منبر العراق الحر :*-أعدّ (الملف البحثي) تحريرا و ترجمة: لخضر خلفاوي*
*(*(هذا المخطوط مهدى إلى روح الفقيد “الأمين زروال”).
—-
-هنا “الجزائر”، و هنا حراك الحضارة للأمة الجزائرية العظيمة؛ و هنا سار مقتفيا البابا “ليو الرابع عشر Léon XIV أثر خطى أبيه الروحي، إبن الجزائر “القديس أوغسطين Saint Augustin، أتى حاجّا إلى مدينة عنابة ، شرق الجزائر، يوم الثلاثاء 14 أفريل 2026، في زيارة تاريخية غير مسبوقة. و لقد تمّت بنجاح كبير هذه الزيارة البابوية، كما كان مخطط لها ، و حيث توجه رأس الكنيسة الكاثوليكية و ممثل العالم المسيحي “ليو 14” إلى عنابة، أو مدينة “هيبون Hippone” القديمة، في حج شخصي لتتبع خطى “القديس أوغسطين (354-430) ميلادية؛ في “سوق أهراس”(تاغاست Thagaste القديمة، بالشرق (الجزائري).. وقد سُميت الرهبنة التي ينتمي إليها “البابا الأمريكي” ليو الرابع عشر Léon XIV باسم هذا المفكر المسيحي العظيم. البابا الحالي و الذي شغل منصب أسقف هناك في أمريكا، والتي تأسست في القرن الثالث عشر، وتدعو هذه -الرهبنة-إلى العمل الخيري والحياة الجماعية. تحت المطر، كأنه قدّاس سماوي، زار البابا الموقع “الأثري الروماني” وغرس شجرة زيتون، شجرة مباركة في أرض مباركة أنبتت نباتا حسناً إبنها “أُغسطين”، و لأنها أرض “جميع القدّيسين” كان هذا الرجل قدّيسا يقتفي أثر اليسوع. بينما أنشدت جوقة جزائرية ترانيما باللاتينية والأمازيغية والعربية، مستوحاة من نصوص “القديس أوغسطين” حول السلام والأخوة.
L’histoire complète : La formule qui a façonné la lutte algérienne, du mouvement d’« Officiers de l’armée française -1957 » au Hirak qui a fait chuter « le mafieux clan politico-financier »- 2019.
*
-حلقة من حلقات التاريخ الجزائري، المعاصر و الحديث جدا بدأت مذ أكثر من ستين عاما بقضية الضباط الجزائريين عام 1957 برسالة من “عبد القادر رحمانيAbdelkader Rahmani”، موقعة من قبل 52 ضابطًا فرنسيا من أصول جزائرية، موجهة إلى الرئيس الفرنسي”روني كوتي René Coty”. موضوع الرسالة المنصوصة أوضحوا فيه صعوبة و إشكالية القتال على التراب الجزائر، لكن طلبهم قوبل بالتجاهل، و الرفض مما أدى إلى التخطيط لعمليات انشقاق و فرار جماعية.
«السيد رئيس الجمهورية،
الضباط الذين استقالوا من الجيش الفرنسي نود أن نلفت انتباهكم إلى الأسباب التي دفعتنا إلى هذا الفعل (…)
خلال ثمانية أشهر، لم يتم العثور على حل للضمير الذي يمثله الوضع المأساوي للجزائريين والجنود …»، كان هذا مقتطف من الرسالة.
وبعد اكتشاف أمرهم، سُجن عدد منهم لاحقًا، و بينما تمكن بعض من الموقعين من الالتحاق و اللجوء إلى صفوف “جيش التحرير الوطني”. وفقا ما كتبته مثلا المؤرخة “صفية أرزقيSaphia Arezki”.
-قُبَيل نهاية حرب الاستقلال و تحقيق التحرّر، أي ابتداءً من عام 1960، دبّرت “المخابرات الفرنسية”، بقيادة “روجي وايبوت Roger Wybot” من دائرة -الاستعلامات الإقليمية”، عمليات انشقاق أخرى لعدد محدود جدًا من الجزائريين (حديثي الترقية إلى رتب ملازم ثانٍ وملازم ونقيب) بهدف التسلسل أو اختراق “جيش التحرير الوطني”. -يقال، أو يحكى- إن الجنرال “دوغول De Gaulle “ شجع استراتيجية “روجي وايبوت” بهدف -فرنسة الجيش المستقبلي للدولة المستقلة داخلياً- والحفاظ على الجزائر تحت الهيمنة و النفوذ الفرنسي. هذا التفصيل يُذّكّرني بما كتبته عن ملف (الهوية الجزائرية العظمى) و حول شهادة و موقف السياسي و المجاهد الكبير الدكتور “عبد الحميد براهيمي الميلي” حال التحاق بعض من ضباط فرنسا بالجبهة:
(…صاحب كتاب “في أصل المأساة الجزائرية ـ شهادة عن حزب فرنسا الحاكم في الجزائر”،
-الترجمة الشخصية التقريبية للمنجز إلى الفرنسية تفضي إلى هذا العنوان:
“Aux origines de la tragédie algérienne : un témoignage sur le (Parti Français) au commande en Algérie(1958-2000)”
نشر الكتاب سنة 1989 ، من الحجم الكبير تفوق صفحاته 400ص(الكتاب متاح في فرنسا و الجزائر و موضع دراسات بحثية تاريخية عدة).”كان البروفيسور الدكتور “عبد الحميد براهيمي”(الميلي) سياسيا و رئيس حكومة في عهد الشاذلي بن جديد و شهدت حكومته أحداث “خريف الغضب” في أكتوبر 1988؛و -حيث أصبحَ -“التورنيفيس” جنرالا و وراء مسؤولية مقتل 500متظاهراً مدنيا جزائريا-، الجزائريون سابقون لأوانهم في كل حدث!لأنه كان ربيعاً جزائريا بزيّ الخريف الغاضب، متقدما عن ما سُمّي لاحقا في هذه الألفية ب “الرّبيع العربي”، وعي الشعب الوطني تقدّم بأكثر من عشرين عاما على وعي معظم شعوب الدول العربية و -العالمثالثية-. كان براهيمي، هذا الرّجل ميدانيا و مقرّبا من بومدين إبان ثورة التحرير و كان استشرافيا إلى أبعد الحدود، فَ “عبد الحميد براهيمي -الميلي-“، أي شبل العلامة المشهور “لمبارك الميلي” أحد أعمدة “جمعية العلماء المسلمين”،و بطبيعة الحال كان عبد الحميد قبل و بعد الاستقلال عدوا شرسا لعناصر “حزب فرنسا” الذين أرسلتهم أو أوفدتهم فرنسا -كتاركِي- جيشها للتموقع بين عناصر جبهة التحرير كجيش و الترتيب للمستقبل! لخّص براهيمي مفهومه الخاص لحزب فرنسا بما يلي:
“أنا ألخص تعريفي لحزب فرنسا بأنه إن كنا نحن نتجه إلى -مكة عندما نصلي-، فهم يصلّون نحو -برج إيفل- /“التوريفال” أي فرنسا.” و دون تردد العارف بالتفاصيل التاريخية
ينفي المجاهد الحقيقي “الميلي” عن ضباط فرنسا “صفة الوطنية”، مؤكدا في تصريحات له عام ٢٠١٦ ليومية الشروق -اعترافهم أنهم مرسلون من طرف الجيش الفرنسي-، و يرى أن الجنرال “خالد نزار” كان يتصدّر قائمة هؤلاء؛ ما يُسمّون بضباط فرنسا. كونه استنتج سريعا أنّ “لديهم نظرة خاصة تنهل من فرنسا، وهم مرتبطون وجدانيا وفكريا معها”، و رغم تنبيهاته و تحذيراته التي أسداها إلى هواري بومدين إلا أنّ هذا الأخير لم يأخذ تحذيراته على محمل الجد و استهان بها (للأسف الشديد!)، مُشيراً أنه التقى بنفسه بومدين أثناء الثورة على الحدود التونسية وحذره منهم:”وقد التقيت به يوما وكان الظرف هو التحاق الضباط -الفارين- من الجيش الفرنسي، وقلت له “يا سي بومدين لك مني نصيحة لله وفي الله…أنا في الخطوط الأمامية أمام العدو الفرنسي، ولا أعرف إذا كنت سأعيش لأحضر الإستقلال أم لا .. وأنا لست مرتاحا لهؤلاء الضباط الفارين من الجيش الفرنسي والملتحقين بصفوف الثورة”، وهنا أسجل أن بومدين كان بإمعان يستمع إلي ويمسك بـ “موسطاشه/شاربه” وعندما أكملت حديثي قال بومدين -متبسِّماً-: “يا سي عبد الحميد هؤلاء بالنسبة لي مثل ” التورنيفيس Tournevis” (مفكّ البراغي) سأستعملهم، ما يديرو والو…”، فأجبته: “راك غالط، هؤلاء النّاس عندهم خطة للمستقبل”.)..
-للإشارة كتب “عبد القادر رحماني” كتابًا مُزعجاً حيث تم الاستيلاء عليه لحظات صدوره، كونه يتناول “قضية الضباط الجزائريين” (بالفرنسية: L’Affaire des officer algériens)، و يعني ضباط الجيش الفرنسي من الأصول الجزائرية؛ و الذي نشر سنة 1959 من قبل دار النشر”سايْ” Editions du Seuil.
**
وفقًا للأسلوب أو التقنية التي ابتكرها “روجي وايبوت Roger Wybot”، وهو عميل مخابراتي سابق رفيع المستوى في “مكافحة التجسس الفرنسي” ضمن المكتب المركزي للاستخبارات والعمليات (BCRA) وأحد مؤسسي مديرية المراقبة الإقليمية (DST)، إذ لعب دورًا محوريًا في التسلل إلى جيش التحرير الوطني (ALN) وجيش الحدود. هؤلاء العملاء الاستخباراتيون، الذين جُندوا من طرف الجهة التي يُشار إليها أحيانًا باسم “فرقة لاكوست « promotion Lacoste »”، حيث منحوا ميزة على خصومهم داخل جيش التحرير الوطني، و دُفِعوا إلى قمة الهرم السلطوي للجزائر المستقلة حديثا.
**وضع هؤلاء بعد الاستقلال:
-يُشار إليهم غالبًا بالتوصيف المختصر (مجفّ:أي منشقو الجيش الفرنسي)= DAF. و أثار خيالي هذا (الداف)، التوصيف المختصر للقادمين من صفوف الجيش الاستعماري، استحضار توصيفا آخرا مُشابها يستعمل في ملاحق معدات مكافحة الحرائق في المؤسسات العمومية و الخاصة، بحكم تجربتي أو تكويني الخاص في هذا المجال و هو مصطلح (داافDAAF) و يعني :Détecteur Autonome Avertisseur de Fumée/ (كممد)؛
أي معناه(كاشف مُستقلّ، مُحذّر من الدخّان)، و عادة لا يوجد دُخّان دون نشوب نار(حريق ما) !و هو من ترسانات اللواحق التقنية تابعة لجهاز كشف الحرائق (DI) لاستباق عمليات ردعها لحماية الهياكل و الأشخاص. كنت بمخيالي أُقارن -بغرض المقاربة- (DAF) جيش فرنسا و (DAAF) جيش التحرير للثورة الجزائرية.. أي المجاهد الدكتور “عبد الحميد براهيمي-الميلي-، لعب دور (DAAF) الثورة و لم يؤخذ بعين الإعتبار -تحذيره- من قبل “هواري بومدين” و مقرّبيه، و لم يتفطّن أحد لأجندة ال(DAF) الفرنسي، رغم كشف “عبد الحميد براهيمي” للدخان!..
وكثيرًا ما أُتّهمَ عناصر (DAF) فرنسا بتشكيل جماعة أو عُصبة داخل الجيش لحماية المصالح الفرنسية في الجزائر المستقلة. و قد أُستغلّ ماضي و سيرة انتسابهم إلى الجيش الاستعماري لتشويه سمعتهم، وبالتالي يُقارنون بصفة مصطلح “المجاهد” الخالصة، و التي ترمز إلى نقاء الثوّار و منه نقاء الثورة. و اشتغلَ أربعة ضباط منهم سابقين منشقين، هم (عبد الله بلهوشات، وخالد نزار، وعبد المالك قنايزية، ومحمد لعماريAbdellah Belhouchet, Khaled Nezzar, Abdelmalek Guenaizia et Mohamed Lamari” ، أعلى منصب في الجيش الجزائري: أي قيادة “أركان الجيش الوطني الشعبي”.
**
-يرى المجاهد و الدكتور “عبد الحميد براهيمي” حسب وجهة نظره؛ أن انهيار مصر في عهد جمال عبد الناصر، ثم تفكيك الاتحاد السوفيتي، دفع بالنخب المسيّرة من الجزائريين تدريجيًا إلى التوجه شمالًا وإعادة ربط جسور التواصل مع فرنسا والتعددية الكامنة في مطالب المجتمع الجزائري، في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، حيث كانت مؤشرات بداية اندلاع عاصفة التيار الإسلامي تلوح في الأفق. و تزامن هذا التحوّل في المشهد الجزائري مع وصول فريق قوي من الجنرالات والعقداء من عُصبة ال(مجفّ DAF*) عناصر من القوات المسلحة الجزائرية أي من (منشقي الجيش الفرنسي) إلى السلطة داخل هيئة الأركان العامة للجيش الوطني الشعبي. وكثيرًا ما كان يتصادم الفريقان، فهذا فريق “ثوار الجبال أو كما أُطلقَ عليهم ب”الشرقيين” و الفريق الآخر أو المجموعة الأخرى سليلة الجيش الفرنسي و المنشقة عنه قُبيل الاستقلال، كلٌّ داخل الدائرة المكوّنة للصراع، لا سيما في التنافس على المناصب الاستراتيجية. فكان على (كل رئيس) لزاما عليه التفاوض مع كلا الفريقين أو الجماعتين و محاولة إيجاد توازن في توزيع -المناصب السيادية أو القيادية-.
**.
*خالد نزار و ال(مجفّ) المنشقّون عن الجيش الفرنسي:
-الكاتب و الصحفي “عابد شارف” يسرد محاولاته في تقرير من أرشيف الملفات المنشورة: “قوة ضبّاط فرنسا الحقيقية لا تزال لغزًا لم تُفكّ طلاسمه بعد!”، نُشرَ ذلك في النسخة الفرنسية لمنصة Middle East Eye، في 25 فيفري 2024. (للإشارة:-ميدل إيست آيْ-) هي منصة إعلامية ، في المملكة المتحدة لطالما أُتهمت من قبل أنظمة عربية بتقاربها ماليا و إيديولوجيا مع نظام دولة قطر!).
