل البرلمان. ومع ذلك، فتحت المحكمة الباب أمام تشكيل الكتلة الأكبر بعد الانتخابات، وهو ما يعني عملياً تحويل نتائج الانتخابات من معيار حاسم إلى مجرد مرحلة أولى في مفاوضات سياسية لاحقة.
ويشير الباحث بنيامين رايلي في كتابه Democracy and Governance in Iraq إلى أن الغموض الدستوري في مسألة الكتلة الأكبر أصبح أحد أهم مصادر عدم الاستقرار السياسي في العراق. إذ تحولت الانتخابات من وسيلة لحسم السلطة إلى بداية لأزمات سياسية طويلة تتعلق بتشكيل الحكومة.
إن هذا التفسير، من الناحية العملية، لم يكن مجرد اجتهاد قانوني بل أصبح آلية لإعادة تشكيل السلطة التنفيذية خارج الإرادة الانتخابية المباشرة. وبهذا المعنى فإن المحكمة لم تفسر النص فحسب، بل أسست عرفاً دستورياً جديداً لم يرد في الوثيقة الدستورية.

السؤال هنا :
إذا كان القضاء الدستوري قد تجاوز حدود التفسير إلى إنشاء قاعدة دستورية جديدة، فهل ما زال يمارس وظيفة الحارس للدستور أم أصبح جزءاً من إعادة هندسة النظام السياسي؟

—————

الاضرار السياسية والاجتماعية لتفسير الكتلة الأكبر

يشير عالم السياسة لاري دايموند في دراساته حول التحول الديمقراطي إلى أن الغموض الدستوري في تشكيل الحكومات البرلمانية يؤدي غالباً إلى إضعاف ثقة المواطنين بالعملية الديمقراطية. وهذا ما حدث فعلياً في الحالة العراقية بعد تفسير المادة (76).
فقد تحولت مسألة “الكتلة الأكبر” إلى محور صراع سياسي متكرر بعد كل انتخابات تقريباً. وفي انتخابات 2010 و2018 و2021 استغرقت عملية تشكيل الحكومات أشهراً طويلة بسبب النزاعات حول تفسير هذا المفهوم. وبدلاً من أن تكون الانتخابات وسيلة لحسم السلطة، أصبحت مجرد بداية لمفاوضات سياسية معقدة بين القوى المتنافسة.
وقد ترتبت على هذا الوضع عدة نتائج خطيرة:
إضعاف الإرادة الشعبية
وتعميق الانقسام الطائفي والسياسي
وإطالة أمد الفراغ الحكومي
وتراجع الثقة الشعبية بالديمقراطية.
ويشير عالم علم الاجتماع السياسي الدكتور برهان غليون في تحليلاته للنظم السياسية الهشة إلى أن فقدان الثقة بالمؤسسات الدستورية يؤدي تدريجياً إلى تآكل شرعية الدولة نفسها.

السؤال هنا :
إذا كانت نتائج هذا التفسير قد ساهمت في إضعاف الاستقرار السياسي وتراجع ثقة المجتمع بالمؤسسات، فهل يملك النظام الدستوري العراقي آليات كافية لتصحيح هذا الخلل؟
—————

الخاتمة

يؤكد الفقيه الدستوري الأمريكي ألكسندر بيكل في كتابه The Least Dangerous Branch أن قوة المحكمة الدستورية لا تأتي من سلطتها فحسب، بل من ثقة المجتمع في حيادها واستقلالها. وإذا اهتزت هذه الثقة فإن المؤسسة القضائية نفسها تصبح موضع تساؤل.
وفي الحالة العراقية، لم يعد الجدل يدور فقط حول تفسير المادة (76)، بل حول حدود السلطة التفسيرية للمحكمة الاتحادية ومسؤوليتها الدستورية. فالمحكمة، رغم مكانتها العليا، ليست فوق الدستور ولا خارج نطاق النقد والمساءلة القانونية.
ومن هنا فإن معالجة هذه الأزمة تتطلب خطوات واضحة، من بينها:
• تعديل دستوري صريح يحدد المقصود بالكتلة الأكبر بصورة لا تقبل التأويل.
• إعادة النظر القضائية في التفسير السابق بما ينسجم مع نتائج الانتخابات وإرادة الناخب.
• تعزيز الرقابة الدستورية والفقهية على أداء المحكمة الاتحادية العليا بوصفها مؤسسة تخضع لسلطة الدستور لا فوقه .

وفي الختام من سيحاسب من حرف دفة القانون الدستوري في العراق ؟ ومن سيطهره من خطيئته بعد ٢٢ عام من الانحراف ؟

اترك رد