ظاهرة اختلاف الشيعي العراقي عن الشيعي الإيراني … رياض سعد

منبر العراق الحر :

مقدمة : قراءة في الجذور التاريخية والاجتماعية والسياسية

ليس كل انتماء مذهبي يعني بالضرورة تشابهًا في الوعي أو الثقافة أو السلوك الاجتماعي والحضاري … ؛ فالمذاهب، شأنها شأن اللغات والأعراق، تتأثر بالبيئة التي تنشأ فيها، وبالظروف التاريخية والسياسية التي تمر بها، حتى وإن بقيت أصولها العقدية واحدة… ؛ ومن هنا فإن الحديث عن الشيعي في العراق وإيران لا ينبغي أن ينطلق من افتراض أنهما يمثلان نموذجًا واحدًا، بل إن كلاً منهما تشكل في سياق تاريخي مختلف، وأنتج خصائص دينية واجتماعية وثقافية وسياسية متميزة.

لقد أسهمت الجغرافيا، وطبيعة الدولة، وتركيبة المجتمع، والظروف التاريخية المتعاقبة، في رسم ملامح مختلفة للتشيع في البلدين… ؛ فالتشيع في العراق نشأ وترعرع في بيئته الطبيعية الأولى، حيث عاش الامام علي بن ابي طالب و أئمة أهل البيت ، وفي الأرض التي احتضنت مراقدهم ومدارسهم العلمية وطلبتهم واتباعهم وانصارهم ، وظل لقرون طويلة تعبيرًا شعبيًا واجتماعيًا بسيطًا وعميقا ، يتناقله الناس جيلاً بعد جيل بوصفه جزءًا من الهوية الثقافية والدينية والحضارية للمجتمع العراقي ، بعيدًا عن هيمنة الدولة أو مؤسساتها.

أما في إيران، فقد سلك التشيع مسارًا تاريخيًا مختلفًا… ؛ فمنذ أن اعتمدته الدولة الصفوية مذهبًا رسميًا في مطلع القرن السادس عشر الميلادي، لم يعد مجرد انتماء ديني، بل أصبح أحد المرتكزات الرئيسة لبناء الدولة وتعزيز وحدتها السياسية وصياغة هويتها القومية… , ومنذ ذلك الحين تداخلت الاعتبارات الدينية مع اعتبارات السلطة والدولة، فأصبح التشيع جزءًا من المشروع السياسي الإيراني القومي بقدر ما هو مذهب ديني.

وقد تعمق هذا التداخل بصورة أوضح بعد قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، حين غدا الدين أحد أهم مرتكزات النظام السياسي، واتسعت العلاقة بين المؤسسة الدينية وأجهزة الدولة، الأمر الذي منح التشيع في إيران بعدًا سياسيًا وتنظيميًا وإيديولوجيًا أكثر وضوحًا من نظيره العراقي.

ومن هنا، فإن كثيرًا من الإشكالات التي ظهرت في العلاقة بين شيعة العراق وإيران لا يمكن تفسيرها بالاختلاف المذهبي، لأن الطرفين ينتميان إلى المذهب نفسه، وإنما ترتبط باختلاف التجربة التاريخية والاجتماعية والسياسية التي أنتجت رؤيتين مختلفتين لطبيعة الدين، ووظيفة المرجعية، وعلاقة المذهب بالدولة، وحدود الانتماء الوطني والقومي.

ولا يقصد بهذا الطرح إصدار أحكام قيمية أو المفاضلة بين شعب وآخر، وإنما محاولة فهم الكيفية التي أسهمت بها البيئة والتاريخ في تشكيل شخصيتين اجتماعيتين مختلفتين داخل الإطار المذهبي نفسه… ؛ فالدين قد يكون واحدًا، لكن طرائق التعبير عنه، وفهمه، وتوظيفه، تختلف باختلاف المجتمعات والثقافات والظروف السياسية.

ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى قراءة هادئة لهذه الظاهرة، بعيدًا عن الخطابات الانفعالية أو الشعارات، لفهم الفوارق التي نشأت بين التشيع العراقي بوصفه إرثًا اجتماعيًا متجذرًا في البيئة العراقية، وبين التشيع الإيراني الذي ارتبط، عبر مراحل من تاريخه، بمؤسسات الدولة ومشروعاتها السياسية… , ومن خلال هذه القراءة يمكن فهم كثير من المواقف والتباينات التي ظهرت في العقود الأخيرة، سواء على مستوى المرجعية الدينية , أو الطقوس والشعائر الدينية والحسينية ، أو الهوية الوطنية، أو طبيعة العلاقة بين الدين والدولة، أو آليات الحراك الاجتماعي والسياسي في كلا البلدين.

