مأزق الاقتصاد العراقي.. النفط بلا منافذ ‏….محمد النصراوي

منبر العراق الحر :
‏عاد شبح مضيق هرمز ليلوح مجدداً أمام الاقتصاد العراقي، فمع كل أزمة، تثبت المعادلة العراقية أنها الأكثر هشاشة، 90% من إيرادات الدولة مرهونة ببحر يمر بمضيق يمكن إغلاقه بأمر من جار، إن إغلاق مضيق هرمز اليوم، وتوقف الصادرات النفطية من الجنوب هو الكابوس الذي حذر منه الاقتصاديون لعقود وتجاهلته الحكومات السابقة وتجسد اليوم على أرض الواقع.
‏هذا السيناريو الكارثي يسلط الضوء مرة أخرى على الإخفاق المزمن للحكومات العراقية المتعاقبة في ملفين استراتيجيين مترابطين، تنويع مصادر الدخل العام وتعديد منافذ تصدير النفط، فبينما كان العالم يتجه نحو الطاقة المتجددة والاقتصاد التعددي، ظل العراق أسير النفط السهل، رهينة لخطر يتحكم في شريان حياته.
‏إيرادات النفط شكلت نحو 93 تريليون دينار من أصل إجمالي إيرادات بلغ 103.5 تريليون دينار حتى تشرين الأول 2025، أي أن النفط يشكل حوالي 90% من الإيرادات، بينما لم تساهم الإيرادات غير النفطية سوى بأكثر من 10 تريليونات دينار بقليل.
‏لكن الأرقام الأكثر إيلاماً تكمن في هدر هذه الإيرادات الضئيلة أصلاً، تقديرات اقتصادية تشير الى ان الحكومة غير قادرة على السيطرة على الإيرادات غير النفطية، 90% منها لا يصل إلى خزينة الدولة بسبب الفساد، جزءاً كبيراً من هذه الأموال يضيع بين التهرب الضريبي وفساد المنافذ الحدودية وشبكات الجمارك غير الرسمية إضافةً لسيطرة جماعات أو أحزاب على بعض الإيرادات المحلية، حتى البنك الدولي حذر من ان الإيرادات غير النفطية في العراق هي من بين الأضعف في الدول النفطية.
‏المشكلة لا تتعلق فقط بالجمع، بل بالإنفاق أيضاً، فالنفقات التشغيلية (الرواتب بشكل أساسي) التهمت 73 تريليون دينار من أصل 87.5 تريليون دينار من النفقات حتى آب 2025، مما أدى إلى عجز حقيقي تجاوز 15 تريليون دينار، هذا يعني أن الدولة تنفق اغلب ما تجنيه من نفط على الرواتب، ولا تترك مجالاً للاستثمار في قطاعات حقيقية كالصناعة والزراعة التي يمكن أن توفر بديلاً عن النفط وفرص عمل للأجيال القادمة.
‏وعلى صعيد المنافذ التصديرية، يدفع العراق اليوم ثمن عقود من الاعتماد على ممر واحد، حتى وقت قريب، كان مايقارب 95% من صادرات النفط العراقي تمر عبر مضيق هرمز، مما يجعله رهينة للتوترات الإيرانية الإسرائيلية.
‏وفي الشمال، ظل خط كركوك-جيهان متوقفاً لمدة عامين بسبب نزاعات قانونية وسياسية، ورغم الإعلان عن اتفاق تاريخي في أيلول 2025 لاستئناف التصدير بطاقة 230 ألف برميل يومياً عبر شركة سومو، الا ان هذه الكمية ضئيلة جداً مقارنة بصادرات الجنوب البالغة أكثر من 3 ملايين برميل يومياً، الأهم من ذلك، أن استمرار توقف هذا الخط لأكثر من سنتين يؤكد هشاشة التفاهمات السياسية بين بغداد وأربيل، ويعكس غياب رؤية وطنية موحدة لتأمين منفذ بديل دائم.
‏في وسط الأزمة الحالية، برزت أنباء عن مفاوضات مع عُمان لإنشاء خط أنابيب يربط البصرة بموانئ بحر العرب لتجاوز مضيق هرمز، هذا المشروع لو تم قبل عقدين لكان أنقذ العراق من ورطته الحالية، لكنه اليوم يبقى مجرد دراسة على طاولة سومو بينما الحرب مستعرة في الخليج، مشروع طموح، لكنه يواجه تحديات سياسية وفنية هائلة كعبوره مياهاً إقليمية لدول متعددة.
‏وفي خطوة إيجابية لكنها غير كافية، أطلقت وزارة النفط مشروع الأنبوب البحري الثالث في البصرة بطاقة تصميمية تصل إلى 2.4 مليون برميل يومياً، المشروع يضيف مرونة داخل المنظومة الجنوبية نفسها، لكنه للأسف لا يخرج العراق من عنق الزجاجة (مضيق هرمز)، بل يزيد من كمية النفط المعبأة في الزجاجة نفسها.
‏الآن يحق لنا ان نسأل، لماذا وصل العراق إلى هذا الحال؟
‏يكمن الجواب في الاقتصاد السياسي الذي نشأ بعد 2003، نظام المحاصصة حَوَل الوزارات إلى غنائم حزبية، وأجهزة الرقابة مثل هيئة النزاهة إلى هياكل منزوعة السلاح، هذا النظام يفضل الإنفاق الاستهلاكي (الرواتب) الذي يضمن الولاءات، على الإنفاق الاستثماري في مشاريع البنى التحتية طويلة الأجل والتي تشكل 6.9% فقط من إجمالي النفقات.
‏كلما انخفض سعر النفط، تظهر خطط الإصلاح، ولكن مع عودة الأسعار للارتفاع يعود العمل كالمعتاد، والنتيجة هي ما نراه اليوم؛ عجز يتجاوز 24 تريليون دينار، واستنزاف لاحتياطيات البنك المركزي التي انخفضت من 111 مليار دولار إلى اقل من 100 مليار، وأزمات تتكرر كالساعة.
‏هذا هو الانذار الاخير الذي يشهده العراق، مع حلول عام 2026، لم تعد الأعذار مقبولة، الحكومة الحالية التي تمكنت من وقف استيراد المشتقات النفطية وتوفير 4.5 مليار دولار ، تملك نموذجاً يمكن تكراره في ملفات أكبر.
‏العراق أمام مفترق طرق؛ إما الإسراع في مشاريع استراتيجية كبرى (خط عُمان، تطوير الغاز، إحياء الصناعة الوطنية)، أو الاستمرار في سياسة تأجيل الرفاهية، حيث تبقى تنمية القطاعات الخاصة والإيرادات غير النفطية مجرد حبر على ورق، الفساد لم يعد مجرد جريمة أخلاقية، بل هو تهديد وجودي للعراق، فاستمرار تسرب أكثر من 90% من الإيرادات غير النفطية يعني ببساطة أن الدولة تختار البقاء رهينة للنفط وبالتالي رهينة لمضيق هرمز.
‏المواطن العراقي، الذي ينتظر إصلاحاً حقيقياً منذ 2003، لم يعد بحاجة إلى مزيد من الكلام المعسول، بل إلى رؤية واضحة تنقذ أبناءه من حروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، وتؤمن لهم مستقبلاً لا يعتمد على برميل نفط يمر بمضيق ضيق.

اترك رد