-يكتب المحرّر مستطردا :/مع وفاة الفريق خالد نزار Khaled Nezzar في ديسمبر، و هكذا يطوي الجيش الجزائري، رمزياً(في عهد الاستقلال)، صفحة المنشقين عن الجيش الفرنسي، أولئك الضباط الذين تركوا صفوف الجيش الاستعماري وانضموا إلى جيش التحرير الوطني. فإن كان في صفوف الجيش الجزائري شخصية مثيرة للجدل، فهو بلا شك و دون منازع الفريق خالد نزار، رئيس الأركان السابق ووزير الدفاع السابق، الذي توفي في 29 ديسمبر 2023 عن عمر ناهز 86 عامًا بعد صراع طويل مع المرض(و مع خصومه من كل الأطياف الفكرية و السياسية). يسرد صاحب التقرير :/ اجتمعت كل الظروف لوضع هذا الضابط الشاوي، ببنيته الجسدية القوية وشاربه الكثيف، في قلب العديد من المواضيع الجدلية التي طبعت تاريخ الجيش الجزائري المعاصر و الحديث. سواء كان ذلك دوره في قمع أعمال الشغب التي اندلعت في أكتوبر 1988، عندما كان مسؤولاً عن إدارة حالة الحصار أثناء توليه قيادة القوات البرية، أو عند اتخاذه قراره الحاسم في -وقف الانتخابات التشريعية- التي فاز بها الإسلاميون من جبهة الإنقاذ الإسلامية في 26 ديسمبر 1991، وبالتالي مسؤوليته في الحرب الدامية التي تلت ذلك في التسعينيات.
**
/…أو من خلال مواجهاته مع السلطات القضائية السويسرية و الفرنسية، في محاكمات أُجهضت بشأن اتهامات بالتعذيب، أو دوره المؤثر و الضاغط المزعوم في محاولاته لتدبير خلافة الرئيس “ليامين زروال” عام 1998، و حتى في جدل و أزمة خلافة “عبد العزيز بوتفليقة” عام 2019. إلا أنّ كون علاقته بالجيش الفرنسي و سيرته، فإن خالد نزار الضابط السابق في الجيش الاستعماري هو ما كان يثير الجدل الأشد خطورة. فمن خلاله، استُهدفَ الأفراد الذين فرّوا من تنظيم الجيش الفرنسي و أثارت فتنة و شبهة مسّت سمعة البعض منهم.
-فهل كان هؤلاء الضباط والجنود بمثابة حصان طروادة للنفوذ الفرنسي؟ Cheval de Troie de l’influence française”.. لقد أمضوا جزءًا من تجربتهم المهنية في الجيش الفرنسي قبل انضمامهم إلى “جيش التحرير الوطني”. و رغما عنهم ، فقد ظلوا موضع شك في نظر منتقديهم حتى نهاية مسيرتهم المهنية، بل وحتى بعد نهاية حياتهم.
-تشير المؤرخة “صفية أرزقي”، مؤلفة مقال “من جيش التحرير الوطني إلى الجيش الوطني الجزائري: بناء الجيش الجزائري 1954-1991″، إلى أن “ولاء بعض المنشقّين المتأخرين غالبًا ما يُشكك فيه… « la loyauté de certains déserteurs ‘’tardifs’’ est souvent mise en cause, et ils sont régulièrement stigmatisés »”. بل تضيف: “يُنظر إليهم بعين الرّيبة، وهي وصمة عار لا تُمحى بسهولة بالنسبة للبعض. كأن يُذكَّرْ باستمرار انتمائهم للجيش الاستعماري الفرنسي و ذلكَ لتشويه سمعتهم”. و لفترة طويلة، ساد اعتقاد بدائي، يكاد يكون تآمريًا، ولكنه واسع الانتشار، بأن هؤلاء الضباط يمثلون نوعًا من “حصان طروادة” للنفوذ الفرنسي في الجزائر المستقلة. ووفقًا لهذه النظرية، فقد دُفع هؤلاء الضباط، (استباقيا) بل وحُرِّضوا، و رُتِّبَ لهم على الفرار من صفوف الجيش الفرنسي من قِبل الحكومة الفرنسية آنذاك، التي اعتبرت استقلال الجزائر أمرًا حتميًا، وأرادت وضع بيادقها في دوائر الحكم في -جزائر ما بعد الحرب و نيل الاستقلال-.
**
-و قد ظهرت متفشية -في الذاكرة الشعبية-عباراتٌ مُشوّهة لسيرة هؤلاء الضباط المنشقّين: كوصفهم أحيانًا بـ”الطابور الخامس « cinquième colonne »”، وأحيانًا أخرى بأنهم جزءٌ من “فرقة لاكوست promotion Lacoste”، نسبةً إلى “حاكم الجزائر” أنذاك. قيل إن هذا الأخير قد اخترق برجاله المؤسسات الجزائرية المستقبلية، مُؤمِّنًا بذلك عملاءً مستقبليون له داخل دوائر الحكم و السلطة في الجزائر المستقلة. بل استُخدمت مصطلحاتٌ أكثر ازدراءً، مثل “رقباء فرنسا « sergents de la France ».”. في مقابل هؤلاء الضباط الفارين/ المنشقّين من القوات المسلحة الفرنسية، الذين ظلوا موضع شكٍّ دائم، و لهذا -حسب ذات الجدل، قارنت و لا تزال شريحةٌ من الرأي العام الجزائري ثلاثة أنواعٍ من الضباط ذوي المكانة المرموقة. أولًا، سليلو جيش التحرير الوطني، الذين سقطوا في ساحة المعركة بشرفٍ خلال حرب الاستقلال أمثال: (العربي بن مهيدي، و ديدوش مراد، ومصطفى بن بولعيد، والعقيد لطفي، وسي محمد بوقرة، والعقيد عميروش، Larbi Ben M’hidi, Didouche Mourad,
Mostefa Ben Boulaïd, le colonel Lotfi, Si Mhamed Bougara, le colonel Amirouche
“و كثيرون. ثم كان أيضا الضباط الذين لم يغادروا المقاومة في الداخل قط، والذين كانوا موضع تبجيل شعبي حقيقي، أمثال( صالح بوبنيدر Salah Boubnider) و هو القائد السابق للولاية الثانية (الفرقة التي تُقابل المناطق العسكرية، في هذه الحالة، شمال قسنطينة)، و (يوسف الخطيب، المعروف باسم سي حسن Youcef Khatib, dit Si Hassan)، قائد الولاية الرابعة (وسط الجزائر)، و(محنّد أولحاج Mohand Oulhadj”، الذي خلف “عميروش” قائداً للولاية الثالثة في منطقة القبائل حتى الاستقلال. في الواقع، كان “مُحَنّد/محمّد أولحاج” هو من ترأس، بصفته من الضباط القدامى العرض العسكري في 5 جويلية 1962، وهو احتفال رسمي أُقيم بمناسبة عيد استقلال الجزائر في سيدي فرج، حيث اجتاح الجيش الاستعماري الجزائر في 5 جويلية 1830.
**
وأخيرًا، كان هناك الضباط الذين بدأوا مسيرتهم الثورية و المهنية في جيش التحرير الوطني، ضمن حركات المقاومة، قبل إرسالهم للتدريب خلال الحرب الجزائرية، لا سيما في الدول العربية، مثل الرئيس السابق ليامين زروال Liamine Zeroual ، و كقائد البحرية السابق “رشيد بنيلس Rachid Benyelles”.
**
*جماعات الضغط:
كانت الشكوك والريبة تحيطُ ببعض ضباط (مجفّ) و بالبعض الآخر يُنظر إليهم بنوع من النقاء الثوري الذي نُسب إليهم، شيء من -رمزيّة التفوق الأخلاقي للمقاتل، الثائر- على (الجندي الذي احترف بعيدا عن معاقل الثورة في الداخل la supériorité morale du guérillero sur le militaire de carrière.).
كما وُجهت الشكوك ذاتها و بشدة إلى ضباط سابقين من جماعة ال(مجفّ DAF) لتشكيلهم جماعات ضغط، خاصة داخل مؤسسة الجيش، بهدف الحفاظ على المصالح الفرنسية في الجزائر المستقلة، المتقاطعة مع مصالحهم. فعلينا أن نشير إلى أنه، شغل أربعة ضباط سابقين في الجيش الفرنسي، وهم (عبد الله بلهوشات، وخالد نزار، وعبد المالك قنايزية، ومحمد لعماري Abdellah Belhouchet, Khaled Nezzar, Abdelmalek Guenaïzia et Mohamed Lamari”، أرفع منصب و سُلّما عسكريا في الجيش الجزائري، ألا و هو منصب “رئاسة الأركان”.
فمن المثير للدهشة أن هذه النظرية، التي سادت لفترة طويلة حتى خلال عهد حكم “هواري بومدين Houari Boumédiène”، وتعززت بشكل أشدّ في عهد رئاسة “الشاذلي بن جديد”، و اتخذت شكلاً غريباً، (كانت تستند) إلى ما نسميه اليوم “الأخبار الكاذبةfake news”.
-فعلا و في الواقع، و خلال كل فترة حكمه و رئاسته، من عام 1979 إلى عام 1992، كان “الشاذلي بن جديد” يُعتبر -إجحافاً- عضوًا سابقًا في الجيش الفرنسي. وقد وثّقَ حول هذا الأمر مؤرخون بارزون، أمثال “بنيامين ستورا Benjamin Stora”،. ووفقًا لهذه النظرية، زُعِمَ أن “الشاذلي بن جديد”، بصفته كان ضابطًا سابقًا في الجيش الفرنسي، اختار مُفضّلا ضباطًا فرنسيين سابقين لتشكيل حزب فرنسا Hizb França (le Parti de la France)”. وقد لاقى هذا “السيناريو المخرج” استحسانًا، لا سيما مع تحسن العلاقات الفرنسية الجزائرية في ثمانينيات القرن الماضي، وتحديدًا خلال فترة رئاسة “الشاذلي بن جديد”. إذن كان مهندس هذا التحول واضحًا: اللواء “العربي بلخيرLarbi Belkheir”، مدير ديوان الرئيس الشاذلي، المنشقّ سابقاً عن الجيش الفرنسي عام 1958، و لهذا (أُعتقدَ) أن الجنرال “بلخير” يتمتع بنفوذ كبير داخل نظام الحكم.
**
-و كان من المثير للدهشة أن جزءًا من هكذا نقاش سياسي -دار في الماضي- في البلاد تمحور حول (فرضية) أن رئيس الدولة كان قد خدم في الجيش الفرنسي. و لو لم يحاول الشاذلي بن جديد بنفسه في عام 2005 دحض هذه “الأخبار الكاذبة”، التي أصبحت تُعتبر حقيقة تاريخية؛ لأنه في الواقع لم يخدم قط في الجيش الاستعماري. وحينها، كانت المفاجأة، و حينها اكتشف الجزائريون أنهم عاشوا لمدة ربع قرن على(فاكْ-نيوز)، سيرة ذاتية مزيفة تشويهية لرئيسهم، بكل ما تحمله من انتماءات وتحالفات سياسية. و أُفترضَ أن الشاذلي كان عضوًا سابقًا في الجيش الفرنسي، وبالتالي مُحبًا للثقافة الفرنسية، وقيل إن أعضاءً سابقين في الجيش الفرنسي ساعدوه في الوصول إلى السلطة بعد وفاة بومدين. وفي المقابل، و منه كتحصيل حاصل فضّلهم (على العالمين) لكي يساعدوه بدورهم في توطيد سلطته. وقد عمَّرت هذه النظرية، القائمة على معلومات مغلوطة، لفترة طويلة!.
**
-(مُبرّرات الهوّاري الاستراتيجية): لمّا تولى “هواري بومدين” قيادة الجيش في خضم حرب التحرير، شرع في مشروع طويل الأمد لتزويد الجزائر بجيش يليق بدولة مستقلة، و جيش يمكنه الاعتماد عليه أيضًا للاستيلاء على السلطة. فالجيش الذي كان تحت تصرف بومدين في البداية قد اكتسب خبرة كبيرة في (حرب العصابات). ومع ذلك، كان هيكله ضعيفًا ويفتقر إلى الضباط ذوي التدريب الحقيقي. لهذا كان المنشقون عن الجيش الفرنسي بمثابة نعمة: فقد كانوا مدربين تدريبًا جيدًا، ومتاحين على الفور، وعلى دراية بالجيش الفرنسي و خباياه الذي انشقوا عنه للتو. و عليه و باختصار، لقد قطعوا كل صلة لهم بالجيش الإستعماري. كما تشيرُ المؤرخة “صفية أرزقي” حسب نظريتها الخاصة و قراءتها الشخصية للأحداث. بحكم أنه بعد انشقاقهم، حُكم على جميعهم بالسجن لفترات طويلة من قبل المحاكم العسكرية الفرنسية. في ظل مناخ الحرب آنذاك، لهذا كان التشكيك في وطنيتهم بمثابة “هرطقة أو فتنة hérésie”، خاصة وأن جبهة التحرير الوطني نفسها كانت تنظم حملات دعائية تحرّض على العصيان تعني الجنود و الضباط الجزائريين في الجيش الفرنسي لتشجيعهم على الانشقاق.
**
-و عليه ساهمت في المشهد الجزائري لما بعد الاستقلال هذه التفاصيل و النظريات و الفرضيات إلى حدّ كبير في ضمان و تعمير و إطالة ذكر ضباط(مجفّ DAF) لفترة طويلة بشكل مذهل.
-لقد تمكن هؤلاء من شغل مناصب سيادية مهمة حتى مطلع القرن. إلاّ أنه خلال العشرين عامًا الماضية، تقلص وجودهم داخل الجيش إلى حد كبير و محسوس. لاحقًا، (بعد الاستقلال)، اضطر الجيش إلى التحول إلى قوة نظامية. إذ أصبحت حينها مساهمة هؤلاء الضباط ضرورية في بلدٍ مُنهك. فقد امتلكوا مهاراتا فنيةً وانضباطًا متفوّقا على ضباط “المعاقل و الجبال الداخلية” -كما يصف التقرير-. وساهم هذا التميّز في ضمان استمرارية جيش الدفاع الشعبي لفترة طويلة.
-إذن -يبدو- أن وفاة الجنرال نزار أنهت هذا الفصل رمزيًا. ومع ذلك، تبقى القوة الفعلية لجيش الدفاع الشعبي لغزًا .
فيُنسب إلى الجنرال “خالد نزار” نفوذ حاسم داخل دوائر السلطة، حتى بعد تركه الجيش رسميًا. إلا أنّ هذه النظرية تبدو غير مرجحة حسب الرأي الشخصي لمحرّر القراءات التاريخية في هذا التفصيل. فعلى سبيل المثال، في عام 1998، عندما قُدِّمَ “عبد العزيز بوتفليقة” مرشحًا محتملاً لرئاسة الجمهورية، أعلن الجنرال “خالد نزار” معارضته له علنًا. بل إنه وصفه بـ”العجوز المُلح « vieux canasson »”، هذا قبل أن يتراجع عن تصريحه فيما بعد. يُظهر سلوك “خالد نزار” تذمّره على (عدم استشارته) في اختيار (الرئيس الجديد) فحسب، بل… لم يتم إبلاغه حتى بالقرار النهائي.
**
-أواصل في هذا الملف (التاريخي، الدّراساتي) لطرح كل الرؤى و القراءات المتعددة لفهم المعضلة المشهدية المتعلقة ب”كابوس ضباط فرنسا المُزعج” الذي أربك مضجع كلّ رؤساء الجزائر المتعاقبين و نظام الحكم معاً.