المحور الأول: الجذور التاريخية لاختلاف التجربتين

إن أي محاولة لفهم العلاقة بين التشيع العراقي والتشيع الإيراني لا يمكن أن تنجح إذا انطلقت من افتراض أن التشيع في البلدين تشكل بالطريقة نفسها أو مر بالمراحل التاريخية ذاتها… ؛ فالاتفاق في العقيدة لا يعني بالضرورة الاتفاق في التجربة التاريخية، إذ إن الأفكار الدينية كثيرًا ما تتأثر بالبيئة السياسية والاجتماعية التي تنمو فيها، فتكتسب خصائص تختلف من مجتمع إلى آخر.

فالعراق هو الموطن التاريخي الذي نشأت فيه الحواضر الشيعية الكبرى، وفيه عاش معظم أئمة أهل البيت، واحتضنت أرضه أهم المراكز العلمية والروحية للمذهب، كالنجف الأشرف وكربلاء والكاظمية وسامراء والحلة … ولذلك نشأ التشيع العراقي قبل أن يكون مشروعًا سياسيًا، بوصفه حالة اجتماعية وثقافية متجذرة في حياة الناس، وتوارثته العائلات والقبائل والعشائر والأحياء والمدن والقرى الشعبية جيلاً بعد جيل، حتى أصبح جزءًا من الشخصية العراقية في مناطق واسعة من البلاد.

وقد عاش هذا التشيع معظم تاريخه بعيدًا عن سلطة الدولة، بل كان في كثير من الأحيان عرضة للملاحقة والاضطهاد من قبل أنظمة حكم مختلفة، ابتداءً من العهد الاموي الغاشم و بعض العصور العباسية، مرورًا بالاحتلال العثماني الغاشم , ثم الاحتلال البريطاني الغاشم واذنابه وعملاءه ومرتزقته من الغرباء والدخلاء والاجانب ، وانتهاءً بالنظام البعثي الاجرامي الحاقد … ؛ ولهذا لم يتشكل بوصفه مذهب دولة، وإنما بوصفه مذهب مجتمع وهوية وطن ، حافظ على بقائه من خلال الأسرة، والعشيرة، والحسينية، والمسجد , والمرجعية، والطقوس الشعبية، والعلاقة الوجدانية بأهل البيت .

أما في إيران، فقد اختلف المسار التاريخي بصورة جوهرية… , فحتى مطلع القرن السادس عشر الميلادي لم يكن المذهب الشيعي هو المذهب الغالب في البلاد، وإنما أصبح كذلك بعد قيام الدولة الصفوية التي اتخذته مذهبًا رسميًا للدولة، وربطت بين الهوية السياسية للدولة والانتماء المذهبي… , ومنذ تلك اللحظة بدأ التشيع يؤدي وظيفة تتجاوز المجال الديني، ليصبح أيضًا عنصرًا من عناصر بناء الدولة وتوحيد المجتمع وتعزيز الهوية السياسية والقومية والوطنية .

وقد أدى هذا الارتباط المبكر بين المؤسسة الدينية والدولة إلى نشوء تجربة مختلفة عن التجربة العراقية؛ إذ تطورت كثير من المؤسسات الدينية داخل إطار الدولة أو بالتفاعل معها، بينما ظل التشيع العراقي، في أغلب مراحله، يتحرك داخل المجتمع أكثر من تحركه داخل مؤسسات الحكم والدولة .

ثم جاءت الثورة الإسلامية عام 1979 لتفتح مرحلة جديدة في التاريخ الإيراني، حيث أصبح الدين جزءًا من البناء الدستوري والسياسي للدولة، وأخذت المؤسسة الدينية دورًا مباشرًا في إدارة شؤون الحكم، وهو ما أضفى على التجربة الإيرانية بعدًا سياسيًا وتنظيميًا لم تعرفه التجربة العراقية بالصورة نفسها.

ولا يعني هذا أن التشيع الإيراني ظاهرة واحدة أو أنه ظل ثابتًا عبر العصور؛ فإيران، شأنها شأن سائر المجتمعات، شهدت تحولات فكرية واجتماعية متعددة، كما أن الثورة الإسلامية أعادت تشكيل العلاقة بين الدين والدولة، وغيرت كثيرًا من أنماط التدين والعمل السياسي… ؛ ولذلك فإن التمييز بين التشيع التاريخي في إيران، والتجربة السياسية التي نشأت بعد الثورة، يمثل ضرورة منهجية لفهم التطورات اللاحقة، وعدم الخلط بين المذهب بوصفه عقيدة دينية، وبين توظيفه في إطار الدولة والسياسة.

كما أن اختزال التشيع العراقي في صورة واحدة لا يقل خطأ عن اختزال التشيع الإيراني في صورة واحدة؛ فداخل كل مجتمع مدارس فكرية واتجاهات متعددة، غير أن السمات العامة لكل تجربة تبقى قابلة للدراسة والمقارنة، لأنها نتاج ظروف تاريخية مختلفة، لا نتاج اختلاف في أصول العقيدة.

