ازدواجية المعايير وصراع النفوذ: لماذا يتصاعد التوتر الأمريكي–الإسرائيلي ضد إيران؟ سهيل الزهاوي

منبر العراق الحر :
يدخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة من التوتر مع تصاعد الضغوط العسكرية والسياسية التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، في لحظة تبدو فيها الدبلوماسية أكثر هشاشة من أي وقت مضى. فمع تعثر المسارات التفاوضية وتزايد الضربات المتبادلة والتهديدات المتصاعدة، يتقدم منطق القوة على حساب منطق الحوار، لتعود المنطقة مجدداً إلى دائرة صراعات النفوذ المفتوحة.
في الخطاب الغربي الرسمي، يُقدَّم هذا التصعيد باعتباره دفاعاً عن “الأمن الدولي” و”حماية لحقوق الإنسان”. غير أن قراءة متأنية للوقائع تكشف أن ما يجري يتجاوز هذه العناوين المعلنة، ليعكس صراعاً جيوسياسياً عميقاً على النفوذ وموازين القوة في الشرق الأوسط، حيث تُستدعى القيم الإنسانية في كثير من الأحيان بوصفها أدوات خطابية تُستخدم انتقائياً وفقاً لحسابات المصالح لا لمعايير القانون الدولي.
حقوق الإنسان… بين المبدأ والاستخدام السياسي
منذ عقود، يشكل ملف حقوق الإنسان أحد أبرز أدوات السياسة الخارجية الأمريكية، ولا سيما في التعامل مع خصومها الاستراتيجيين. وفي الحالة الإيرانية، يجري تسليط الضوء بشكل مكثف على قضايا القمع السياسي وتقييد الحريات، وهي قضايا حقيقية لا يمكن التقليل من أهميتها أو إنكارها.
لكن الملاحظة اللافتة أن تصاعد هذا الخطاب غالباً ما يتزامن مع لحظات التوتر السياسي أو تعثر المفاوضات حول الملف النووي الإيراني. هذا التزامن يثير تساؤلات مشروعة حول ما إذا كانت حقوق الإنسان تُطرح كقضية مبدئية مستقلة، أم تُستدعى في لحظات معينة كورقة ضغط سياسية لتبرير العقوبات أو التصعيد العسكري.
ويزداد الجدل تعقيداً حين يُطرح مفهوم “الضربات الاستباقية” كخيار محتمل في مواجهة إيران، وهو مفهوم يثير إشكاليات قانونية واسعة، نظراً لتعارضه مع مبادئ ميثاق الأمم المتحدة التي تحظر استخدام القوة أو التهديد بها في العلاقات الدولية إلا في حالات الدفاع المشروع عن النفس وفق شروط محددة.
مفارقة الخطاب الإسرائيلي
في المقابل، تبرر إسرائيل هجماتها المتكررة على أهداف مرتبطة بإيران باعتبارها إجراءات دفاعية تهدف إلى منع تهديدات مستقبلية. غير أن هذا الخطاب يصطدم بمفارقة واضحة يصعب تجاهلها، تتمثل في استمرار تجاهل الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني، وعلى رأسها حق تقرير المصير الذي أكدت عليه قرارات الأمم المتحدة.
هذا التناقض يضعف الحجة الأخلاقية للتحالف الغربي في نظر كثير من المراقبين، ويعزز الانطباع بوجود ازدواجية في تطبيق مبادئ القانون الدولي، حيث تُقدَّم الاعتبارات الأمنية على الحقوق الإنسانية عندما يتعلق الأمر بحلفاء استراتيجيين.
إيران: بين خطاب المقاومة وممارسة النفوذ
غير أن اختزال المشهد في مواجهة بين “قوة معتدية” وأخرى “مدافعة” لا يعكس حقيقة التوازنات القائمة في المنطقة. فإيران، التي تقدم سياستها الإقليمية تحت عنوان “المقاومة” ومواجهة الهيمنة الغربية، رسّخت خلال العقود الماضية حضوراً سياسياً وعسكرياً واسعاً في عدد من دول الشرق الأوسط.
وقد تجسد هذا الحضور في دعم قوى محلية مسلحة في عدة دول، وهو ما يرى منتقدون أنه أسهم في إضعاف سيادة بعض الدول وتعميق الانقسامات الداخلية فيها. وتشير تحليلات سياسية عديدة إلى أن هذا التمدد لا يمكن فهمه فقط بوصفه رد فعل دفاعياً، بل هو جزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى توسيع النفوذ الإيراني وإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة.
صراع النفوذ… والخاسر الدائم
من زاوية إنسانية، تبدو شعوب المنطقة هي الخاسر الأكبر في هذا الصراع المتشابك. فالتصعيد العسكري، سواء عبر الضربات الإسرائيلية أو عبر الصراعات المرتبطة بنفوذ القوى الإقليمية، أدى إلى سقوط أعداد كبيرة من المدنيين، وتدمير البنى التحتية، وتعميق الأزمات السياسية والاجتماعية في عدة دول.
ولهذا، يصعب الحديث عن “طرف عادل” في هذا الصراع بقدر ما يمكن الحديث عن تنافس بين مشاريع نفوذ دولية وإقليمية، تتقاطع مصالحها فوق أرض تعاني أصلاً من هشاشة سياسية واقتصادية مزمنة.
إعادة رسم خريطة المنطقة
في هذا السياق، يرى عدد من الباحثين في مراكز الدراسات الدولية أن التصعيد الحالي لا يقتصر على ردود فعل أمنية متبادلة، بل يرتبط برؤية أوسع لإعادة ترتيب التوازنات في الشرق الأوسط، وهي رؤية يُشار إليها في بعض الأدبيات السياسية بمشروع “الشرق الأوسط الجديد”.
وتقوم هذه الرؤية على إعادة تشكيل المعادلات الأمنية والسياسية والاقتصادية في المنطقة، بما يفتح المجال لاصطفافات جديدة، ويعيد تعريف أولويات الصراعات القائمة، أحياناً على حساب القضايا المركزية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
العراق… بين الجغرافيا والسيادة
وسط هذا المشهد الإقليمي المضطرب، يقف العراق في موقع بالغ الحساسية. فموقعه الجغرافي وتشابك علاقاته الإقليمية يجعلان منه ساحة محتملة لتداعيات أي تصعيد واسع.
لذلك، تصبح حماية السيادة الوطنية أولوية لا تحتمل التردد، وهو ما يقتضي موقفاً واضحاً يرفض استخدام الأراضي أو الأجواء العراقية في أي عمليات عسكرية، ويؤكد أن قرار السلم والحرب يجب أن يبقى بيد المؤسسات الدستورية للدولة وحدها.
فالعراق، الذي دفع أثماناً باهظة في صراعات العقود الماضية، لا يحتمل أن يتحول مرة أخرى إلى ساحة لتصفية حسابات الآخرين.
ما وراء العناوين
في النهاية، لا يمكن فهم التصعيد الأمريكي–الإسرائيلي ضد إيران بمعزل عن صراع النفوذ الدائر في الشرق الأوسط. فبين الشعارات المعلنة والاعتبارات الجيوسياسية، تتقاطع مشاريع الهيمنة الدولية والإقليمية في منطقة لا تزال تبحث عن الاستقرار.
ويبقى التحدي الحقيقي أمام دول المنطقة هو حماية قرارها السيادي وتجنب الانجرار إلى صراعات لا تخدم مصالح شعوبها، والعمل على إعادة الاعتبار للدبلوماسية والحلول السياسية قبل أن تدفع المنطقة ثمناً جديداً من أمنها واستقرارها.

اترك رد