**
-في شهر “جميع القدّيسين le mois de la Toussaint “، تحديدا في ال8 نوفمبر من عام 2016، حرّر على صفحات (جان-أفريك Jeune Afrique / (أفريقيا الشابة) الكاتب “فريد عليلات Farid Alilat” قراءة تصبّّ في موضوع ملفنا (من باب رِوايات البحوث و الدراسات التاريخية)، إذ عنون تقريره بِ: ليامين زروال، سيرة استقالة قسرية chronique d’une démission forcée- يذكر مستهلا تقريره: “في سبتمبر 1998، أعلن رئيس الدولة “ليامين زروال Liamine Zéroual” رحيله عن السّلطة وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة. (شخصيّا، كنت أتساءل وقتها، ما الذي حمل اليامين زروال على رمي المنشفة و تفصله عن آجال إنهاء عهدته رسميا مدة قصيرة؟!). نفس السؤال طرحته في تسعينيات القرن الماضي؛ لمّا ظهر الشاذلي من جديد بوجه مذعور و شاحب على شاشة قناة (اليتيمة أنذاك، للتلفزة الوطنية) بعد نتائج الدور الأوّل لأولى تشريعيات حرة في تاريخ الجزائر، و قلت ككثير من الجزائريين : ما الذي أجبر الشاذلي بن جديد على الاستقالة و كان بإمكانه انتظار فقط أيام قلائل -معدودات- لإتمام الدور الثاني لانتخاب نواب الأمة و هم مصدر السلطات التشريعية للبلاد؟! . كان العالم منشغل بثغرة الأوزون و مشكلة الاحتباس الحراري، لم نكن نتوقّع أن -ضراط الدواب و البشر و فوهات المصانع المُلوّثة هنا و هناك ستكون متسببة أيضا في إحداث “ثغرة في دستورنا!”.)/(.خ).
“En septembre 1998, le président Liamine Zeroual annonça sa démission et convoqua des élections présidentielles anticipées. (Personnellement, je me demandais alors ce qui avait bien pu pousser Liamine Zeroual à jeter l’éponge si tôt avant la fin de son mandat !). Je me posais la même question dans les années 1990, lorsque Chadli Bendjedid réapparut, l’air terrifié et pâle, sur l’écran de l’unique et (orpheline) chaîne de télévision nationale, après les résultats du premier tour des premières élections législatives libres de l’histoire algérienne-depuis l’indépendance-. Comme beaucoup d’Algériens, je me disais : qu’est-ce qui a forcé Chadli Bendjedid à démissionner alors qu’il aurait pu attendre quelques jours seulement le second tour des élections des représentants de la nation, source du pouvoir législatif du pays ? Le monde était préoccupé par le trou dans la couche d’ozone et le problème du réchauffement climatique ; nous n’imaginions pas que les flatulences des animaux et des humains, et les cheminées polluantes des usines ici et là, puissent aussi créer une « faille dans notre constitution » !. -L.khelfaoui).
-يقول المُحرّر، “ها نحن بعد ثمانية عشر عامًا، تتمكّن مجلة “جان أفريك” من إعادة بناء الظروف الدقيقة لهذه النقطة المحورية في تاريخ البلاد الحديث.
…يسرد الكاتب/ في ليلة الخميس، 3 سبتمبر 1998، كان “ليامين زروال”، البالغ وقتها من العمر 57 عامًا، يعاني من أرقٍ شديد. كان وحيدًا في حديقة منزل فاخر في “(ويندهوك، ناميبيا Windhoek (Namibie)، والذي وفره له نظيره الناميبي “سام نوجوما Sam Nujoma”، و تحوّل الرئيس الجزائري في مكان إقامته و في لحظات إلا عدّاء المئة متر من الخطو، جيئة وذهابًا، كان الرجل يدخن بشراهة (يبدو أنّ شيئا شرساً يمزقه من الداخل!). كان معروفًا عن “زروال” السهر ليلًا المصاحب بشراهة التدخين. في تلك الليلة، كان بادياً أنّ حالته حالت أن تُداري أو تواري شيئًا ما كان يطارده” -بعيدا عن الديار-!. /أعرفُ جيدا هذا الشعور يا “الشّاوي خويا”، و عجبا لمن يعجب عادّا لِأعقاب سجائر دخّان مُدخّن غيره و هو لا يفقه أصل حريقه، لا دخّان دون نار مضطرمة في جوف ما! و خصوصا لمّا نسمع خطبا ما، أو مكراً ما يحدث للوطن و نحن بمنأى عن الديار، إذ يقطّع أحشاءنا “خوف أزرق peur bleue “لعين، على تعبير الثقافة الفرنسية!./
-… مجزرة أو مذبحة أخرى ارتكبتها أيادي الإجرام لما يسمّى “الجماعة الإسلامية المسلحةGIA؟” مشاكل صحية؟ خلافات عائلية؟ فضيحة أخرى إعلامية من العيار الخسيس و الثقيل في آن تورط فيها صديقه الحميم ومستشاره”الجنرال محمد بتشين Mohamed Betchine”
-(التايمينغ/توقيت) هذه القضايا لم يكن بريئا على كل حال حسب رأيي!.
-“…لا هذا و لا ذاك: أمام زروال قرار مصيري، وهو يدرس إيجابياته وسلبياته. في وقت متأخر من تلك الليلة التي ترفض أن تنتهي على أنقاض أعقاب سجائره، إلا أنه و بعد ساعات من التفكير، حسم الرئيس أمره. و في اليوم التالي، على متن الطائرة الرئاسية في عودته إلى الجزائر، دعا الموظفين الذين رافقوه في رحلته الأفريقية للانضمام إليه في ركنه الصغير. -كان الرجل هادئًا و لكنه في منتهى الجدية، ثم أردف مخاطبهم: “كما تعلمون، كنت أرغب في الرحيل قبل عام. في ذلك الوقت، و رُفِضَ طلبي من قبل -صُنّاع القرار-، بحجة أن الوقت لم يكن مناسبًا للتخلي عن الحكم. ها هو الوقت قد حان . حان وقت -تسليم المشعل- و إفساح المجال للآخرين. (كم هي غريبة مشاعل الجزائر!)/ (…) سأرحل. و سأعلن ذلك فور وصولي إلى تراب الجزائر.”.
-في يوم الجمعة الموافق 11 سبتمبر، وبعد ثمانية أيام خلت من التصريح لمقربيه بنيته و قراره النهائي و على ارتفاع 10,000 متر،(كأنّهُ أوحيَ إليه من السّماء الدُّنيا!) ليُعلنَ “ليامين زروال” رسميا عن إجراء انتخابات رئاسية مبكرة.
-طبعاً، باقي -الحكاية- معروف لدى العام و الخاص. وبدعم من الجيش، خلفه “عبد العزيز بوتفليقة” في أفريل 1999. فمنذ رحيله، لم يتحدث الرئيس “ليامين زروال” قط عن الظروف و الملابسات التي دفعته لمغادرة قصر الرئاسة مُبكّرا. بحكم طبيعة شخصية الرجل المتحفظة، كان زروال يتجنب الصحفيين ، كما كان يرفض طلبات إجراء حوارات و مقابلات معه. هل كان الرجل يقظا كفاية و محنّكا لكي لا يقع في فخ التصريح بمواقفه و رؤاه فتستثمر من طرف البعض من اللئام في تنشيط المياه العكرة و المتعفنة و الجزائر لا تزال جريحة بخناجر أبنائها الضالّين و لا “اليامين”؟.
-“…ويُظهر أيضاً الجنرال “محمد بتشين” نفس الميل الاختياري للصمت. فبينما يؤكد أن صديقه زروال أُجبر على الاستقالة، إلا أنه يرفض الخوض في تفاصيلها”؛ أقول دائما أن الشياطين تتخفّى أو تتواجد في لبّ التفاصيل!.
-/حسب مجلة “جان آفريك” و كاتبها يُسلّطُ الضوء على هذا الحدث الذي -يرى البعض- أنه غيّر مجرى التاريخ في الجزائر المعاصر. قصة استقالة قسرية لم تُروَ بعد./.
**
*-ليامين زروال: من أي طينة من الرجال يا رجل؟: «عدم اكتراثه بالسلطة وامتيازاتها؟!».
-في أكتوبر1997. بعد عامين تقريبًا من انتخابه رئيسًا للبلاد، تشير الأخبار أنّ اليامين زروال أبدى رغبة مُلحّة في التنحي عن الحكم و دوائره. شرح هذا الأمر الجنرال و الذي أصبح مدنيًا، لمقربيه و كانت من بين حججه الرئيسية -تقنيا-: أنّه سدّ تلك (الثغرة/الفجوة الفراغ)المؤسساتي المترتّب كما ذكرت أعلاه عن -توقيف العملية الانتخابية- واستقالة الرئيس الشاذلي بن جديد في جانفي 1992. فقد باتت الجزائر تتمتع برئيس دولة منتخب ديمقراطيًا، رغم تهديدات الجماعات الإسلامية المسلحة. كما تمّ اعتماد دستور جديد يكفل التداول على السلطة عبر استفتاء شعبي في نوفمبر1996. بالإضافة إلى أنّ البلاد أصبحت متمتعة بغرفتين؛ مجلس وطني ومجلس أمة (مجلس شيوخ) و يُمثلان جميع التيارات السياسية، بما فيها الإسلاميون. و أيضاً تم انتخاب مجالس محلية لضمان انتقال السلطات من الإدارة إلى ممثلين يختارهم الشعب. بالإضافة إلى تراجع محسوس للإرهاب و إلى حد كبير، رغم سلسلة المجازر التي وقعت خلال صيف عام 1997 على تخوم الجزائر، والتي كانت بمثابة تذكير صارخ بأن الحرب ضد الإرهاب لم تُحسم بعد. زروال كان من بين المهندسين لمشروع السّلم وفي إطار عملية “المصالحة الوطنية”، دخل اليامين “زروال” في حوار مع قادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ (التي تم حلها في فبراير 1992)، إلا أنّ المفاوضات تعثرت بسبب رفضهم إدانة العنف. للتذكير فمن بين مبادراته ولإضعاف الجماعات المسلحة في الجبال، قام اليامين زروال بخطوة عملاقة مصدرا “قانون الرحمة” قبل ذلك بعامين، هذه الخطوة سمحت ل لمئات الإرهابيين بإلقاء أسلحتهم و تسليم أنفسهم للسلطات لمواجهة العدالة. وهكذا، على مستواه و من باب منطقه الشخصي يكون “اليامين زروال” قد أنجز مهمته، و أثبت أيضا للجزائريين عدم اكتراثه بالسلطة وامتيازاتها، حتى بات موقفه من الحكم و دوائره (سرًا بوليشينيا -مُذاعاً- secret de Polichinelle”.
**
-و لفهم معدن الرجل و طينته علينا أن نذكّر أنه :”استقال عام 1990 من منصبه كرئيس للقوات البرية؟ و هو الذي غادر السفارة الجزائرية في “بوخارستBucarest/دولة رومانيا، حيث عُيّن كسفير و بعد بضعة أشهر فقط، ليعود إلى مسقط رأسه و إلى أصالة منزله الواقع بباتنة، عاصمة الأوراس ، شرق البلاد، مبرّرا ذلكَ أنه ليس من شيمه أن (يرضى أو يطمع في تقاضى راتب مقابل لا شيء يفعله للصالح العام!؟ )
* -: “يجب أن نخطط الآن لانتخابات رئاسية مبكرة”، للقضاء على الإرهاب، هكذا صرّح زروال في أكتوبر 1997. ولكن عندما علم زملاؤه في القيادة العليا للجيش، ورؤساء أجهزة المخابرات (DRS) برغبته في اختصار ولايته، كادوا أن يُصابوا بالاختناق. فبالنسبة لهم، لم يكن بوسع الجزائر تحمّل ترف الانزلاق إلى فترة أخرى من الاضطرابات و -الشكّ المؤسساتي-وعدم اليقين. قال له اللواء “محمد العماريMohamed Lamari”، رئيس أركان الجيش الاستئصالي و والمدافع الشرس عن سياسة القضاء على الإرهاب: “أنتَ مُجبر على إتمام مهمتك « Vous devez poursuivre votre mission »”. قرر زروال التريث، إلا أنّ قضية حساسة ستُعرقل خططه بشدة وتُسمّم علاقاته مع أجهزة المخابرات وقتها، التي كان يرأسها آنذاك “محمد مدين Mohamed Mediène”، المعروف باسم سي توفيقToufik . ( الجنرال توفيق: الملقّب برجل السياسات القذرة و تتهمه بعض الروايات و الأطراف إلى جانب الجنرال محمد العماري وخالد نزار بارتكاب جرائم ضد الإنسانية واغتيال المعارضين والسياسيين والفنانين والكتاب في مرحلة التسعينات، و يُشاع عنه أنه لقّب نفسه بِ”ربّ دزايرْ!-/ أي -إله الجزائر!-/ علماً فقد اعتقل -ربّ دزاير- في 4 ماي 2019 وحكمت المحكمة العسكرية في البليدة جنوب غرب الجزائر العاصمة، الأربعاء 25 سبتمبر 2019 عليه بالسجن 15 عاما إلى جانب كل من سعيد بوتفليقة، ورئيسة (حزب العمال لويزة حنون) ومنسق الأجهزة الأمنية السابق بشير طرطاق، بتهمة التآمر على سلطة الدولة والمؤامرة ضد قائد تشكيلة عسكرية*)./
-فعجباً لهذا الرجل! ما من أزمة و أحداث قذرة إلا و كان ظل خالد نزار قريبا جدا من مسارح حدوثها! حيث عُلِمَ من خلال مصادر إعلامية أنّ “نزار” اللواء (المتقاعد رسميا!) كان شاهد عيان مُباشر استدعته و استجوبته المحكمة العسكرية، يوم الثلاثاء 14 ماي 2019، في إطار التحقيق الذي استهدف سعيد بوتفليقة واللواءين(المذكورين). . و أُطلق سراحه بعد ساعتين. و لم تُكشف تفاصيل جلسة الاستماع. و أدلى “خالد نزار” بشهادته الأولية في رسالة نشر نسخة منها موقع “الجزائر الوطنية *Algérie patriotique” في مقالة، يروي فيها اللواء، على وجه الخصوص، لقاءه الأول مع “سعيد”شقيق الرئيس السابق، الذي عُقد يوم الخميس 7 مارس 2019. ووفقًا لتصريحات نزار، اتصل به “سعيد بوتفليقة” يوم السبت 30 مارس، قائلاً و مخبره: “أن نائب وزير الدفاع ورئيس أركان الجيش الوطني الشعبي كان في اجتماع مع قادة القوات، وأنه قد يتخذ إجراءً ضد زرالدا (المقر الرئاسي الذي كان يقيم فيه عبد العزيز بوتفليقة) في أي لحظة”. و تساءل عما إذا كان الوقت قد حان لاستباق الضربة قبل حدوثها و إزاحة -عن طريق الإقالة- رئيس الأركان، كما كتب. وفي رسالته، اتهم خالد نزار صراحةً سعيد بوتفليقة بالتآمر ضد أحمد قايد صالح” وفق ما نشر في مجلة (جان-أفريكJeune Afrique) يوم 18 ماي 2019.