ومن هنا يمكن القول إن الاختلاف بين التجربتين لا يعود إلى المذهب بقدر ما يعود إلى اختلاف البيئة التي نما فيها كل منهما؛ فالتشيع العراقي تبلور داخل المجتمع قبل الدولة، بينما ارتبط التشيع الإيراني، منذ قرون، بمشروع الدولة ومؤسساتها… ؛ وهذا الاختلاف التاريخي ترك أثره في الثقافة السياسية، وفي طبيعة العلاقة بين المرجعية والمجتمع، وفي أساليب التنظيم، وفي فهم العلاقة بين الانتماء الديني والانتماء الوطني، وهي آثار ما زالت تلقي بظلالها على الواقع حتى اليوم.

المحور الثاني: التشيع الشعبي في العراق والتشيع المؤسسي في إيران

إذا كان التاريخ قد رسم المسار العام لكل من التجربتين العراقية والإيرانية، فإن الواقع الاجتماعي يكشف بوضوح حجم التباين في طريقة تمثل المجتمع للمذهب، وفي الكيفية التي يُمارس بها التدين في الحياة اليومية… , وهذا ما لاحظه عدد من الباحثين والكتاب، ومن بينهم الكاتب الإيراني محسن حسام مظاهري، الذي وصف، بعد مشاركته في زيارة الأربعين، الفارق الكبير بين التجربتين العراقية والإيرانية، وعدّ هذا الاختلاف نتاجًا لمسارين تاريخيين واجتماعيين مختلفين، لا مجرد اختلاف في العادات والطقوس.

ففي العراق، يبدو التشيع أقرب إلى كونه ظاهرة اجتماعية تلقائية، تتجذر في الأسرة والعشيرة والحي والأسواق والمجالس الحسينية، قبل أن تكون نتاجًا لمؤسسات الدولة أو برامجها… ؛ وهو تدين تشكل عبر قرون طويلة من التراكم التاريخي، ونما داخل المجتمع نفسه، حتى أصبح جزءًا من عاداته اليومية، ومنظومته الأخلاقية، وذاكرته الشعبية… , ولذلك تبدو الشعائر الدينية عند العراقيين امتدادًا للحياة الاجتماعية أكثر من كونها نشاطًا تنظمه الدولة أو توجهه المؤسسات الرسمية.

ويظهر هذا بوضوح في مواسم الزيارات الدينية، ولا سيما زيارة الأربعين، حيث تتجسد المشاركة الشعبية بصورة عفوية، فكل موكب يحمل شخصيته الخاصة، ويعبر عن هوية أصحابه وثقافتهم المحلية… , فترتفع صور الشهداء من أبناء العائلة أو المدينة، وتُعلق كلمات العلماء الذين يقتدي بهم أصحاب الموكب، وتختلف الرايات واللافتات وأساليب الخدمة من منطقة إلى أخرى، بما يعكس التنوع الاجتماعي والثقافي داخل المجتمع العراقي… ؛ ولا يشعر الزائر بأنه أمام نموذج واحد متكرر، بل أمام فسيفساء واسعة من المبادرات الفردية والجماعية التي توحدها المحبة لأهل البيت، دون أن تلغي خصوصية كل جماعة أو منطقة.

كما أن الكرم العراقي في الزيارة ينبع غالبًا من المبادرات الشخصية والعائلية والعشائرية والفئوية ؛ فالمضيف يستقبل الزائر في بيته، ويشاركه طعامه، ويفتح له أبواب منزله، ويعامله بوصفه ضيفًا لا مجرد مشارك في مناسبة دينية… , وهذه العلاقة الإنسانية المباشرة هي التي منحت الزيارة الأربعينية في العراق طابعها الاجتماعي الفريد، حتى أصبحت مثالًا على التكافل الشعبي والتطوع الأهلي الذي نشأ من داخل المجتمع نفسه.

أما في إيران، فقد اتخذت الممارسة الدينية، في كثير من مظاهرها العامة، طابعًا أكثر تنظيمًا ومأسسة، نتيجة التطور التاريخي للعلاقة بين المؤسسة الدينية والدولة… ؛ فبعد قيام الجمهورية الإسلامية، توسع حضور المؤسسات الرسمية وشبه الرسمية في تنظيم كثير من المناسبات والشعائر العامة، وأصبح للدولة دور بارز في التعبئة والإدارة والدعم والإشراف، الأمر الذي أضفى على بعض الفعاليات طابعًا أكثر انتظامًا ووحدة في الخطاب والرموز والشعارات.

وقد انعكس ذلك على المظاهر العامة للمشاركة في بعض المناسبات، حيث يغلب استخدام الرموز الموحدة، والرايات المتشابهة، والخطاب المركزي، بما يعكس حضور المؤسسة المنظمة أكثر مما يعكس التنوع المحلي والاختلاف المناطقي والقومي والعرقي والفئوي والشخصي … ؛ ولا يعني ذلك غياب التدين الشعبي داخل المجتمع الإيراني، ولا اختفاء المبادرات الفردية، وإنما يشير إلى أن المجال العام أصبح أكثر ارتباطًا بالمؤسسات، مقارنة بالحالة العراقية التي ظل فيها المجتمع هو الفاعل الرئيس في تنظيم كثير من شعائره الدينية بل ومناسباته الاجتماعية .

