منبر العراق الحر :….كاتب وسياسي….
في لحظات تاريخية معينة تتكثف الأحداث إلى درجة تجعلها تبدو وكأنها نقطة انعطاف كبرى في مسار النظام الدولي. الحرب الدائرة حول إيران، بما تحمله من تصعيد عسكري واسع وتداعيات اقتصادية عالمية، قد تكون إحدى تلك اللحظات. فهذه الحرب لا يمكن فهمها بوصفها مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل هي تعبير عن أزمة أعمق تضرب بنية النظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب الباردة. إن السؤال الحقيقي الذي يطرح نفسه اليوم ليس فقط: من سيربح الحرب؟ بل، أي نظام عالمي سيولد من رحمها؟
*أولاً: الحرب بلا هدف… أزمة الاستراتيجية الأمريكية*
من أبرز سمات هذه الحرب أن الولايات المتحدة لم تنجح في صياغة رواية استراتيجية واضحة لها. ففي البداية طُرحت الحرب تحت عنوان “منع إيران من امتلاك سلاح نووي”. لكن هذا التبرير سرعان ما فقد مصداقيته عندما ظهرت معلومات تشير إلى استعداد طهران لقبول قيود صارمة على التخصيب. بعدها تغير الخطاب إلى حماية إسرائيل، ثم إلى احتواء الصواريخ الباليستية الإيرانية، ثم إلى حماية استقرار الشرق الأوسط.
هذا التبدل السريع في الأهداف يعكس أزمة عميقة في التفكير الاستراتيجي الأمريكي. فالحروب الكبرى في التاريخ غالباً ما كانت تقوم على هدف سياسي واضح يحدد طبيعة العمليات العسكرية ومسارها. أما عندما تغيب الرؤية السياسية، تتحول الحرب إلى تدحرج غير محسوب للتصعيد. هذا ما يجعل الحرب الحالية تبدو أقرب إلى حرب ردود أفعال منها إلى حرب ذات مشروع استراتيجي متكامل.
*ثانياً: حرب استنزاف عالمية وليست إقليمية*
ما يجري اليوم يتجاوز الصراع التقليدي بين دولتين. فإيران لا تقاتل فقط عبر الصواريخ أو الطائرات المسيّرة، بل عبر الجغرافيا الاقتصادية للعالم. إغلاق أو تهديد مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة الطاقة العالمية، يعني عملياً نقل الحرب إلى قلب الاقتصاد الدولي.
فالنفط الذي يخرج من الخليج لا يغذي فقط اقتصاد الغرب، بل أيضاً اقتصادات آسيا الكبرى مثل الصين واليابان وكوريا الجنوبية والهند. وهنا يظهر أحد أهم ملامح الاستراتيجية الإيرانية: تحويل الحرب إلى حرب استنزاف اقتصادي عالمي. فكل يوم تستمر فيه الحرب يزداد الضغط على، الأسواق المالية، وسلاسل الإمداد، وأسعار الطاقة، واستقرار العملات. وبذلك تتحول الحرب إلى عامل ضغط على الحكومات الحليفة لواشنطن نفسها.
*ثالثاً: نقاط ضعف القوة الأمريكية*
رغم التفوق العسكري الأمريكي الهائل، إلا أن هذه الحرب تكشف مجموعة من نقاط الضعف البنيوية في القوة الأمريكية:
1- غياب الإرادة السياسية: الرأي العام الأمريكي منهك من الحروب الطويلة. بعد أفغانستان والعراق، لم يعد المجتمع الأمريكي مستعداً لدفع ثمن حروب مفتوحة في الشرق الأوسط.
2- تراجع القدرة التصنيعية: الحروب الحديثة ليست فقط معارك تكنولوجية، بل أيضاً معارك إنتاج صناعي. الولايات المتحدة نقلت جزءاً كبيراً من صناعتها خلال العقود الماضية إلى الخارج، بينما طورت دول أخرى، مثل الصين، التي تملك قدرات تصنيع ضخمة.