و عجبا لهذا الرجل! خالد نزار الذي يشبه “صحيفته” تماما المشبوهة:
فصحيفة “الجزائر الوطنيةAlgérie patriotique ” هي صحيفة إلكترونية جزائرية عامة باللغة الفرنسية، أُطلقت عام 2012، و يُصنّف هذا المنبر ضمن وسائل الإعلام -ذات التوجهات المؤامراتية catégorie des médias conspirationnistes. وقد وُجّهت إليها انتقادات بسبب تفكيرها المؤامراتي ونشرها المنتظم للمعلومات المضللة. و تأسست “الجزائر الوطنية” في 18 فيفري 2012 على يد “لطفي نزار”، و هو نجل “خالد نزار”.
**
-إذن، لفهم السياقات نعود إلى محطات من العشرية السوداء و إلى “ليامين زروال”.
-بعد عدة أشهر من المفاوضات السرية مع الرجل الثاني في قيادة جهاز المخابرات الدفاعية، أعلن جيش الإنقاذ الإسلامي وقفًا أحاديًا لإطلاق النار، دخل حيز التنفيذ في الأول من أكتوبر عام 1997. وللحصول على هذا الاتفاق من الجناح المسلح لجبهة الإنقاذ الإسلامية، كان على جهاز المخابرات الدفاعية والجيش تأمين معسكرات جيش الإنقاذ الإسلامي، وتزويد عناصره بالمؤن، وتعبئة لوجيستية و تسخير موارد الدولة (الطائرات والمركبات) لتمكين أمرائه من التنقل في أنحاء البلاد لشرح خطوات و مبررات و حيثيات هذه الهدنة. فما هي بنود هذا الاتفاق الشهير؟ حتى يومنا هذا، يرفض الكشف عن مضمونه بالكامل زعيم و أمير هذه الجماعات “مدني مزراق Madani Mezrag”، و كان يشغل القائد الأعلى السابق لجيش الإنقاذ الإسلامي، لكنه تلميح إلى أهم نقاطه في العقد الأول من الألفية الثانية.
**
-نعلم إذن أن الجانبين تفاوضا على عفوٍ عامٍ لمقاتلي الجيش الإسلامي l’AIS مع دمج بعض عناصره في صفوف الجيش الوطني (لتنفيذ خطة مشتركة) و هي محاربة فلول الجماعة الإسلامية المسلحة الأخرى، و الأكثر تشددا و دموية، مع رفع القيود الإدارية عن قادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ. وقد أثارت بنود هذا الاتفاق، الذي تفاوض عليه الرجل الثاني لجهاز المخابرات نيابةً عن رئيسه، غضب زروال. وكما ذكر أحد مستشاريه السابقين، و منه “أصبحت مواقف الجانبين متعارضة بشكلٍ شبه كامل”. وإذا كان جهاز المخابرات وجزء من المؤسسة العسكرية يؤيدان هذا التمديد السياسي للهدنة، فذلك لأنه من شأنه أن يُحيد فعلياً آلاف الإرهابيين، ويُمكّن الأجهزة الأمنية من التركيز على ملاحقة الجماعة الإسلامية المسلحة الأكثر تطرفا و عنفا والقضاء عليها. ولم تكن واشنطن بمعزل أو غير مبالية بهذا (الكواليس الأمنية). فقد دافع “كامْرون هيوم Cameron Hume”، سفير الولايات المتحدة في الجزائر أنذاك، عن هذا الخيار مباشرةً مع الرئيس “ليامين زروال”، الذي استقبله في لقاء ثنائي دام 40 دقيقة في ديسمبر1997.
-فعندما شرح له السفير الأمريكي “كامرون هيومHume…” وجهة نظره، و بأن هذا الاتفاق بين الجيش الشعبي الجزائري أو الجيش الاسلامي قد يفضي بالفعل إلى حوار بنّاء يُنهي العنف الذي تعاني منه الجزائر بشكل نهائي، فاستشاط الرئيس الجزائري ليامين زروال غضبًا لهكذا وجهة نظر و مشاورات. وكتب السفير الأمريكي لاحقًا: “لم يترك رد زروال أي مجالٍ لمزيدٍ من النقاش حول هذا الموضوع”. لقد أبدى معارضةٌ حازمةٌ للعفو” و : “ظن الرئيس -مُسيئاً للفهم- أننا نتفاوض على شروط الاستسلام”، و هكذا أفصح أحد المقربين منه. “والآن ها هو يكتشف أن الأمر يتعلق بالعفو « Le président pensait qu’on négociait les conditions d’une reddition, confie l’un de ses proches. Et voilà qu’il découvre qu’il est question d’amnistie. »
-إذن رفض اليامين زروال، وهو مجاهد و مُقاتلٌ سابقٌ في حرب التحرير، رفضًا قاطعًا الاعتراف بجيش التنظيم الإسلامي كطرفٍ يحمل صفة (مُحارب). وأصرّ قائلًا: “لا أعترف إلا بجيشٍ واحد: الجيش الوطني الشعبي. لا يُمكنني التفاوض مع المرتزقة الذين قاتلتهم وهزمتهم. التفاوض الوحيد هو إلقاء السلاح”.
-هل يُعقل أن يتحول الإرهابيون إلى أدوات أو أعوان إلى جنب قوات الأمن الوطني؟
-هذا الاحتمال يُثير فزع زروال، الذي يُؤكد أنه “لطالما كره الحركيين/ الحركة Harkis” وأنه لا يُريد أن يرى “شكلاً جديداً من -الحركة- داخل الجيش الشعبي الوطني”.
أمر العفو عن إرهابيي الجماعات المسلحة كان بمجرد التفكير في الأمر يُثير غضبه. بالنسبة له، -أمام هؤلاء خيار وحيد-، و هو -الاستسلام للسلطات-، وإلقاء أسلحتهم في الثكنات، ثم يسلمون إلى العدالة لمحاكمتهم على الجرائم التي اقترفوها، و إدانتهم، فهم من تلطخت أيديهم بالدماء!”./.
**
-أما بالنسبة للتائبين و (الذين دخلوا يمينا من أبواب رحمة زروال)؛ أي الذين تثبت براءتهم من جرائم جماعية، فسيخضعون للمراقبة لمدة عشر سنوات. وفي حال انتهاك شروط و بروتوكولات المراقبة، يسجنون مباشرة. في هذا الصّدد صرّح زروال لأحد وزرائه: “لا يمكنني السماح لمن أحرق طفلاً رضيعاً حياً بالعودة إلى منزله بحرية. من غير المعقول أن يعود هؤلاء إلى ديارهم دون محاسبة. الغفران والصفح من حق الضحايا، لا من حقي”.
« Je ne peux pas permettre à quelqu’un qui a brûlé vif un bébé de rentrer librement chez lui, lâche Zéroual devant l’un de ses ministres. Il est inconcevable que ces gens regagnent leurs foyers sans rendre de comptes. L’absolution et le pardon, c’est aux victimes de les accorder, pas à moi. »
ولعدم التوصل إلى حل وسط، اقترحَ على الرئاسة من قبل المخابرات والأمن، بقيادة اللواء “محمد مدين”، حلاً يتمثّل في : تنظيم استفتاء شعبي لحسم الأمر. فردّ زروال: “افعلوا ذلك إن وافق الشعب على استفتاءكم. لكن عليكم إبرام هذا الاتفاق من دوني…”.
« Allez-y si votre référendum est accepté par le peuple. Mais cet accord, vous le ferez sans moi… »
-لقد رفض الرئيس، صاحب الشخصية القوية، التنازل. وتجلّى تعنّته في رفضه فكرة التوافق من الأساس. فتولّد السؤال الملح، كيف يُمكن كسر أو تخطي هذا المأزق و الانسداد، في حين لا يزال الإرهاب يحصد عشرات الضحايا؟
تزامنا مع الانسداد و في ظل تزايد الدعوات الخارجية لإجراء تحقيق دولي في المجازر وتزايد أعدادها، وفي ظل تراكم طلبات محاكمة -ضباط فرنسا- من الجنرالات الجزائريين أمام المحكمة الجنائية الدولية، وفي ظل تهديد الجيش الإسلامي للإنقاذ بحمل السلاح مجدداً، فكيف يمكن التفاوض معهم و تجاوز هذا الانسداد لإيجاد حل نهائي لوقف العنف و القتل؟ هل يجب إجبار الرئيس زروال المستميت على موقفه على الانسحاب أم إضعافه إلى حدّ التوصل إلى حل وسط؟ كان على ما يبدو أن هناك سبيلاً واحداً فقط: هو (استهداف صديقه القوي الجنرال محمد بتشين).
**
-*صديق حميم (أصبح)مُحرجا جدّا Un ami intime (devenu) gênant:
-كان الجنرال محمد بتشين، الرئيس السابق للأمن العسكري SM في ثمانينيات القرن الماضي، ومالكًا أيضا لمجموعة إعلامية(3 يوميات (الأصيل، و El-Acil, و يومية Authentique الفرونكوفونيتين) و هو ورجل أعمال ثريًا، و يُعتبر همزة الوصل بين رئيس الدولة والمؤسسات الرئيسية (الجيش، وجهاز المخابرات العسكرية، والطبقة السياسية، وعالم الأعمال). تضاعفت سلطته ونفوذه عشرة أضعاف مع تأسيس التجمع الوطني الديمقراطيRND، الذي يُعدّ أحد أبرز قادته. /بل من أغرب ما أُحدث في عوالم السياسة و الأحزاب على المشهد السياسي أنذاك مذ الاستقلال أنه: / في أقل من عشرة أشهر، حاز هذا الحزب، الذي تأسس في فيفري 1997، على أغلبية في (المجلس الشعبي الوطني!). خلال صيف 1998، استُهدف “محمّد بتشين” بحملة إعلامية أكثر عنفاً و شراسة. كإثارة قضايا التعذيب خلال أحداث الشغب في أكتوبر (خريف الغضب) 1988، والفساد المستشري، وسجن آلاف المسؤولين الأبرياء، والطموحات الرئاسية… فجأة، (و بقدرة قادر!) /صحا الفكر السياسي الإصلاحي في الجزائر / و انهالت على الجنرال محمد بتشين الاتهامات من كل صوب و حدب وبكثافة. وطُرحت مطالب بإقالته ومحاكمته وإبعاده عن الحياة السياسية. و بعيدًا عن الجنرال “بتشين” الذي كان (ينظر إليه كذراع زروال المتين!) ، و الذي صُوِّرَ إعلامياً كنوع من “راسبوتين الجزائرRaspoutine à l’algérienne” ، فمن الواضح سلوك (لوي الذراع القوية) و أنه لم تكن سوى محاكمة، أو مهاجمة رئاسة زروال المُستهدفة ببوابل من الهجمات اللاذعة. في حين، ذلك الرئيس، المعروف باستقامته ونزاهته، صُدِم من حجم القضايا المفجّرة متعلّقة بالفساد. أليس زروال من ادّعى رغبته في “رجال بعيدين عن العشائر والصفقات المشبوهة”، vouloir « des hommes loin des clans et des affaires »
-و يكتشف وقتها -مرارة الخيانة- و أن بعضهم متورطون في فضائح إثراء مشبوه، و فاحش غير مبرر. أليس هو القائل قبل تفجير قضايا بتشين:”لا أعتبر نفسي مؤهلًا لأكون حامياً أو وراء تنامي المحسوبية والفساد « Je ne me considère pas en droit de parachever le développement de l’affairisme et de la corruption »”، و هكذا أوحى متنهداً الرئيس ليامين زروال لأحد معاونيه و مقرّبيه خلال صيف عام 1998.
-باتت فرضية التضحية ببتشين لا مناص منها في أعين من أحكم (خيوط الحملة، المُغرضة، المنسّقة إعلاميا لتفجير قضايا محمد بتشين للرأي العام!).
-شعر اليامين زروال بالخيانة من صديقه المقرّب، إلا أنه رفض ذلك، و هل يخون أشراف القوم مبدأ الوفاء و الولاء و الإخلاص؟. ففي خطاب ألقاه في 18 أوت 1998، دافع فيه اليامين زروال عن مستشاره دون أن يسميه حتّى، وندّد بالدوائر و الجماعة التي تستهدفه. الرسالة كانت تبدو للعيان أو على الأقل للرأي العام واضحة: (لن يُجبر ليامين زروال على شيء، و لن تُلوَ ذراعه!).
-إلاّ أنّ بعض أعضاء الدائرة المقربة لم يروا الأمر بنفس العين. فبعد ساعات قليلة من هذا الخطاب، استقبل “خالد نزارKhaled Nezzar”، وزير الدفاع السابق، مسؤولاً رفيع المستوى مقرباً من الرئيس زروال في منزله الواقع على أعالي الجزائر الذي علّق ممتعضا من موقف “اليامين” العنيد: “يرفض الرئيس زروال الاعتراف بالاتفاق الذي وقعه رفاقنا و زملاءنا مع “جيش الإنقاذ « Zéroual ne veut pas reconnaître l’accord que nos compagnons ont signé avec l’AIS »”، نعم هكذا عبّر الجنرال نزار عن غضبه من مواقف الرئيس زروال، و مُقرّا في ذات الوقت بفوائد الهدنة، وأشاد بعمل الجيش، إلا أنه أعرب عن انزعاجه من مواقف -رفيق الدّرب السابق(كما يحلو نعته في بعض المناسبات)، كما أنّهُ لم يُخفِ وجود إجماع بين صُنّاع القرار من الجنرالات ضد الذراع الأيمن لِليامين زروال ألا و هو الجنرال “محمد بتشين”. “إذن، يرفض زروال تحمّل المسؤولية” يضيف متذمّراً كعادته وزير الدفاع السابق “خالد نزار”. في هذا اللقاء، تقدّم النقاش، إلى أن أشار خالد نزار إلى -نهاية الشرعية الثورية la fin de la légitimité révolutionnaire “، واقترح -ضابط فرنسا الأسبق- الجنرال خالد نزار في ذات السياق (اسمين) كخليفة محتمل للرئيس ليامين زروال بقوله :”ما رأيك في (علي بن فليس وأحمد أويحيىAli Benflis et Ahmed Ouyahia ؟”، هكذا كان يسأل محاوره. “من تراه الرئيس المستقبلي للبلادْ؟” يضيف حواره و نقاشه حول مستقبل الحكم في الجزائر. هل يراهن نزار على قرب رحيل رئيس الدولة؟ هل يريد أن يرسل رسالة لحمله على تقديم تنازلات، أو هي نيّة التخلص منه، و إنهاء شرعية زروال الثورية؟
**
*هل يُعقل تنظيم انتخابات رئاسية في غضون أربعين يومًا؟.
-بعد أسبوعين، بعيدًا عن البلاد واضطراباتها، توصّل الرئيس زروال إلى اتخاذ قراره النابع من إملاءات ضميره. فعاد إلى الجزائر العاصمة في الرابع من سبتمبر، وطلب من مساعديه إعداد خطاب استقالته. و التقى بكبار المسؤولين لإبلاغهم بقراره. كان الاجتماع في قصر المرادية مع “محمد العماريMohamed Lamari، رئيس أركان الجيش وقتها عاصفاً، لدرجة ارتفاع الأصوات و تجاوزها خصوصية جدران المكتب الرئاسي. طلب زروال من العماري استدعاء هيئة الأركان العامة لإعلان الخبر. لكن الجنرال المتجهم كان رده قائلًا: “افعلها أنت، افعل ذلك بنفسك Faites-le vous-même “
معتبرًا رحيله المستبق بمثابة تخلٍّ واضح عن السلطة، و المسؤولية!. فعلى الرغم من إصرار العديد من كبار المسؤولين، لم يثن الرئيس شيء عن قراره. سئمت عائلة زروال من ضجة الإعلام، و بحيث أولوياتها كانت انشغالها بصحة الرئيس (الذي دخل المستشفى مرتين، في إسبانيا وسويسرا)، لذا فهي لا تحاول تغيير رأيه. و لتسريع العملية، في إجراء انتخابات رئاسية في غضون أربعين يومًا من إعلان استقالته.