ومن هنا فإن الفارق بين التجربتين لا يكمن في قوة التدين أو ضعفه، ولا في مقدار الالتزام بالمذهب، وإنما في البنية الاجتماعية التي يحملها كل نموذج… ؛ ففي العراق، ظل المجتمع هو الحاضنة الأولى للمذهب، بينما أدى تطور مؤسسات الدولة في إيران إلى حضور أكبر للتنظيم المركزي في المجال الديني العام.

وقد أشار بعض الباحثين إلى أن هذا التباين يفسر اختلاف طبيعة المشاركة في المناسبات الدينية؛ ففي العراق تبدو الشعائر أقرب إلى الإرث الاجتماعي الذي تشكل بصورة تراكمية عبر القرون، بينما تأخذ في إيران، في بعض مظاهرها، بعدًا تنظيميًا أكثر وضوحًا نتيجة تطور العلاقة بين الدين والدولة كما اسلفنا … ؛ ولا يعني ذلك أن أحد النموذجين أفضل من الآخر، وإنما يدل على أن التجارب التاريخية المختلفة تنتج أنماطًا مختلفة من التدين، حتى داخل المذهب الواحد.

ومن ثم، فإن فهم هذه الظاهرة يتطلب تجاوز الأحكام الانفعالية والنظر إليها بوصفها نتاجًا لتاريخ طويل من التحولات السياسية والاجتماعية… ؛ فالمجتمعات لا تعبر عن تدينها بالطريقة نفسها، كما أن علاقة الدين بالدولة ليست واحدة في جميع البلدان، ولذلك فإن اختلاف مظاهر التدين بين العراق وإيران يعكس اختلافًا في البنية التاريخية والاجتماعية أكثر مما يعكس اختلافًا في أصول العقيدة أو في الفروع الفقهية أو الانتماء المذهبي.

المحور الثالث: بين الانتماء المذهبي والانتماء الوطني

لعل من أبرز الفوارق التي تكشفها المقارنة بين التجربتين العراقية والإيرانية طبيعة العلاقة بين الانتماء المذهبي والانتماء الوطني… ؛ فالدول الحديثة، مهما كان نظامها السياسي أو مرجعيتها الفكرية، تبني سياساتها الخارجية على أساس المصالح القومية والأمن الوطني قبل أي اعتبار آخر، بينما قد تنشأ لدى بعض المجتمعات تصورات مثالية تفترض أن وحدة الدين أو المذهب كافية لتجاوز اعتبارات الحدود والسيادة والمصالح الوطنية .

وفي الحالة الإيرانية، يبدو الانتماء الوطني حاضرًا بقوة في الوعي العام، حتى عند أكثر المتدينين التزامًا… ؛ فالإيراني، في الغالب، لا يرى تعارضًا بين التمسك بمذهبه وبين تقديم مصالح دولته عندما يتعلق الأمر بالأمن القومي أو الاقتصاد أو السياسة الخارجية… ؛ فالدولة بالنسبة إليه إطار جامع يحمي المجتمع ويصون مصالحه، ولذلك تبقى الاعتبارات الوطنية حاضرة في كثير من المواقف، حتى عندما ترفع شعارات دينية أو أممية أو إنسانية أو سياسية .

أما في العراق، فقد أفرزت العقود الطويلة من الاضطرابات السياسية والاستبداد والحروب والاحتلالات المتعاقبة والاقصاء والتهميش والاضطهاد … ؛ واقعًا مختلفًا.. , فقد ضعفت مؤسسات الدولة، واهتزت الثقة بها لدى شرائح واسعة من المجتمع، الأمر الذي دفع بعض القوى والجماعات إلى البحث عن هويات عابرة للحدود، سواء كانت دينية أو قومية أو أيديولوجية، وعدّها بديلًا عن الدولة المحلية الطائفية الحاقدة والعنصرية والهجينة والغريبة والتي لا تمت بأية صلة للعراق والاغلبية العراقية والهوية الوطنية … ؛ ومع مرور الزمن، تكرس لدى بعض الأوساط تصورٌ مفاده أن وحدة المذهب تكفي لبناء علاقة خاصة تتجاوز منطق المصالح الذي يحكم العلاقات بين الدول.

غير أن التجربة العملية كثيرًا ما أظهرت أن العلاقات الدولية لا تُدار بالعواطف ولا بالانتماءات الدينية وحدها، وإنما تحكمها حسابات السياسة والاقتصاد والأمن القومي… ؛ فحين تتعارض المصالح مع الشعارات، تميل الدول، في الغالب، إلى تقديم مصالحها الوطنية، بصرف النظر عن طبيعة الروابط الدينية أو الأيديولوجية التي تجمعها بغيرها.. , وهذه ليست خصوصية لدولة بعينها، وإنما قاعدة عامة في العلاقات الدولية تنطبق على معظم الدول.

