بلاد للبيع خردة ….كتب رياض الفرطوسي

منبر العراق الحر :
التاريخ في نسخته الشائعة ليس سوى استعراض طويل لقصاصات الورق الرسمية والتماثيل البرونزية التي تمجد الطغاة والفاتحين. لكن، لو نزلت قليلاً إلى ما يطلق عليه المؤرخ البريطاني إيريك هوبسباوم “التاريخ من الأسفل”، لعرفت أن الحضارة لم يشيدها أولئك الذين نُقشت أسماؤهم على البوابات، بل ملايين الأيدي الخشنة التي غارت في الطين، وعمال الطابوق والبنائين الذين تيبست ظهروهم تحت الشمس ثم ماتوا دون أن يذكرهم أحد في الهوامش. هؤلاء المنسيون لا يملكون ترف كتابة المذكرات؛ إنهم يبيعون طاقة حياتهم اليومية، حرفياً، ليرتد إليهم في المساء الحد الأدنى مما يسد رمق عائلاتهم. هم الهامش الحقيقي الذي لولا تضحياته الصامتة لَسقط الهيكل بأكمله.
في المقابل، تعيش النخب الثقافية والسياسية في عزلة شبه كاملة، غارقة في إنتاج نثر عاطفي صناعي ومواويل باهتة من الحزن البرجوازي المفتعل والضجر الفاره. تبدو الساحة وكأنها مجتمع من العشاق والشعراء المنفصلين تماماً عن واقع ينقرض على مراحل؛ وهو ما يصفه المفكر الفرنسي غاي ديبور بـ “مجتمع الاستعراض”، حيث تحل الصورة المزيفة والصوت الصاخب محل الحقيقة العارية. يتناسى هؤلاء المترفون في فضاءاتهم المخملية الأسئلة الوجودية الحارقة: من الذي يغسل أرصفة الموت في الصباح؟ من يشيع الجنازات؟ ومن يدفن الضحايا بينما يغرق الباقون في استهلاك الأوهام؟ لا يلتفت المجتمع إلى هذا الهامش إلا عندما تسيل الدماء في الشوارع بصدمة مروعة، لتكشف فجأة عن مأساة عمال العربات الجوالة، وأطفال المزابل، وملايين المشردين بلا تعليم؛ هؤلاء الذين أُهملوا طويلاً حتى تحولوا إلى قنبلة موقوتة مرشحة للانفجار في وجه الجميع. عندها فقط، يتأكد لنا ذلك الانطباع القاسي: وكأن المواطن الصالح والنافع في عرف هذه المنظومة هو المواطن الميت.
هذا الانحدار القيمي والفساد المستشري الذي نعيشه اليوم لم يكن وليد الصدفة، بل هو نتاج تدمير ممنهج للروابط الأخلاقية والاجتماعية بدأ منذ عقود. حين تُجبر المجتمعات تحت وطأة الحصار والاضطهاد على بيع ممتلكاتها الشخصية وأدق تفاصيل بيوتها من أجل البقاء، فإنها لا تبيع “خردة” مادية فحسب، بل تبيع جزءاً من كرامتها وتماسكها الروحي. هذا التفكيك المنظم يهدف في جوهره إلى تحويل المجتمع المتضامن إلى كانتونات منقسمة بين ضحايا وجلادين، وزرع عقلية الثأر والانتقام، مما يمهد الطريق لسهولة استلاب الأوطان واحتلالها سياسياً وفكرياً واقتصادياً.
إننا نعيش اليوم في “زمن ملتبس”، والالتباس هنا لا يعني الغموض الذي يحفز على التفكير، بل يعني “التفاهة” السائدة التي ترفع من شأن الرداءة وتحوّل الفساد من سلوك منبوذ إلى نظام عام يدير الحياة والوعي. في مثل هذا المناخ، تتحول الأوطان إلى مساحات معروضة للبيع كأشياء مستعملة فائضة عن الحاجة، ويصبح الاغتراب الحقيقي هو أن يعيش الإنسان في بيئة تصادر هويته وتجبره على أن يكون مجرد نسخة مكررة في قطيع مطيع.
يبقى السؤال المفتوح للمستقبل: هل يمتلك هذا الهامش المسحوق، بقنابله الموقوتة وأطفاله المنسيين، القدرة على قلب الطاولة وإعادة كتابة تاريخه الخاص خارج أطر الديكتاتوريات وصناع الحروب العبثية وحكومات المحاصصة والفساد؟ أم أن البلاد ستمضي في تراجعها القيمي المستمر لتُباع بالكامل في سوق النخاسة الدولية، بينما يستمر الاستعراض الثقافي والسياسي الفاشل في عزف ألحانه فوق الأنقاض؟

اترك رد