**
-و مع ذلك نصحه مستشاروه و مقربوه وأقنعوه بالدعوة إلى انتخابات رئاسية مبكرة. فكانت حادثة استقالة الشاذلي في جانفي 1992، والتي وصفها البعض بالانقلاب، لا تزال حاضرة في “الذاكرة الجمعية”. لا يمكن بأي حال من الأحوال تسميتها استقالة. قال أحد المستشارين: “سيدي الرئيس، أربعون يومًا مدة قصيرة جدًا لإعداد انتقال سلمي للسلطة”.
« Monsieur le président, quarante jours, c’est trop court pour préparer une succession apaisée »
ورأى آخر أن إسناد الرئاسة المؤقتة إلى رئيس مجلس الشيوخ، “بشير بومعزة Bachir Boumaza” لمدة ستين يومًا، كما ينص عليه الدستور، ينطوي على مخاطرة. وأضاف معاون آخر: “بومعزة وطني، لكنه متقلب المزاج ويصعب السيطرة عليه. معه، سيكون الانتقال صعبًا للغاية. يجب ضبط عملية نقل السلطة”. تأثر الرئيس بهذه الحجج، فوافق. وتم استشارة خبراء قانونيين و دستوريين لتجنب أي ثغرات قانونية. وصلت مسودة أولية للخطاب إلى مكتب زروال، فطلب تنقيحها. علماً أنّهُ “كُتب نص خطابه في يوم واحد فقط”، هكذا أوضح أحد كُتّاب خطاباته. في الحادي عشر من سبتمبر، أعلن أخيراً “اليامين زروال” في خطاب متلفز عن إجراء انتخابات رئاسية مبكرة. في قصر المرادية، حينها، ساد جو من التوتر. كان ذلك إيذانًا بنهاية حقبة وبداية أخرى غامضة و مجهولة المعالم. إلا أنّ”الرئيس زروال كان هادئًا من جانبه”، يتذكر أحد أصدقائه، “وكأن حملاً ثقيلاً قد أُزيح عن كاهله”. بعد ساعات قليلة -فقط- من هذا الإعلان، تلقى عبد العزيز بوتفليقة اتصالاً هاتفيًا من صديقته “فتيحة بوضياف Fatiha Boudiaf” من كندا. قالت له: “لقد استقال الرئيس للتو. ربما حان دورك الآن « Le président vient de démissionner, lui annonce-t‑elle. Le moment est peut-être venu pour toi. »”.
-من لا يعرف “فتيحة بوضياف” من هذا الجيل الجديد، فهي الزوجة الثانية، و الأرملة في ذات الوقت للرئيس “محمد بوضياف” المغتال في ولاية عنابة في ٢٩ جوان ١٩٩٢/ 29 juin 1992.
-إذ خَلُصَ التحقيق الرسمي إلى أن -اغتيال زوجها- كان عملا فرديا من تدبير متطرّف منعزل.
علما أن “فتيحة” أرملة الراحل محمد بوضياف دخلت في صدامات و خلاف مع الإبن الأكبر للرئيس “ناصر” طفح كيله على صفحات الإعلام. و في عام 1995، صرحت “فتيحة بوضياف” إلى وسائل الإعلام بأن المتهم بقتل زوجها لم يكن سوى -خدعة-، وأن الجناة الحقيقيين لم تتم ملاحقتهم من قبل جهاز العدالة.
و بحسب ما نشرته “ميدل إيست آي Middle East Eye” في 29 يونيو 2017، اتهم ناصر بوضياف، جنرالاتا سابقين مثل رئيس المخابرات الجزائرية السابق “محمد مدين الملقب بتوفيق Mohamed Médiène dit Toufik”، و الجنرال “خالد نزارKhaled Nezzar”، و سماعين العماري Smaïn Lamari، أو الجنرال “العربي بلخيرLarbi Belkheir”، بالمسؤولية عن وفاة والده، و طالب من الرئيس بوتفليقة في 2016 بإعادة فتح ملف التحقيق المتعلّق بقضية اغتياله.
-علما أنه بعد أشهر قليلة من وفاة زوجها، خُصصت للسيدة بوضياف “إقامة محرزVilla Mahrez الفاخرة”، الواقعة في تلال الجزائر العاصمة. إلا أن هذه الفيلا تمّ بيعها بسرعة، و بحسب التقارير، فإن صفقة البيع تمت مع رجل أعمال من “زرالداZéralda” (منتجع ساحلي بشواطئ الجزائر العاصمة) بمبلغ باهظ في ذلك الزمن قدرت وقتها قيمته بِ (4.4 مليون يورو!). ووفقًا لتسريبات نشرتها صحيفة الخبر، تمّ فتح تحقيق لتحديد ملابسات هذه الصفقة. حيث طُرحَ السؤال:لماذا سعت فتيحة بوضياف لبيع هكذا ممتلكات وللعودة إلى المغرب والاستقرار في مدينة القنيطرة، حيث عاشت العائلة لسنوات طويلة قبل عودتها إلى الجزائر العاصمة في يناير 1992؟. و في لقاء صحفي مع قناة الجزيرة، أكدت فتيحة بوضياف هذه المعلومات. و هذا حسب ما ورد في مجلة “جان أفريك jeune Afrique” بتاريخ 22 أوت 2005.
-في 25 نوفمبر 2025، غادر الحياة في “بروكسل Bruxelles/ بلجيكا، المدعو ناصر بوضياف نجل “محمد بوضياف” عن عمر 62 سنة، دون أن يتوصّل إلى الحقيقة التي ظلّ يطالب بها هو و عائلته.
**
-* الهدية الترحيبية!:
-فلاش باك: في اليوم التالي لإعلان رحيله، كلف ليامين زروال مستشاريه بصياغة مذكرات لخلفه. وقُدّمت هذه المذكرات، المحفوظة في ملفات، إلى “عبد العزيز بوتفليقة Abdelaziz Bouteflika” في أفريل 1999، و ذلك خلال حفل تسليم السلطة. ومن بينها إجراءٌ يمسّ مئات الآلاف من الجزائريين الذين رفضوا أداء الخدمة العسكرية. طلب زروال: “الرئيس القادم إمكانية إصدار مرسوم عفو عن الشباب الذين رفضوا أداء الخدمة الوطنية؟”.
“كان مرسوم العفو عن المتهربين من التجنيد على مكتب زروال”، هكذا أفصح أحد وزرائه. الهديّة؛ “أنه رفض التوقيع عليه. كونه أراد أن يُهديه إلى بوتفليقة شخصياً لكي يبدأ رئاسته بهكذا إعلان في ظروف مواتية”. وفي وقت مبكر من جوان 1999، أعلنت الرئاسة عفوًا عامًا عن هؤلاء المتهربين من التجنيد.
**
-الفلاش-باكْFlashback، (المشهد الاسترجاعي، أو مشهد مُسترجع): هي عودة إلى الوراء قليلا لفهم السياقات التاريخية. (قد يكون المشهد المُستَرجَع، هو المشهد المُسْتَوجَع* في حد ذاته!)، كما ألهمَنِيه هاتفي الذكي!.
و معناه -لقطة أو مشهد في فيلم مثلا- يُظهر حدثًا سابقًا للمشهد المصوّر. أي مشهد استرجاعي، خاصة في سياق سردي.
*عندما يقول بوتفليقة “نْياتْ-niet – لا” في تفاصيل كوَاليسية ما؛ و هذا ما أسرّ به ليامين زروال لأحد أصدقائه. إذْ بعد أسابيع من المفاوضات مع الجنرالات، وافق عبد العزيز بوتفليقة مبدئيًا على تولي الرئاسة، خلفًا للمجلس الأعلى للدولة HCE، Haut Comité d’État ، الذي شُكّل سنة 1992 بعد أحداث توقيف المسار الانتخابي و استقالة الشاذلي بن جديد، والتي كان من المقرر أن تنتهي ولايتها في 30 جانفي 1994. وكان من المقرر الإعلان رسميًا عن اسم الرئيس الجديد في 25 جانفي في نادي الصنوبرClub des Pins، حيث عُقِدَ مؤتمر الحوار الوطني، ولكن إلى غاية منتصف الليل، لم يكن بوتفليقة قد أعطى رده النهائي. عندها قرر الجنرالات إيفاد زروال، بصفته وزيرا للدفاع، إلى منزل بوتفليقة لإقناعه بالوفاء بالتزامه. وبعد عشر دقائق من التبادل و النقاش، رفض بوتفليقة المنصب. وصرح قائلًا: “لا أريد أن أكون دمية تتلاعب بها أيادي العسكر” « Je ne veux pas être le pantin des militaires »”. وقتها حاول اليامين زروال بكل إجابية طمأنته و تشجيعه مسترسلاً: “في هذه الحالة، عيّني إن شئتَ وزيرًا لدفاعكَ. سأضمن لك عدم عرقلة أيّاً كان مهامّكَ/ « Dans ce cas, prenez-moi comme ministre de la Défense, lui suggère-t‑il. Je vous donne ma garantie que personne ne vous gênera dans votre mission. »”. إلا أنّ رفض بوتفليقة كان قاطعًا. و مع فجر يوم 25 جانفي 1994، يضيف التقرير:/ضغط قادة العسكر بتأثير كبير/ أو الجنرالات، على ليامين زروال كي يتولّى زمام الحكم. وبعد ساعات قليلة، و منه و غادر “عبد العزيز بوتفليقة” الجزائر متجهاً إلى سويسرا، تحديدا إلى مدينة جنيف Genève بسويسرا.
**
*عصابة بوتفليقة و “المستنقع الإماراتي”!
—-
-كتب “جون دو لا غيريفييرJEAN DE LA GUÉRIVIÈRE” . في 17 ماي 1983 على صحيفة “لوموند Le Monde” الفرنسية عن قضية فساد متورّط فيها وزير و رئيس الديبلوماسية الخارجية الجزائرية في وقت “الهواري”، ألا و هو “عبد العزيز بوتفليقة M. Abdelaziz Bouteflika”، الذي كان مُرشحاً متعثّر الحظ لخلافة مباشرة للزعيم الراحل “هواري بومدين”، و تُوبعَ السيد بوتفليقة، و أُمرَ بـ”إعادة” مبالغ كبيرة من الفرنكات إلى الخزانة العامة. نذكر أنه شغل منصب وزير الخارجية من عام 1964 إلى عام 1979، كان بوتفليقة مطالب وقتها بـ”إعادة” هذه المبالغ المالية إلى الخزينة العمومية الجزائرية. و صدر هذا القرار عن مجلس المحاسبة، الذي -عُقِدَ-في جلسة عامة، كختام لإجراءات حدثت قبل خلاصات الإدانة بأشهر. و رغم مدارسة الاستئناف ، فقد أصدر المجلس حكمه النهائي بتاريخ 14 ماي. و منه أُدين -رئيس الدبلوماسية الجزائرية السابق- بالتواطؤ مع مسؤولين آخرين من وزارته، بتهمة ” ..-وفقًا لتعليماته الصريحة-، التصرّف و إساءة استخدام أموال الدولة”.
**
كما أوضحت وقتها وكالة الأنباء الجزائرية (APS): “شارك قضاة المحكمة في تحقيق أجرته اللجنة التأديبية المركزية للحزب، بهدف التدقيق في مسألة إدارة واستخدام الفائض المالي الناتج عن البعثات الدبلوماسية والقنصلية بين عامي 1965 و1978، و التي أُودعت في بنك سويسري بجنيف”. ويستند الحكم الصادر إلى وجود “نظام إداري تسييري سري” خلال الفترة من 17 ديسمبر 1971 إلى 1 جانفي 1979. (حينها) كما ذكرت المصادر لم يمثل عبد العزيز بوتفليقة أمام القاضي بحجة -أسباب صحية-، و الذي كان مقيما في أوروبا،. يُذكر أنه قد غادر الجزائر بعد فترة وجيزة من تعليق عضويته في اللجنة المركزية لجبهة التحرير الوطني في ديسمبر1981. كانت هذه المرحلة الأخيرة من سقوطه الحرّ و السريع من أعالي السلطة: فبعد تجريده من حقيبة الشؤون الخارجية عقب تولّي الرئيس الشاذلي بن جديد الحكم كخليفة للرئيس بومدين، إلا أنه أُشغلَ بمنصب “مستشار لرئيس الدولة الجديد” لبضعة أشهر. و بعد إقالته من الحكومة في يناير 1980، تم طرده من المكتب السياسي في جويلية 1981، إلى جانب منافسه السابق، السيد يحياوي M. Yahaoui”.
**
-أمّا صحيفة “كوريي إنترناسيونال /البريد الدولي/ Courrier international: ” الفرنسية، بعد “تسونامي الحراك الشعبي”، و رغبة هذه الأجيال و خاصة الشباب في “تطهير بلدهم من فساد قادة في زيّ نظامي -سياسي-عصاباتي- ترأَّسهُ حكم بوتفليقة” فكتبت تقريرها في مارس2019 المتعلّق بتخريب البلد و نهب مقدّراته و خزائنه تحت عنوان ” – رؤوس الأموال تفرُّ أو -تُهرّب- من الجزائر.”.
يقول الكاتب في مستهلّ ورقته حول الوضع في الجزائر :/يتزايد عدد الشخصيات الوطنية البارزة التي أبدت مخاوفها و حذّرت من تسارع وتيرة تسريب و تهريب رؤوس الأموال. في ظل الضغط الشعبي، حيث بدأ ذلك النظام البوتفليقي بالتصدع. كما أشارت التقارير إلى أن هؤلاء نقلوا أصول (رؤوس الأموال) إلى الخارج. “في الوقت الذي كان فيه الجزائريون منشغلون بإنهاء -النظام الفاسد و الاستبدادي- الذي نتج عنه انزلاق حكم و نظام بوتفليقة، تحاول “عصابة الأموال”التي كانت مرتبطة بالسياسة إنقاذ ثرواتها اللامشروعة المتراكمة. العديد من -الشخصيات السياسية البارزة من الأيادي النظيفة و ممثلي المجتمع المدني-كانت تنظر بعين القلق فيما يخص وجود تحويلات غير مشروعة لرؤوس الأموال إلى الخارج، و منه أُطلقَت نواقيس الخطر، و دعوا السلطات المختصة إلى التحرك قبل فوات الأوان. صحيح أنه في ظل هذه الفترة الحسّاسة من الشكوك و الإرباك و عدم اليقين، لا يترك مجالا لدى -كبار رجال الفساد- إلى الفرار و مغادرة البلاد و بما أُوتيوا من خزائن منيعة و حقائب -ليست ككل الحقائب!-“، كما حذرت وقتها صحيفة “الوطنEl-Watan”.
**
صدى هذا الشعور نفسه تردد على الموقع الإعلامي TSA الجزائري(كشحج:كل شيء حول الجزائر): “يُعدّ الحفاظ على احتياطيات العملة الصعبة للبلاد موضوعًا يحظى باهتمام وقلق بالغين خلال هذه الفترة الحساسة”. كما أشار ذات الموقع إلى أنه في 24 مارس، طالبت نقابة المحامين في الجزائر صراحةً محافظ بنك الجزائر و مدراء البنوك “بالتوقف عن تأكيد أو الموافقة تخص هكذا تعاملات مشبوهة” و”عدم إبرام أي عقود أو معاملات تجارية تنطوي على مصالح خاصة معينة”، كما دعت إلى الحرص على إيقاف نزيف “تبديد الأموال العامة” في إطار ال “نهب المنظم Un pillage organisé:
(…)كانت ردة فعل المحامين الجزائرين وقتها مؤشرًا واضحًا على طبيعة عفن المناخ السياسي؛ حيث باتت -صورة دوائر من المسؤولين- المنهمكين في إفراغ خزائن الدولة -عن طريق النهب- لاستنزاف آخر مواردنا المالية منتشرة على نطاق واسع في مخيال الرأي العام الوطني”. و أضافت TSA أن هذه (الصورة المخزية، و الصادمة) باتت متداولة “بين دوائر أكثر اطلاعًا من خبراء و مختصّين في الاقتصاد الجزائري”، مستشهدةً على وجه الخصوص بجماعة الخبراء الجزائريين “نبني Nabni” (نحن نبنيNabni (“nous construisons”). من جانبها، نقلت اليومية الفرونكوفونية “الوطن El-Watan” عن الأستاذ “مقران آيت العربيMe Mokrane Aït Larbi”، المحامي البارز شخصية سياسية و الذي بادر بإرسال رسالة في 25 مارس إلى النائب العام لمحكمة الجزائر، “يطالبه فيها بالتحقيق في قضايا الفساد بمبادرة منه”. في ذات الموضوع استشهدت الصحيفة بالخبير الاقتصادي “إسماعيل لالماس Smaïl Lalmas”، الذي صرّح “خلال مؤتمر صحفي بأنه يمتلك معلومات عن تهريب رؤوس الأموال ومنح عقود مؤرخة بتواريخ سابقة. وهذا يعتبر في حدّ ذاته نهباً مُنظّماً”.
و ذكّرت الصحيفة متتبّعيها في ختام قراءتها للأحداث السابقة المتعلقة بأسباب مليونيات الشعب الجزائري الحراكية؛ أنه (بلغ) في الجزائر، في ظل -حكم أو نظام بوتفليقة-، “شكل الفساد مستوياتا-جنونية- غير مسبوقة، و هو من الأسباب التي دفعت ملايين الجزائريين إلى الخروج للشوارع “لإسقاط” هذا النظام المارق و رموزه من موظفين سامين و مسؤولين مقرونين مطالبهم بضرورة المحاسبة و المساءلة. و اختتمت “هدى صليبي Hoda Saliby مقالها قائلةً: “إن الانتقال إلى -نظام جديد- يجب أن يقوم على الشفافية و يكون ملازما لضرورة المساءلة لكل شكل من أشكال الفساد”.
**
-أُذكّر القراء، أنه قبل 14سنة من كتابة هذا الملف، كشف كتابٌ، مثير للجدل و (صادم) ألّفه -مجموعة من الكُتّاب الجزائريين- عن تواطؤٍ مروع بين الرئيس بوتفليقة ورجال أعمال إماراتيين، تواطؤٌ -مُمنهج-أو مؤامرة نُفِّذت على حساب الجزائر و من وراء ظهور الجزائريين. الكتاب يحمل عنوانا هجوميا على بوتفليقة و زمرته المقرّبة: “صديقنا بوتفليقة – من دولة الأحلام إلى دولة عربيدة و مارقةNotre ami Bouteflika – de l’Etat rêvé à l’Etat scélérat “، فصّل هذا الكتاب حسب روايات(كتّابه) المؤامرات بين الدائرة(أي العصابة “الإقتصاد-سياسية”) المقربة من الرئيس ورجال أعمال إماراتيين أثرياء انتهازيين. -منعت أو عرقلت- دوائر بوتفليقة خاصة توزيع و انتشار الكتاب في الجزائر، فلم يحقق النجاح نفسه الذي حققه في فرنسا (حيث احتلّ مرتبةً ضمن أفضل 25 كتابًا مبيعًا، كما ذكرت المصادر المتصلة أو المقرّبة من خصوم أو فريق تحرير ذلك الكتاب الهجومي على سيستام زعيم الأعمال المشبوهة!)، و منه تضيف :/ظلّ المواطن الجزائري غير مدرك لتفاصيل أو حجم الكارثة. بعد عامين، من نشر هذا الكتاب/ الهجومي على من أُكنّيه أنا شخصيا بِ (بوتفليقة و ال40 لصّا* Bouteflika et les Quarante Voleurs). إذن في منشور لصحيفة (لوماتانLe Matin، المغضوب عليها، و المحظورة ورقيا!) في ٨ جوان ٢٠١٢، كتبت هيئة التحرير تلك ملفّها في إطار نشر أهم ما جاء في الكتاب مقسّم إلى فصول أو أجزاء ثلاث:/ و يؤكد الزملاء في TSA ما كتبه مؤلفو (الكتاب-الحملة* Le Livre-campagne ) : “صديقنا بوتفليقة – من دولة الأحلام إلى دولة عربيدة و مارقة”، ويكشف عن الفضيحة مثلا : بناءً على تعليمات الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، أن حصل مثلا صندوق الاستثمار الإماراتي EIIC على ترخيص تمويل استثنائي من خلال بنوك جزائرية لمشروعه “دنيا بارك Dounya Parc” في الجزائر، بقيمة 100 مليار دينار. كما تؤكد الوثائق التي نشرتها (TSA)، و دون أدنى شك، كان الدعم المباشر و الشخصي لرئيس الدولة واضحاً (وقتها). فأعاد موقع فريق صحيفة lematindz (المغضوب عليها!) النظر في المعلومات الواردة في كتاب *صديقنا بوتفليقة -من دولة الأحلام إلى دولة عربيدة و مارقة”، و نشر سلسلة من المقالات حول هذا الموضوع.
-أُشير هنا، مع احترامي لكل صحفي في الجزائر، و خارجها و تقديسي لمبدأ حرية الصحافة و الرأي، إلا أنّني أفضّل أن استند إلى رؤى و أفكار من هم أكثر حيادية، لأنّي أمقت الإنتماءات الإيديولوجية لدى الكتاب و الصحفيين و لو أنّي أدرك تماما أن كلّ كاتب و كل صحفي لا يمكن أن يسلم من تأثير انجذابه إلى تيار أو إيديولوجية ما أو إلى مذهب أو حزب ما!
-فبغض النظر عن بعض الحقائق الصادمة في محتوى كتاب “صديقنا بوتفليقة – من دولة الأحلام إلى دولة عربيدة، مارقة Notre ami Bouteflika – de l’Etat rêvé à l’Etat scélérat “، و الذي قيل أنه كُتب من قبل مجموعة من صحفيين و كتاب جزائريين، إلا أنّى أجده منسوبا في كثير من الأحيان في مراجع فرنسية للكاتب و الصحفي الجزائري و مالك الصحيفة الحزبية (لوماتان دالجيريLe Matin d’Algérie / صباح الجزائر) الملقّب “محمد بن شيكو Mohamed Benchicou”، و هو شخصية إعلامية جدلية معروفة. و نشاطه الكتابي و الإعلامي يفضح هوسه الإيديولوجي و الحزبي اليساري المتطرف و يعطي انطباعا أنه رئيس حزب أو طائفة و ليس مثقفا أو -مسؤولا- عن منبر إعلامي مستقلّ،(ليعلم القراء أنه لم تكن الصحف الحزبية و الخاصة يوما حُرّة أو مُستقلّة!). فبرأيي أن “بنشيكو” و جماعته التابعة ينشط كمعارض شرس للأنظمة (المتعاقبة) التي (تزامنت مع وجود صحيفته بعد فتح المجال التعددي الإعلامي، ثم بعد إدخال الجزائر في (الفوضى الأمنية و السياسية) في تسعينيات القرن الماضي، وصولا إلى تخوم شبه (الجزيرة أو الجمهورية الموزية) التي كاد أن يكرّس أُسسها و معالمها (بوتفليقة و ال40 لصّا؛ الذين كانوا يسبحون في فلكه!) (فلو) لا ألطاف الله بفضل حراك و إصرار أحفاد الشهداء (و جميع القدّيسين) سليلو (نوفمبر المجيد) في تطبيق “شعارهم” لطرد المرتزقة الفاسدين:(يتْنَحاوْ ڨاعْ! Yetnahaw Ga3 ! / Qu’ils dégagent tous، و محاولةً لتصحيح مسيرة الجزائر لَكادت أن تهوي و تنزلق جرّاء (موزيات قادة تلك المرحلة!) و (لوْ) لم يكن الإصرار على إرساء دعائم -مشروع- (حلم جزائر جديدة) لنجح زعيم عصابة (ال40 لصّا) في تكريس “إمارة أو سلطنة له جديدة” في الجزائر تحت إمرته و إمرة صعاليكه من (المافيا السياس-إقتصادية). و ربما لصارت الأمة الجزائرية أكثر فسادا و عربدة و فسقا من دولة “الخلافة الأموية” نفسها قبل سقوطها!
**
يبدو لي أن “بنشيكو” كان يتصرّف رغما عنه بسبب (عمى الإيديولوجية) التي يتشبع بها كخصم شخصي لبوتفليقة و لنظامه.. و هنا بالنسبة لي تُصبحُ المصداقية (الإعلامية) هشة، و كل ما ينتج إعلاميا تنبعث منه روائح -تصفية الحسابات الماكرة السلطوية الضيّقة-ضد شخص أو جهة لصالح جهات أو أشخاص معارضين تماما لرموز الحكم(لا تنسوا حادثة تكالب الإعلاميين و كبريات الصحف -المملوكة- الخاصة) ضد (الجنرال محمد بتشين) للضغط على الرئيس ليامين زروال بحكم أنه كان صديقه المقرّب و ذراعه الأيمن و حمله على التنحّي للإتيان بعرّاب (اللصوصية الكبير) و الخبير في الفساد كخبرته في الديبلوماسية و هو عبد العزيز بوتفليقة. -أقول دائما “كذب محمد بنشيكو و لو صدق، و كذلك خالد نزار!”. لهذا أميل في كتاباتي و قراءاتي إلى مواقف و مصادر أكثر توازنا و بأقل شبهة إيديولوجية و أكبر مصداقية احتراما لنفسي و لمحطات تجربتي الشخصية قبل قرائي!.
-يقول المثل “عندما تنهار قوى الثور، أو يسقط أرضاً تنهال السكاكين عليه من كل جانب!”، و يبدو في عالمنا هذا أنّ الأكثر جدلا و فحشا في الفساد هم الذين يسارعون إلى لعبة تضليل النّاس و الرأي العام و إلى إعطاء الانطباع بأنهم أنقياء و شرفاء ف (يتطهّرون-كذبا-) و ينكرون صلتهم بكل ما هو فاسد كحال السفّاح الجنرال خالد نزار الذي كان يخرج في كلّ مرة بهرطقة مغرضة في رواية سياسية كبدعة حقّ أُريد بها باطلا و تدليسا للتاريخ عنونها : ” سلطنة بوتفليقة Sultanat De Bouteflika” و الذي أراد استباق هجومه بمذكرات تستند إلى -رواياته المشكوك فيها- عن التاريخ الجزائري – و هي محاولات شخصية- لإعادة كتابة التاريخ بطريقته الخاصة الضيقة، ولتبييض سيرته و دوره و ضلوعه المباشر في أحلك فصول التاريخ الجزائري المعاصر المؤلم – “سلطنة بوتفليقة”، إذن كتاب نشرته دار “توبيكس Topicsعام 2003، يحتوي سرده الشخصي.
-يقول الحكيم القدير:(قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ/ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ، إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)
Dis: « Ô Allah, Maître de l’autorité absolue. Tu donnes l’autorité à qui Tu veux, et Tu arraches l’autorité à qui Tu veux; et Tu donnes la puissance à qui Tu veux, et Tu humilies qui Tu veux. Le bien est en Ta main et Tu es Omnipotent. ».
-أودّ هنا أيضًا التذكير بأنّ صحيفة “لو ماتان” هي صحيفة جزائرية ناطقة بالفرنسية، تأسست في 19 سبتمبر عام 1991 على يد صحفيين من حزب الطليعة الاشتراكية (PAGS)، الذي انبثق عن انشقاق داخل صحيفة “الجزائر الجمهورية” اليومية. وكانت “الجزائر الجمهورية” قد تأسست سرًا في 26 جانفي 1966 على يد ناشطين من (الحزب الشيوعي الجزائري السابق) (PCA) وتقدميين من فصائل -اليسار المتطرف في الحركة الوطنية-. في ذلك الوقت، انتقلت رئاسة الحزب من “صادق هجرس Sadek Hadjerès إلى الأكثر تطرّفا الدكتور “الهاشمي الشريف El Hachemi Cherif”و هو من بين الذين (صرّحوا تلفزيونيا-على المباشر و حرفيا- و بكلّ استياء عقب نتائج الدور الأوّل للتشريعيات ١٩٩١ داعين صراحة إلى “معاقبة الشعب” لأنّ -هذا الشعب- أساء اختيار نوابه و انتخب بالأغلبية على مترشحين من التيار الإسلامي، الذي لا يروق للعلمانيين المتطرفين!). تبنى الحزب في مسيرته برنامجًا سياسيًا جديدًا، يُعرف باسم “القرار الأيديولو-سياسي «Résolution Politico-Idéologique»” (RPI)، والذي تخلى عن النموذج التحليلي الماركسي للصراع الطبقي، واقترح بدلًا منه رؤيةً يُمكن من خلالها قراءة التاريخ على أنه تناقض بين الحداثة والقديم.
**
*لعبة (البوكَرPoker/ Booker) الإماراتية الغامضة في الوطن العربي و الجزائر :
-عليّ أيضا توضيح -اللعبة الإماراتية- من خلال شرح لعبة (البوكر Poker)..لفهم علاقتهم بالمشهد.
-فالبوكر هي فصيلة من -ألعاب الورق- تشمل العديد من الأشكال والأنواع. يلعبها عدة لاعبين باستخدام مجموعة أوراق لعب قياسية مكونة من 52 ورقة و قُريصات تمثل افتراضا المبالغ المراهنة عليها.
و هذا ما فعلته و تفعله بعض الجهات الشرّيرة الحاكمة في دُويلات (الإمارات العربية المتّحدة) في كامل الرقعة العربية من المحيط إلى الخليج و تستهدف سياسة لعبها لأوراق تدخلها في شؤون أهم بلدان الوطن العربي و حتى أفريقيا ، و لهذا انتزعت (الإمارات) عن جدارة لقب (إسرائيل العرب!).. و تسعى (الإمارات) بمختلف الصيغ و استراتيجياتها و -مخططها الإيديولوجي- لزعزعة الاستقرار أوطان عربية أكبر منها جغرافيا و حضاريا و تاريخيا.
-فهل هناك علاقة بين لعبة الورق (بوكَر Poker) و فعل (Bookerبُوكر)، ففروق المعنى الإنجليزي للمصطلحين تبدو شاسعة، إلا “لعبة” اللغة عند رسم المصطلحين بالعربية فإنّ الفروق تختفي!
-مصطلح “الحجز” مشتق من الكلمة الإنجليزية “to book”، والتي تعني أن الشخص يقوم بالحجز لضمان وجود (شيء) أو مكان له، سواء في فندق أو مطعم أو وكالة سياحية. مثال: كحجز العطل و الأنشطة القادمة عبر الإنترنت. علينا ألا نهمل المعنى اللغوي لكلمة book بالإنجليزية، الذي يعني “كتاب”، و (bouquin) بالفرنسية و مرادف أيضا livre..
“Bouquiner c’est l’action de lire un livre, un bouquin”
“بوكيني، هي فعل قراءة -بوكان-، أي كتاب”(في الثقافة الفرنسية).
**
-لكي يفهم القارئ العربي -الحقيقي-مدى براعة (دويلات الإمارات المتحدة) في ألعابهم -البهلوانية- الواهمة و التضليلية (القشورية و البصرية)، عليّ أن أُفتّقَ أبعاد بعض المشاريع الثقافية التي تعتمد عليها سياسات الإيهام للمجتمعات العربية و على رأسها ما تُسمّى ب(النُخب).
“جائزة بوكر، (الدولية) و الحقيقية (و ليست الشبيهة!) هي جائزة حصرية(بريطانيا العظمى) مذ نشأتها تهتم لغرض أوحد هو إشاعة (الثقافة الأنجلوساكسونية)، و االتي كانت تُعرف سابقًا بجائزة بوكر للرواية (1969-2001) وجائزة
“مان بوكر Man Booker”
(2002-2019)، و هي جائزة أدبية تُمنح سنويًا لأفضل عمل روائي مكتوب باللغة الإنجليزية ومنشور في المملكة المتحدة أو أيرلندا. تُعتبر هذه الجائزة من أرفع الجوائز الأدبية، إذ تبلغ قيمتها 50,000 جنيه إسترليني 57 440 EUR (يورو) / 67 196(دولار أمريكي)، وتُتيح الجائزة فرص الترويج عالميًا، ما يُترجم عادةً إلى زيادة ملحوظة في المبيعات.مثلها مثل أشهر الجوائز الفرنسية التي تناولتها في ملف كبير خاص ب (الجوائز). و كانت الروايات التي كتبها مواطنو دول (الكومنولثCommonwealth” وأيرلندا وجنوب إفريقيا (وزيمبابوي لاحقًا) -فقط!- هي المؤهلة للترشح؛ وفي عام 2014، تم توسيع نطاق الترشح ليشمل أي رواية مكتوبة باللغة الإنجليزية، وهو تغيير أثار جدلًا واسعًا!.
-لنفهم بشكل أفضل، ظهر اتحاد أو “رابطة الكومنولث Commonwealth” في منتصف القرن العشرين خلال عملية تصفية أو إنهاء الاستعمار(أي إنهاء التواجد العسكري!). وقد تأسست رسميًا بموجب إعلان لندن عام 1949، الذي نص على أن الدول الأعضاء شركاء المِلّة و الهوية “أحرار ومتساوين”. ويرمز إلى هذا الاتحاد الحر الملك “تشارلز الثالث Charles III”، رئيس الكومنولث، وهو أيضًا الرئيس الملكي لخمس عشرة دولة من دول الكومنولث. أما الدول الأعضاء الأخرى فهي ست وثلاثون جمهورية وخمس ملكيات، لكل منها ملك مختلف.
**
-إذن -بعيدا عن أوهام نظام الإمارات المتحدة- تُعيّن (واقعا) “مؤسسة جائزة بوكر” الدولية و الرسمية سنويًا لجنة تحكيم مؤلفة من خمسة أعضاء، تضمّ كتّابًا وناشرين وصحفيين، بالإضافة إلى سياسيين وممثلين وفنانين وموسيقيين، مهمتهم اختيار الكتاب (book) الفائز، و تشغل “غابي وود Gaby Wood” منصباً (ليس خشبياً) -كما لدى أصحاب العمائم في صحاري الخليج-الرئاسة التنفيذية لمؤسسة جائزة بوكر منذ عام 2015. فجائزة بوكر (الحقيقية و ليست الشبيهة!) هي جائزة أدبية مرموقة في الثقافة(الغربية) البريطانية، ويترقبها العالم بأسره بشغف كبير. ويؤكد النقاد الأدبيون أن ترشيح العمل للقائمة المختصرة أو القائمة الطويلة يُعدّ في حدّ ذاته علامة مميزة لنجاح للكاتب. كما تُمنح جائزة أخرى ذات صلة، وهي جائزة بوكر الدولية، لعمل روائي مُترجم إلى الإنجليزية ومنشور في المملكة المتحدة أو أيرلندا. وعلى عكس جائزة بوكر، فإن مجموعات القصص القصيرة مؤهلة أيضا لجائزة بوكر الدولية. و تُقسّم الجائزة، وقيمتها المُقدّرة مذ التأسيس ب 50,000 جنيه إسترليني، بالتساوي بين مؤلف العمل الفائز ومترجمه. و أُنشئت جائزة ثالثة، وهي جائزة (بوكر للأطفال) عام 2025، وسيُعلن عن أول فائز بهذه الجائزة خلال عام 2027. هذا ما نجده في المصادر الرسمية التي تذكر هذه الجائزة أو على موقعها الرسمي.
-كما تجدر بي الإشارة، ليفهم كلّ -مُتبصّر-، أنّي أنفقت عُمري في قارة أوروبا باعتباري مُقيما و مواطنا، و لمّا فتحت حسابا “أزرقا” مذ 10 سنوات بغرض أن أكون أكثر جوارية مع عوالم بيئتي الثقافية الأصلية و أن أتصالح مع الثقافة العربية، فصُدمتُ بمدى تعلّق و تشبث المجتمعات العربية نخباً و ما دون ذلك بالافتراض، و كأنّ معظم الشعوب العربية بمجتمعاتها شهدت حملاتا واسعة تهجيرية إرادية و نزُوحية، انزياحية من حياة الواقع إلى عوالم الافتراض، هل مات المثقفون هناك و طغت و تجبّرت في هذه الأوطان الأنظمة الشمولية و الموزية إلى درجة انكماش النخب و انقراضها ففضّلت الاستقالة و رضت بالفشل و هربت من كل هذا الخراب لتتخذ من “الفيس-بوك” وطناً و سكَناً؟! كنت هكذا أتساءل كفِتية الكهف ! أصدقكم القول أنّه فاجأني من خلال نشاط بعض (الذبابات الزرقاء) وجود ما أسموه ب(الجوائز الأدبية العالمية -العربية!)..
و وجدت لغطا كبيراً ينشطه دائما بعض رُوّاد (الذباب الإفتراضي) مفاده أن جائزة (كتارا) و جائزة (البوكر) هما من بين الجوائز المرموقة عالميا و عربيا،هي في الحقيقة (جوائز مسمومة بإيديولوجيا خليجية)، الأولى وراءها دولة قطر و الثانية وراءها دويلات (الإمارات المُتحدة).
-و أنا أبحث عن (الأدب) الحقيقي، لأنّي رجل يحبّ -التأدّب- و أُحبّ -التّطهّر- و لو كرهني فُسّاق الفكر المتعربدون، و أُحبّ الإبداع الهادف، اكتشفتُ ضجيجا مهولا و عقيماً في فضاءات هؤلاء و مستمرُّ بشكل هيستيري و كثيف حتّى كدت أُصدّق و أشكّ حتّى في نفسي أنّ هناك (ربيع عربي إبداعي)، أو ثورة ثقافية أدبية و صحوة أنارت (العالم) بإنتاجها و لم انتبه لذلك بسبب تقصيري أو بسبب وقوع ذاتي في غيبوبة في العالم الغربي و لم أشعر بها طيلة ثلاثين عاماً من العزلة في الشمال!. و كنت أسأل نفسي بشدة، لماذا هكذا جوائز(يروّج على أنها مرموقة و عالمية!؟).. وبينما هكذا أعمال (فائزة) بالجائزتين المذكورتين لم نسمع عنها في أوروبا و لم ترتدّ لها حتّى و لو طرفة عين للمؤسسات الثقافية و الإعلامية الفرنسية و الأوروبية و لم تُذكر لا من قريب و لا من بعيد خلال كل هذه السنوات حيثيات هذه الجوائز (العربية) التي يُروّج لها افتراضاً على أنّها عالمية حقّا!؟.
-سؤال كان يُحيّرني و يربكني، لماذا ما يُفترض أن -فطاحلة و قامات-الأدب العربي المُعاصرين الفائزين بجائزة (كتارا و البوكر)، خلال هذه السنوات لم تتجاوب معها إطلاقا النخب الأوروبية و لا حتى في القارة الأمريكية لا إعلاميا و لا أدبيا (من باب النقدالتفاعلي) على عكس تجاوبها هي مع جائزة “نوبل” العالمية للأدب و “غونكور” الفرنسية و عن الفائزين بها ؟ و على عكس سلوك تجاوب معظم المبدعين العرب و شغفهم الصبياني بكل (حادث و حدث، و حديث) و بكل ما كان وراءه النخب الأجنبية، تتبعهم دائما مشاعر الدونية ! و …ألهذا الحدّ وصلت درجة التجاهل العنصرية للمثقفين الأوروبيين و غيرهم للمؤسسات العالمية الثقافية العربية، و استهانتهم و عزوفهم عن أي عرس أدبي عربي؟ أمّ أن العالم العربي بنخبه يعيش في أوهام (العالمية) و يصدّق تشبّثه بكل ما هو شبيه، و ينتظر كل من فاز بالجائزة القطرية و الجائزة الإماراتية على سبيل الذكر أن يأتيه دوره في الحصول على ال”النوبل” العالمية ؟.. لم أجد أثراً لحدّ اليوم يتخذ كمرجعية في العالم الغربي و الأوروبي “جائزة كتارا” أو جائزة “البوكر”. عدا صفحة ويكيبيدية (موازية) أُنشئت على الشبكة العنكبوتية لدعم – وَهْم- عالمية (بوكر) وراءه نظام الإماراتيين مثلا، و الذين على ما يبدو أنهم دفعوا الكثير من المال، للحصول على-الإذن- أو الترخيص لِاستعمال هذه الفكرة-النسخة الإيهامية -الترويجية- في العالم العربي من قبل مؤسسة Booker Prize الأم الحقيقية البريطانية. دعوني أخبركم بأفظع من هذه الحقيقة الموجعة و الواقع المرّ و بمدى سذاجة و درجة (التوهّمات) التي أُصيبت بها النخب العربية، ضارباً لكم مثلا في صرّح ثقافي كبير باسم العالم العربي. هذا الصّرح الموجود في أكبر عواصم العالم الغربي و الأوروبي، (المدينة الضوء Ville lumière )، ألا و هي مدينة (باريس) و يدعى هذا المبنى (معهد العالم العربي IMA).
وُلدَت فكرة “معهد العالم العربي” بفكرة جميلة و أنتهى بهيكل (مقوقع) مفرغ المحتوي، قشوري النشاط، مجهري الحضور:
“Il fallait un carrefour, il fallait l’Institut du monde arabe, un lieu pour se découvrir, pour se croiser, un lieu pour mieux se connaître, et même pour s’affronter…
-Edmonde Charles-Roux”
“كنا بحاجة إلى مفترق طرق، إلى معهد للعالم العربي، فضاء لاكتشاف بعضنا البعض، للالتقاء، و مكان للتعارف المشترك بشكل أفضل، و ربما لمُجادلة بعضنا البعض…” كتبت -إدموند شارل روEdmonde Charles-Roux” ذات مرة في أوجّ الحلم، و هي كاتبة و صحفية فرنسية ولدت في 17 في مثل هذا الشهر أفريل من عام 1920 في “نويي سور سين والمتوفية في 20 جانفي 2016 في مرسيليا.
**
شُيّد “معهد العالم العربي” لتحقيق أهداف فاضلة و نبيلة كبناء جسور التواصل من خلال تعزيز التعاون مع الجمعيات والمدارس والمؤسسات الثقافية الأوروبية الكبرى، مثل إشراك تفعيلي ل “الكوميديا الفرنسية Comédie-Française”، و كذلك “بوزارBozar” في (بروكسل-بلجيكا)، و “متحف اللوفرLouvre”، والبيت الأوروبي Maison européenne للتصوير الفوتوغرافي. إلا أنّ الكثيرين في داخل فرنسا و الأكثر داخل الرقعة العربية بما فيهم المثقفين يجهل وجود مؤسسة ضخمة كمعهد العالم العربي الذي كان من المفترض أن يكون واجهة و مرآة حقيقية ميدانيا للحركة الثقافية و الأدبية لمنتوج نخب (22) دولة عربية و نسف الهوة القائمة بين العالمين.
علماً كان من المقرر -في الأصل- تمويل هذه المؤسسة الخاصة، المُصنّفة في إطار خدمة المصلحة العامة، فبالتساوي تنشط تقريبًا بين فرنسا من خلال وزارة خارجيتها والدول العربية الـ 22 . يُعد معهد العالم العربي (IMA) نظرياً مؤسسة فريدة من نوعها، انبثقت عن اتفاقية دولية وُقعت عام 1980 بين فرنسا و22 دولة عربية. وكان الرئيس “فاليري جيسكار ديستان Valéry Giscard d’Estaing” أول من تصور إنشاء مثل هذا الصّرح أو المعهد لتخفيف أو لتلطيف التوترات آنذاك وتعزيز التعاون الإبداعي في أعقاب أزمة النفط الأولى. وسرعان ما قام الرئيس “فرانسوا ميترانFrançois Mitterrand “، في خريف عام 1981، بتوسيع المشروع بشكل كبير من خلال تأمين موقع على ضفاف نهر السين: قطعة أرض غير مستغلة سابقًا تابعة لحرم “جوسيو Jussieu” الجامعي. شلَلَية المعهد و سلبيته في المشهد في باريس و في أوروبا جعلته موضع ازدراء و نقمة و سخط و إحباط شديد كل من مرّ به من مثقفين و كتاب عرب(حقيقيين). هذا المعهد في قلب باريس مذ عقود ظلّ يُعاني السبات في ظل أنهار من (عسل) عقيم دون برهان، كيف لا و -الإبستيني- ، اليساري و الوزير الفرنسي السابق “جاك لانغJack Lang ” و المشرقية السورية “سلوى النعيميSalwa Al Neimi ” يشتغلان مؤثرين إعلاماً و إدارة كسؤولين عن هذا الصّرح الذي -كان من المفترض- أن يكون سفير (النشاط الإبداعي) العربي في عقر العالم الغربي، أسقطت قضايا “إبستين” “جاك لانغ” (المُكرّم من قبل حُكام آل بن زايد) من رئاسة (النُّصب التذكاري) لِ العالم العربي-باريس هذا العام(2026)، مما أُجبر على الاستقالة؛ و هذا “برهان الفشل!” الآخر و الشَّلَلية و العجز -العربي الجنسي- في عاصمة أوروبية. استحال هذا (المبنى) الذي تملكه الحكومة الفرنسية إلى مبنى (الرقص الشرقي، و هزّ الوسط الجسدي منه و الفكري ، بدلا من يكون قرصا شمسيا مشعّاً بألباب النتاج الفكري و الثقافي!) و ما زالت للأسف الشديد نخب الوطن العربي بذبابها الأزرق تعتقد أن جوائز القطريين و الإماراتيين (الشبيهة!)، هي (جوائز مرموقة و عالمية!) و ما هي إلا جوائز -تقْطير و تأْمير- عقيمة و الدليل على ذلك المبالغ السخية التي يسخرها أمراء و حكام هذه الدول لتسويق صور بلدانهم من خلال بيع (ألقاب وهمية!)للاهثين من نخب البلاد العربية الواسعة البلادة!.