ومن الأمثلة التي أثير حولها نقاش واسع في العراق ما يتعلق بحركة صادرات النفط عبر مضيق هرمز، إذ رأى كثير من المراقبين أن هذا الملف أظهر كيف تخضع القضايا الاستراتيجية لحسابات المصالح الوطنية، وأن الشعارات السياسية أو الدينية لا تكون وحدها كافية لتحديد المواقف عندما يتعلق الأمر بالأمن القومي أو أدوات الضغط الجيوسياسي … وقد تحول هذا الملف إلى مثال يستشهد به كثيرون عند الحديث عن طبيعة العلاقات بين الدول، بوصفها علاقات تقوم على المصالح المتبادلة أكثر مما تقوم على العواطف أو الانتماءات المشتركة.

ولا يقتصر هذا الأمر على إيران وحدها، بل هو سلوك تمارسه جميع الدول بدرجات متفاوتة؛ فالولايات المتحدة، وتركيا، وروسيا، والصين، والدول العربية، وغيرها من القوى الإقليمية والدولية، تبني سياساتها الخارجية على أساس حماية مصالحها الوطنية أولًا، ثم تنطلق بعد ذلك إلى بناء التحالفات والشراكات وفق ما تقتضيه تلك المصالح.

ومن هنا، فإن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في أن دولة ما تدافع عن مصالحها، فهذا أمر طبيعي في منطق السياسة، وإنما في كيفية إدراك النخب والمجتمعات لهذه الحقيقة… ؛ فكلما كان الوعي الوطني أكثر رسوخًا، أصبحت العلاقة مع الخارج أكثر توازنًا، وقامت على الندية والاحترام المتبادل، بعيدًا عن المبالغة في التعويل على الروابط العابرة للحدود أو الاعتقاد بأنها قادرة وحدها على تجاوز مقتضيات الدولة ومصالحها… .

إن بناء علاقة صحية مع أي دولة، مهما بلغت درجة التقارب معها، يبدأ من الاعتراف بأن لكل دولة أولوياتها وحساباتها الخاصة، وأن احترام المصالح المتبادلة والسيادة الوطنية هو الأساس الذي يضمن استمرار العلاقات واستقرارها… ؛ أما التعويل على الشعارات وحدها، دون إدراك لطبيعة النظام الدولي وآليات عمله، فإنه كثيرًا ما يؤدي إلى خيبات أمل وسوء تقدير للواقع السياسي.

المحور الرابع: المرجعية الدينية بين النجف الاشرف وقم المقدسة وأثر الدولة في تشكيل النفوذ الديني

تُعد المرجعية الدينية إحدى أهم المؤسسات التي أسهمت في تشكيل الوعي الشيعي عبر القرون، غير أن تطورها في العراق وإيران جاء نتيجة مسارين تاريخيين مختلفين، الأمر الذي انعكس على طبيعة دورها وحدود نفوذها وعلاقتها بالدولة والمجتمع.

فالنجف الأشرف، منذ قرون، كانت المركز العلمي الأبرز للفقه الإمامي، ومنها تخرج كبار العلماء والمراجع الذين انتشر تأثيرهم في مختلف البلدان الإسلامية… ؛ وقد اكتسبت هذه المكانة من استقلالها النسبي عن السلطة السياسية، إذ نشأت الحوزة العلمية في بيئة اعتمدت على المجتمع في تمويلها واستمرارها، ولم تكن جزءًا من مؤسسات الدولة أو أجهزتها… ؛ ولهذا ارتبطت المرجعية في النجف الاشرف، في الوعي العام، بدور علمي وفقهي وأخلاقي واجتماعي يقوم على الإرشاد الديني وتوجيه المجتمع، مع المحافظة على قدر من الاستقلال عن السلطة الحاكمة، رغم اختلاف مواقف المراجع من الشأن السياسي عبر المراحل التاريخية.

وفي المقابل، شهدت مدينة قم المقدسة تطورًا متسارعًا خلال القرن العشرين، ولا سيما بعد قيام الجمهورية الإسلامية في إيران، إذ أصبحت أحد أهم المراكز العلمية الشيعية في العالم… ؛ ومع انتقال مركز القرار السياسي إلى نظام يستند إلى المرجعية الدينية، نشأت علاقة وثيقة بين الحوزة ومؤسسات الدولة، وأصبح للعلماء حضور مباشر في إدارة الشأن العام وصناعة القرار، الأمر الذي منح المؤسسة الدينية في إيران أدوات وإمكانات لم تكن متوافرة للحوزات العلمية التقليدية.

ومن هنا ظهر اختلاف في طبيعة النفوذ الديني بين المدرستين؛ فالنجف استمدت تأثيرها أساسًا من مكانتها العلمية والتاريخية ومن ثقة المقلدين بها، في حين تعزز نفوذ قم، إضافة إلى مكانتها العلمية، بما تمتلكه الدولة من مؤسسات تعليمية وإعلامية وثقافية واقتصادية، وبقدرتها على نشر الخطاب الديني داخل إيران وخارجها.