3- الاعتماد على شبكة قواعد مكشوفة: القوة الأمريكية في الشرق الأوسط تعتمد على قواعد منتشرة في الخليج. لكن هذه القواعد أصبحت اليوم أهدافاً مباشرة للصواريخ والطائرات المسيّرة، ما يحولها من مصدر قوة إلى نقطة ضعف استراتيجية.
*رابعاً: الخليج… الحلقة الأضعف في النظام الإقليمي*
أحد أهم الاستنتاجات التي يطرحها كثير من المحللين هو أن دول الخليج تمثل الحلقة الأكثر هشاشة في منظومة النفوذ الأمريكي. هذه الدول بنيت اقتصادياً على ثلاثة عناصر: تصدير النفط، والأمن الأمريكي، والاقتصاد المالي والعقاري. لكن الحرب تهدد هذه العناصر الثلاثة معاً. إغلاق مضيق هرمز يضرب صادرات النفط، واستهداف البنية التحتية يهدد الأمن الاقتصادي، وهروب رأس المال قد يضرب نموذج المدن المالية مثل دبي. وهذا ما قد يؤدي إلى تحول جذري في ميزان القوى الإقليمي.
*خامساً: نهاية عصر الهيمنة الليبرالية*
منذ نهاية الحرب الباردة ساد تصور في الغرب بأن العالم دخل مرحلة الهيمنة الليبرالية الأمريكية. لكن الحرب في إيران قد تكون إحدى اللحظات التي تكشف نهاية هذا النموذج. فالنظام الذي تشكل بعد عام 1991 كان قائماً على ثلاثة أعمدة: الهيمنة العسكرية الأمريكية، والعولمة الاقتصادية، والشرعية الليبرالية للنظام الدولي. اليوم هذه الأعمدة الثلاثة تتعرض للتآكل.
العولمة تتراجع بقوة، والصراعات الكبرى تعود، والقانون الدولي يفقد تأثيره.
*سادساً: ملامح النظام العالمي القادم*
إذا استمرت الاتجاهات الحالية، فمن المرجح أن يتشكل نظام عالمي جديد يقوم على ثلاث سمات رئيسية:
1- عالم متعدد المراكز: لن تكون هناك قوة مهيمنة واحدة، بل مجموعة من القوى الكبرى مثل: الولايات المتحدة، والصين، وروسيا، وقوى إقليمية كبرى.
2- عودة الجغرافيا السياسية: الممرات البحرية، وخطوط الطاقة، والمضائق ستعود لتصبح مركز الصراع الدولي.
3- اقتصاد الكتل: بدلاً من العولمة المفتوحة سيظهر نظام اقتصادي جديد يقوم على كتل اقتصادية مغلقة نسبياً وسلاسل إمداد إقليمية.
*سابعاً: الشرق الأوسط بعد الحرب*
الشرق الأوسط قد يكون أكثر المناطق تأثراً بالتحولات القادمة، هناك ثلاثة سيناريوهات محتملة:
1. تعاظم دور إيران كقوة إقليمية نتيجة صمودها في الحرب.
2. صعود إسرائيل كقوة تكنولوجية وعسكرية مهيمنة في حال تراجع القوى العربية.
3. تحول المنطقة إلى ساحة صراع طويل بين عدة قوى إقليمية.
في كل الأحوال، من المرجح أن تنتهي المرحلة التي كان فيها الشرق الأوسط منطقة نفوذ أمريكي شبه مطلق.
*ثامناً: هل نحن أمام نهاية الإمبراطورية الأمريكية؟*
التاريخ يعلمنا أن الإمبراطوريات لا تنهار فجأة، بل تدخل مرحلة طويلة من التراجع التدريجي.
ما يجري اليوم قد لا يعني نهاية الولايات المتحدة كقوة عظمى، لكنه قد يعني نهاية مرحلة الهيمنة الأحادية التي تلت سقوط الاتحاد السوفيتي. فالحروب الكبرى كثيراً ما كانت لحظات تكشف حدود القوة الإمبراطورية. كما حدث مع بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية، ومع الاتحاد السوفيتي بعد أفغانستان. وقد تكون حرب إيران إحدى اللحظات التي تكشف حدود القوة الأمريكية في القرن الحادي والعشرين.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر