منبر العراق الحر :
لا تُقاس قوة الدول بعدد جامعاتها ولا بكثرة حملة الشهادات العليا، وإنما بقدرتها على تحويل المعرفة إلى سياسة، والبحث العلمي إلى قرار، والكفاءة إلى مسؤولية. فالمشكلة ليست في نقص العقول، بل في ضعف استثمارها.
يمتلك العراق آلاف الأكاديميين والباحثين في مختلف الاختصاصات، إلا أن حضورهم في دوائر صنع القرار ما يزال محدودًا، مما خلق فجوة بين المعرفة العلمية والإدارة التنفيذية. ونتيجة لذلك، تُبنى قرارات كثيرة على الخبرة التقليدية أو الاجتهاد الشخصي، بينما تبقى الحلول العلمية بعيدة عن مراكز التأثير.
ولا تكمن الإشكالية في وجود الكفاءات، بل في غياب منظومة مؤسسية تتيح الاستفادة منها خارج الإطار التقليدي لمؤسسات التعليم العالي. فالدولة لا تحتاج إلى المزيد من الشهادات بقدر حاجتها إلى آليات تجعل هذه الخبرات شريكًا حقيقيًا في التخطيط وصناعة السياسات العامة، وتضمن أن يكون القرار العام قائمًا على المعرفة لا على الارتجال.
إن الأكاديمي لا يُطلب منه أن يكون مديرًا أو مسؤولًا تنفيذيًا بالضرورة، وإنما أن يكون شريكًا في التشخيص والتحليل وتقديم البدائل العلمية. فالقرار الرشيد يولد من تكامل الخبرة الإدارية مع المعرفة الأكاديمية، لا من إقصاء أحدهما للآخر. كما أن الاستعانة بالكفاءات العلمية لا تُضعف المؤسسات، بل تمنحها القدرة على اتخاذ قرارات أكثر دقة واستدامة.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى بناء جسور مؤسسية بين الجامعات ومؤسسات الدولة، عبر إنشاء مجالس استشارية متخصصة، وإطلاق منصة وطنية للكفاءات، وتفعيل مشاركة أصحاب الخبرات العلمية في اللجان والفرق الوطنية، وربط البحوث الجامعية بالمشكلات الواقعية التي تواجه المجتمع ومؤسسات الدولة، بما يجعل البحث العلمي أداةً للإصلاح والتنمية لا مجرد إنتاج أكاديمي يُحفظ في المكتبات.
إن الأمم لا تنهض بكثرة الشهادات، بل عندما تعرف أين تضع أصحابها. فالكفاءات الأكاديمية ليست رصيدًا لوزارة أو جامعة، وإنما ثروة وطنية ينبغي أن تكون حاضرة في كل موقع يُصنع فيه القرار، لأن مستقبل الدول يبدأ من حسن استثمار عقول أبنائها، وبناء مؤسسات تؤمن بأن المعرفة ليست ترفًا فكريًا، بل أساسًا لكل نهضة حقيقية.
بقلم: أ. م. د. خلود جبار الشطري
منبر العراق الحر منبر العراق الحر