ولا يعني ذلك وجود تعارض دائم بين المدرستين، فقد جمعت بينهما عبر التاريخ علاقات علمية وثيقة، وتبادل للأساتذة والطلاب، وتأثر متبادل في الدراسات الفقهية والأصولية… ؛ غير أن اختلاف البيئة السياسية أدى إلى بروز اجتهادات ورؤى متباينة حول طبيعة العلاقة بين الفقيه والدولة، وحدود تدخل المؤسسة الدينية في إدارة الشأن العام، وآليات ممارسة السلطة السياسية.

كما أن تعدد المراجع داخل المدرسة الواحدة يمثل سمة أصيلة في الفكر الإمامي، إذ لا توجد سلطة دينية مركزية تحتكر الفتوى أو الاجتهاد، بل يقوم نظام المرجعية على تعدد العلماء وتنافسهم العلمي، وهو ما أتاح للمكلفين حرية تقليد المرجع الذي يرونه الأعلم وفق الضوابط الفقهية المتعارف عليها.

وفي العقود الأخيرة، أصبحت المرجعية أيضًا عنصرًا مؤثرًا في التفاعلات الإقليمية، ليس بوصفها مؤسسة دينية فحسب، بل باعتبارها قوة اجتماعية تحظى بثقة قطاعات واسعة من أتباع المذهب… , وقد أدى هذا الواقع إلى تداخل الاعتبارات الدينية مع الحسابات السياسية في بعض الملفات، الأمر الذي جعل العلاقة بين المرجعيات والدول أكثر تعقيدًا من ذي قبل.

إن فهم العلاقة بين النجف وقم لا يتحقق من خلال اختزالها في إطار المنافسة أو الصراع، وإنما من خلال دراسة تطور كل مدرسة في سياقها التاريخي الخاص.. , فالنجف تمثل امتدادًا لتقليد علمي عريق تشكل في بيئة عراقية اتسمت باستقلال المؤسسة الدينية عن الدولة في معظم مراحلها، بينما تطورت قم في إطار دولة جعلت للمؤسسة الدينية دورًا دستوريًا وسياسيًا بارزًا.. , ومن ثم فإن الاختلاف بين المدرستين لا يعود إلى اختلاف في أصول المذهب، وإنما إلى اختلاف التجربة التاريخية، وطبيعة الدولة، والبيئة الاجتماعية التي نشأت فيها كل منهما.

المحور الخامس: ولاية الفقيه بين النظرية الفقهية والممارسة السياسية

يُعد مفهوم **ولاية الفقيه** من أكثر الموضوعات تأثيرًا في الفكر السياسي الشيعي المعاصر، كما أنه يمثل أحد أبرز الفوارق التي أثرت في مسار التشيع في العراق وإيران خلال العقود الأخيرة.. , فمع أن فكرة ولاية الفقيه كانت معروفة في التراث الفقهي الإمامي بصيغ مختلفة ومحدودة، فإنها بقيت، طوال قرون، مسألة فقهية محل نقاش بين العلماء، ولم تتحول إلى نموذج شامل للحكم أو إلى أساس لبناء الدولة.

وقد شهد هذا المفهوم تحولًا جذريًا مع انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، حين أصبح الركيزة الدستورية للنظام السياسي الجديد.. , ومنذ ذلك الحين، لم تعد ولاية الفقيه مجرد اجتهاد فقهي يناقش في الحوزات العلمية، بل أصبحت الإطار الذي تنتظم داخله مؤسسات الدولة، وتحدد من خلاله العلاقة بين السلطة الدينية والسلطة السياسية.

وقد انعكس هذا التحول على طبيعة المؤسسة الدينية نفسها؛ إذ أصبح الفقيه، في هذا النموذج، لا يقتصر دوره على الإفتاء والتدريس والقضاء في المسائل الشرعية، بل يمتد ليشمل الإشراف على السياسات العامة، وتوجيه مؤسسات الدولة، والمشاركة في رسم الخيارات الاستراتيجية للدولة داخليًا وخارجيًا.. , وهكذا اندمجت المرجعية الدينية، بدرجات متفاوتة، في بنية الدولة الحديثة، وأصبحت جزءًا من منظومة الحكم.

أما في العراق، فقد سارت الحوزة العلمية في النجف ضمن مسار مختلف.. , فعلى الرغم من انخراطها في الشأن العام عند الضرورة، فإنها حافظت، في أغلب مراحلها، على استقلالها عن السلطة التنفيذية، وظلت تنظر إلى وظيفتها الأساسية بوصفها وظيفة علمية وإرشادية وأخلاقية، تقوم على توجيه المجتمع وصيانة القيم الدينية، دون أن تتحول إلى جهاز من أجهزة الدولة أو أن تتولى إدارة مؤسساتها بصورة مباشرة.

وقد أدى اختلاف هذين المسارين إلى تباين في النظرة إلى دور المؤسسة الدينية داخل المجتمع.. , ففي التجربة الإيرانية، أدى ارتباط المرجعية بالنظام السياسي إلى اتساع دائرة مسؤولياتها، وإلى ارتباط كثير من القضايا الدينية باعتبارات الدولة وسياساتها.. , أما في التجربة العراقية، فقد بقيت المرجعية، في نظر قطاع واسع من أتباعها، مؤسسة مستقلة تستمد مشروعيتها من مكانتها العلمية وثقة المجتمع بها، لا من ارتباطها بأجهزة الحكم.

ولا يعني ذلك أن أياً من المدرستين يمثل نموذجًا واحدًا جامدًا؛ فداخل كل منهما اجتهادات متعددة، ورؤى مختلفة بشأن حدود العمل السياسي ودور الفقيه في إدارة شؤون الأمة.. , كما أن النقاش حول ولاية الفقيه ظل حاضرًا داخل الأوساط العلمية الشيعية، ولم ينحصر بين مؤيد ومعارض، بل تعددت صوره ومستوياته بحسب المدارس الفقهية والظروف التاريخية.

ومن الناحية الاجتماعية، ترك هذا الاختلاف أثرًا واضحًا في طبيعة العلاقة بين الفرد والمؤسسة الدينية.. , ففي المجتمعات التي ترتبط فيها المرجعية ارتباطًا وثيقًا بالدولة، تميل العلاقة إلى الاكتساب طابعًا مؤسسيًا أكثر تنظيمًا، حيث تتداخل الهياكل الدينية مع البنى الرسمية للدولة.. , أما في المجتمعات التي بقيت فيها المرجعية مستقلة عن السلطة، فإن العلاقة تتشكل بدرجة أكبر من خلال الثقة الشخصية، والتقاليد العلمية، والروابط الاجتماعية التي تربط المرجع بمقلديه.

كما أن هذا التباين أسهم في اختلاف أنماط التعبئة الدينية والعمل الاجتماعي بين البلدين… ؛ فحيث تكون الدولة شريكًا رئيسًا في تنظيم المجال الديني، يصبح حضور المؤسسات الرسمية أكثر وضوحًا في المناسبات والأنشطة العامة.. , أما حين يبقى المجتمع هو الحاضنة الأساسية للمؤسسة الدينية، فإن المبادرات الشعبية والجمعيات الأهلية والجهود التطوعية تظل صاحبة الدور الأكبر في إدارة كثير من مظاهر الحياة الدينية.

وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن الاختلاف بين النجف وقم، أو بين التجربتين العراقية والإيرانية، لا يقتصر على الجانب الفقهي، بل يمتد إلى طبيعة العلاقة بين الدين والدولة، وإلى فهم وظيفة المرجعية وحدود تدخلها في المجال السياسي.. , وقد كان لهذه الرؤى المختلفة أثر بالغ في تشكيل الثقافة السياسية والاجتماعية لدى أتباع المدرستين، وفي رسم صورة متباينة لدور المؤسسة الدينية في الحياة العامة.

وثمة فارقٌ واضح بين الحوزتين؛ إذ تتميز حوزة قم بأن المرجعية العليا فيها، تركزت بيد علماء دين إيرانيين، في حين شهدت حوزة النجف الأشرف تراجعًا ملحوظًا في حضور رجال الدين العراقيين في مواقعها الدينية العليا، وأصبحت تضم عددًا كبيرًا من العلماء المنحدرين من جنسيات مختلفة، كالإيرانية والأفغانية والهندية وغيرها.

ويرى كثيرون أن هذا الواقع ترك آثاره في طبيعة العلاقة بين المؤسسة الدينية والمجتمع العراقي، وفي مقاربتها لجملة من القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تخص شيعة العراق. ويستند هذا الرأي إلى أن ابن البلد يكون – في الغالب – أدرى بخصوصيات مجتمعه، وأقرب إلى فهم تحدياته واحتياجاته، وأشد ارتباطًا بمصالح وطنه من غيره، وهو ما تعبر عنه الحكمة العربية القائلة: **«لا يحكُّ جلدَك مثلُ ظُفرك»**.

ومن هنا، فإن دراسة هذا الاختلاف ينبغي أن تنطلق من سياقه التاريخي والفكري، بعيدًا عن التبسيط أو الاختزال… ؛ فكل تجربة تشكلت في ظروفها الخاصة، واستجابت لتحدياتها الداخلية والخارجية، الأمر الذي يجعل فهمها مرهونًا بدراسة تطورها التاريخي، لا بإطلاق الأحكام العامة أو إسقاط تجربة على أخرى.

الخاتمة: بين وحدة العقيدة وتعدد التجارب

إن المقارنة بين التشيع في العراق وإيران لا ينبغي أن تُفهم بوصفها مقارنة بين مذهبين مختلفين، بل بين تجربتين تاريخيتين واجتماعيتين نشأتا داخل الإطار العقدي نفسه، ثم تباينتا بفعل اختلاف الجغرافيا، وطبيعة الدولة، والظروف السياسية، والبنية الاجتماعية، ومسار تطور المؤسسة الدينية في كل بلد.

فالعراق يمثل الامتداد التاريخي الأول للتشيع الإمامي؛ ففي أرضه عاش معظم أئمة أهل البيت ، واحتضنت مدنه الكبرى مدارس الفقه والحديث والكلام، ونشأت فيه الحوزات العلمية التي حافظت على تراث المذهب عبر قرون طويلة من الاضطرابات السياسية… , ولذلك تشكل التشيع العراقي بوصفه ظاهرة اجتماعية وثقافية متجذرة في حياة الناس، قبل أن يكون مشروعًا سياسيًا أو إطارًا مؤسسيًا للدولة. وقد حافظ هذا الإرث، رغم ما تعرض له من تضييق واضطهاد، على قدر كبير من استقلاله، واستمر يعتمد على المجتمع، والأسرة، والعشيرة، والحسينية، والمرجعية الدينية في حفظ هويته واستمرار حضوره.

أما التجربة الإيرانية، فقد سلكت مسارًا تاريخيًا مختلفًا، ارتبط بصورة أوثق بتطور الدولة ومؤسساتها، ثم ازداد هذا الارتباط بعد قيام الجمهورية الإسلامية، حيث أصبح الدين عنصرًا أساسيًا في البناء الدستوري والسياسي للدولة. وقد منح ذلك المؤسسة الدينية إمكانات تنظيمية وإعلامية وتعليمية واسعة، كما جعلها تؤدي أدوارًا تتجاوز المجال الديني إلى المجالين السياسي والإداري.

وهذا الاختلاف في المسار التاريخي لا يعني وجود تعارض في أصول العقيدة، وإنما يعكس اختلافًا في التجربة الحضارية التي أنتجت أنماطًا متنوعة من التدين، ومن العلاقة بين المرجعية والدولة، وبين المجتمع والمؤسسة الدينية… ؛ فالمذاهب لا تعيش في فراغ، وإنما تتفاعل مع بيئاتها، وتكتسب من ظروفها السياسية والاجتماعية خصائص تميزها في طرائق التعبير والممارسة.

كما أن العلاقات بين الدول لا تُبنى على الانتماءات الدينية وحدها، وإنما تخضع، في نهاية المطاف، لمعادلات المصالح والسيادة والأمن القومي… ؛ ولذلك فإن فهم طبيعة العلاقات العراقية الإيرانية يقتضي التمييز بين الروابط الدينية التي تجمع أبناء المذهب الواحد، وبين العلاقات السياسية التي تحكمها اعتبارات الدولة ومصالحها الاستراتيجية.. , فالخلط بين المستويين كثيرًا ما يؤدي إلى سوء تقدير للواقع وإلى تحميل الدين ما هو في الأصل من طبيعة السياسة.

ومن هنا، فإن بناء علاقة متوازنة بين العراق وإيران، أو بين العراق وأي دولة أخرى، يقتضي الانطلاق من قاعدة واضحة مفادها أن احترام العقائد المشتركة لا يتعارض مع احترام السيادة الوطنية، وأن حسن الجوار لا يعني ذوبان الهويات الوطنية، كما أن التعاون بين الدول لا يكتمل إلا إذا قام على الندية، والمصالح المتبادلة، والاحترام المتكافئ.

وفي الوقت نفسه، فإن الحفاظ على خصوصية التجربة العراقية لا يعني الانغلاق أو القطيعة مع التجارب الأخرى، بل يستلزم صون الإرث الديني والاجتماعي الذي تشكل عبر قرون طويلة، والمحافظة على استقلال المؤسسات العلمية، وتعزيز ثقافة الحوار، وترسيخ مفهوم الدولة الوطنية بوصفها الإطار الجامع لجميع المواطنين، على اختلاف مذاهبهم وقومياتهم وانتماءاتهم.

إن دراسة الفوارق بين التجربتين ليست دعوة إلى صناعة الانقسام، ولا إلى تأجيج الخلاف، وإنما محاولة لفهم التاريخ كما هو، وفهم الكيفية التي تتشكل بها الأفكار والمؤسسات داخل المجتمعات المختلفة.. , فالفهم الدقيق للاختلافات هو الخطوة الأولى نحو بناء علاقات أكثر واقعية، وأقدر على تجاوز الشعارات، وأكثر انسجامًا مع حقائق التاريخ ومتطلبات الدولة الحديثة.

ويبقى العراق، بما يحمله من عمق حضاري، وبما يحتضنه من أقدس المراقد وأعرق المدارس العلمية، قادرًا على أن يحافظ على خصوصيته الدينية والوطنية في آنٍ واحد، وأن يمد جسور التعاون مع محيطه الإقليمي على أساس الاحترام المتبادل، دون أن يتخلى عن استقلال قراره أو هويته الوطنية.. , فالمجتمعات الواثقة من نفسها لا تخشى الحوار، والدول الراسخة لا تبني سياساتها على العواطف وحدها، وإنما تجمع بين الانفتاح على الآخرين، والتمسك بمصالحها، وصيانة سيادتها، والحفاظ على إرثها التاريخي والحضاري.

 

اترك رد