تتحمّل -إلى جانب أشباه المثقفين- وسائل الإعلام العربية مسؤولية تكريس هذا -الواقع الشبيه- بتصنيف هكذا جوائز محلّية، إقليمية، و جهوية كَ(جوائز عالمية)، لإنّ هكذا وسائل هجينة منطق السوشيال ميديا لتُصبح جزءً من (اللعبة في خلط الأوراق، و قلب القيم!) و الخراب السياسي و الثقافي الحاصلين في الوطن العربي.
-في الفقرات الموالية سأُبيّن لكم و سأعرّفكم على تقنية دويلات (الإمارات المتحدة) في بيع أو التسويق لِفرض (الشبيه) على أساس أنه (الأصل، أو الأصيل!).
**
-في صحيفة “لوموند Le Monde”، نشرت “كليمُونتين غولدزال Clémentine Goldszal, في 30 ماي 2022 مقالاً يستدعي التأمّل بعنوان: “نظام الإمارات العربية المتحدة يتستر خلف -ورنيش أدبي- Emirats arabes unis, le régime s’offre un vernis littéraire”. “كليمونتين” هي كاتبة و صحفية حرة إبنة فرنسا، بلد الرئيس “نيكولا ساركوزي” حين لم يتردّد جهاز العدالة المستقل في سجنه عندما ثبتت عليه تهم (الفساد!). تستهلُّ تقريرها فتكتب /ككل عام، من شهر ماي، تُمنح “جائزة الشيخ زايد للكتاب”، و التي يُقدمها بسخاء -مركز أبوظبي- للغة العربية، لفائدة المؤلفين، -ولا سيما الكاتبات-. إنّها أداة من أدوات “القوة الناعمةsoft power” إلا أنها تُخفي نفاق و حقيقة -دولة قمعية للغاية- فيما يتعلق بالحريات الفردية وحقوق المرأة.
– وسواءً كان المرء فيها مهتماً بكرة القدم أو بالسينما أو بالفن أو بالأدب، فقد بات من الصعب في السنوات الأخيرة تجاهل محاولات -النفوذ المتزايد للشرق الأوسط على الثقافة الشعبية العالمية.” (…) الإمارات العربية المتحدة، وهي دولة اتحادية فتية تأسست عام 1971. تجذب- دبي معتمدة على جيل المؤثرين -في العوالم الافتراضية-الذين يُشيدون و -يبشّرون- بمزاياها أمام -هشاشة-الملايين من متابعيهم على وسائل (التنَاصُل* الاجتماعي الافتراضية)، و تمتلك “أبوظبي” صروحا مُقلّدة ، أو شبيهة كَ متحف (اللوفر) المُقلّد عن الأصل و كذلك جامعة (السوربونSorbonne) الشبيهة بالأصل الباريسية، و كذلك -جائزتها الأدبية الملحقة بالجامعة ذاتها-. كما تهدف جائزة الشيخ زايد / للكتاب، Sheikh Zayed Book Award ، Prix littéraire Cheikh Zayed، التي أُنشئت عام 2006 (نسبةً إلى مؤسس الاتحاد الإماراتي الذي وافته المنية عام 2004)، ناهيك إلى “تسليط الضوء على أبرز الشخصيات في الأدب والثقافة العربية”، كما أوضح الأمين العام للجائزة، الدكتور “علي بن تميم Ali Ben Tamim” ، من خلال رسالة بريد إلكترونية تسويقية.: “نؤمن إيمانًا راسخًا بقيمة تبادل المعرفة بين الثقافات، وتعزيز الحوار بين الثقافات، وتبادل وجهات النظر حول العالم”. وفي شهر ماي من كل عام، علما، و في رحاب “متحف اللوفر أبوظبي”، تُمنح تسع جوائز لكتاب في فئات متنوعة (الأدب، والشباب، والثقافة العربية بلغات أخرى، والنقد الأدبي والفني، وغيرها)، بالإضافة إلى جائزة “الشخصية الثقافية للعام”.
-لكن إلى غاية هذا الانحطاط المستشري مع الفساد، فهناك في هذا العالم نخب مقاومة لما ذكرت، ممن لا يُشترى و لا تغريه أموال الدنيا لبيع مبادئه و لا ضميره الأخلاقي و الفكري. مثقفون حقيقيون حقاًّ و إن قلّوا في هذا الزمان فهم موجودون، كالفيلسوف الألماني “يورغن هابرماس Jürgen Habermas” الذي ركَل إغراء الإمارات العربية المتحدة اتقاءً للشبهة و صونا لصورته الثقافية العالمية دون أي جائزة حقيقية أو شبيهة (عكس معظم أشباه المثقفين العرب اللاهثين وراء عطايا آل بن زايد!). هذه المؤسسة التي حاولت أن ترشي ذمّته و فكره الحر المستقل، لتستعمل اسمه في دعاية الإماراتيين، فراح يهينها بطريقته (كما فعل جون بول سارتر مع مؤسسة نوبل) و دون تردد بدوره أخبر -أُمراء المُسابقة- برفضه القاطع لجائزة -مشبوهة- و التي تمنحها مؤسسة “الشيخ زايد الأدبية” لتتدارك -ما هو ناقص من تاريخهم- حيث أعربت من خلال هيئتها هذه عن أسفها لهذا القرار. و صرّح الفيلسوف الألماني بأن قبول هذه -الجائزة- أو المنحة المالية البالغة مليون درهم (حوالي 226 ألف يورو!) يُعتبر “قرارًا خاطئًا”. الفيلسوف الألماني الشهير “يورغن هابرماس” الذي منحته الإمارات لقب “الشخصية الثقافية للعام” والمنحة المالية المصاحبة له، ووفقًا لبيان أرسلته دار النشر “سوركامب” إلى مجلة “دير شبيغلDer Spiegel” الألمانية الأسبوعية، صرّح “يورغن هابرماس” بأن قبول الجائزة والمنحة المالية البالغة مليون درهم (حوالي 226 ألف يورو) يعدّ “قرارًا خاطئًا” وأنه “يوصد هذا الباب”.
مضيفاً بأنه: “لم يكن يدري أو لم يبلّغ من قبل بالصلة الوثيقة بين “المؤسسة المانحة للجائزة” في أبوظبي “والنظام السياسي للإمارات”، في إشارة إلى اتحاد الإمارات السبع”. و عقّبت مؤسسة جائزة الشيخ زايد العالمية للآداب في بيان لها مبدية : “أسفها لقرار السيد يورغن هابرماس (…) لكنها تحترمه!”. وتتعرض دولة الإمارات العربية المتحدة، هذه الدولة الخليجية الثرية، إلى اتهامات متكررة من قبل منظمات غير حكومية بانتهاكات صارخة في مجال حقوق الإنسان، والعداء لحرية التعبير، وعدم التسامح مع أي معارضة سياسية.” ختمت صحيفة (عشرون دقيقة20minutes) الفرنسية بتاريخ ٨ ماي ٢٠٢١ مقالها.
-مؤسف جدا لما يقترن الجشع، و تغييب العقل مع الثراء الفاحش! لأنه مازالت أنظمة بعض دول العرب للأسف بين كثبان الصحاري الخليجية -من باب مركبات النقص و الدونية- تتودّد باستمرار لأسيادها من الغرب و تغدق بسخاء عليهم “شيكاتا على بياض”، لتلميع سِيَرهم، و تصنيع مصداقية تتبع صورهم؛ إلى أن صار البعض من الغرب يرمي على وجوههم رادّاً شيكاتهم، بسبب انزعاجه من هذا السّخاء الإماراتي المُريب!…
-*و بينما في ١٣ من هذا الشهر (أفريل) تحدث بصراحة و بصرامة في خطابه الرئيس الجزائري “ع.م. تبّون” -حفيد جميع القدّيسين- بمناسبة استقبال الجزائر للبابا “ليو 14” الذي حجّ إلى أرضها الطيبة، و مذكرا بضرورة إنصاف الشعب الفلسطيني و توقيف عمليات إبادة أهل غزة و بضرورة نيل الشعب الفلسطيني حقّ تقرير مصيره داخل دولة فلسطينية مستقلة و سيّدة احتراما للمواثيق الدولية؛ فلن أُصدم أبداً إذا سقطت علينا أخبارا عن هيئات و سلطات الجوائز الإماراتية لشراء شهادات -حسن سيرة- مفادها أنّهم منحوا “جائزة الشيخ زايد العالمية للسلام” إلى مُستعبدهم الأمريكي المارق “دونالد ترامب”، و “جائزة الشيخ زايد العالمية للنّوايا الحسنة في تدمير غزة” يخصون بها حليفهم و صديقهم الصهيوني “بنيامين نتنياهو”!.
-كما ذكرته في ملف (الجوائز) الشامل الدقة في تفاصيله و الكبير في وقائعه حول شُبهات -استعمال- الأدب و المشاريع الثقافية و النخب المنتمية و المنخرطة لِ التأثير على الرأي العام بتبني إيديولوجيات و أفكار يُراد بها -اختراق المجتمعات المقاومة أي -المحافظة- و المتجانسة- لقلب القيم و تكريس فكر (المدرسة الانحطاطية Décadentisme).
-و كذلك تفصيلي في ملف (الهوية الجزائرية العظمى) حول محور الصّراع(المشرق-غربي) من خلال أنظمة و مؤسسات لكسب رهان و معركة -الغزو الثقافي- في المغرب العربي و تحديدا في الجزائر. و علاقة هكذا صراع (خليج-أوروبي) بحقيقة (جوائز مشبوهة!) جُعلت كأدوات تأثيرية لتحريف الوعي و تشويه عناصر (هويات موروثة) مذ القدم، فالسباق نحو(التسلّخْ!) بين المدّ العروبي الليبيرالي الوافد من الخليج و المشرق ضد المدّ و النفوذ التغريبي، الفرونكوفوني لم ينته بعد.(ل.خ).
« Comme je l’ai également détaillé dans le dossier « La Grandeur de Identité Algérienne », concernant le conflit Est-Ouest, (Occident-Orient) instrumentalisé par des systèmes et des institutions pour remporter la bataille de l’invasion culturelle au Maghreb, et plus particulièrement en Algérie, et le lien entre ce conflit (Golfe-Europe occidentale) et la réalité de ces « prix littéraires douteux » utilisés depuis très longtemps comme outils de propagande, de manipulation des consciences afin d’y arriver à la déformation des identités authentiques, qui luttent entre le courant libéral arabe du Golfe et du Levant et le courant et l’influence de l’occidentalisation, notamment francophone, est loin d’être terminée. »(L.Khelfaoui).
-أذكر على سبيل المثل في عام 2012, حيث أثار الكاتب الجزائري المثير للجدل “بوعلام صنصال Boualem Sansal، المعروف ب(بيدق الفكر الإسرائيلفرنسي pion idéologique de la pensée israélo-française )، و الحائز على الجائزة (الإسرائيلية) غضبت بعض الجهات الراعية، من مجلس “السفراء العرب”… – علماً أن “بوعلام صنصال” سافر إلى إسرائيل في الفترة من 13 إلى 17 ماي2012. وحضر الكاتب كضيف شرف مبجّل في الدورة الثالثة من المهرجان* وفق (وكالة فرانس برسAFP). (*تكريماً لكرهه الشديد للثقافة العربية، و للغة العربية و للإسلام الذي كرّسها في بلاده من خلال الفتح الإسلامي لبلاده و الذي نفى حقّ الوجود السيّد للفلسطينيين و نفى نصيبا مهما من الجغرافية الجزائرية و تصدّق بها افتراضا على أرض أجداده الأوائل في (المغرب الأقصى!)، و نفى نصيبا من تاريخ الأمة الجزائرية، معتبرا أن المملكة المغربية هي الدولة الوحيدة في المغرب العربي التي تمتلك تاريخا عريقا و مهما!.)/(ل.خ).
« L’écrivain BS a assisté à la troisième édition du festival (à Israël) en tant qu’invité d’honneur, selon l’AFP. (*En reconnaissance de sa haine intense envers la culture arabe, la langue arabe et l’islam, qu’il a instaurée dans son pays par la conquête islamique de ses terres, et qui a nié le droit des Palestiniens à exister en tant qu’État souverain, a nié une partie importante du territoire algérien et l’a soi-disant léguée à ses ancêtres (à l’extrême ouest maghrébin/ Maroc !), et a nié une partie de l’histoire de la nation algérienne, considérant le royaume du Maroc comme le seul pays du Maghreb possédant une histoire lointaine et importante !).(L.Khelfaoui).
ووفقًا لموقع “لوريان لو جورl’orient-Le-jour-الشرق- اليوم ” الناطقة بالفرنسية، يصوّر (المسخ العميل) أو الكاتب المرتزق (بوعلام) بافتراء مغرض و تشويه ايديولوجي كبيرين للهوية في روايته “شارع داروينRue Darwin”، التي نُشرت في أوت2011، الجزائريين بصفتهم ممزّقين بين وطنهم الأصلي الجزائر وفرنسا المحبوبة و المرغوبة التي لا تزال عالقة في أذهانهم و وجدانهم . وقد حاول أن يفتن كل من يقرأ له بإضفاء لمسة شيطانية من الرقة والفكاهة-أراد بها باطلا- على هذه الصورة المُصنّعة لأزمة الهوية التي ولّدت حسب رأيه -فوضى سياسية واجتماعية-.
أُذكّر أن العديد من كتابات “صنصال” ممنوعة في الجزائر. و تقول مصادر إعلامية صديقة للكاتب :فاز الكاتب بجائزة الرواية العلمية الناطقة بالعربية، و المترجمة إلى الفرنسية(أنشأها الفرنسيون)، أنه يناضل من أجل حرية التعبير والثقافة و حرية الأديان و المعتقدات في الجزائر، كما نال (بيدق أعداء الهوية العربية و الجزائرية) جائزة “السلام” في معرض فرانكفورت للكتاب Prix Roman-News في أكتوبر، في إطار جائزة ” رومان نيوز” في 29 ماي.
**
-و يكمن جوهر الجدل حول بيدق فرنسا و إسرائيل “الكاتب بوعلام صنصال”، الفائز بجائزة عام 2012، عن كتابه “شارع داروين” (دار غاليمار للنشرDarwin” (Gallimard)، الممنوحة من قبل مؤسسة و لجنة التحكيم التابعة لِغاليمار للنشر. و فوزه هذا رغم الانبطاح العربي على مستوى الحكام و الأنظمة العميلة لم يلقَ استحسان معظم الشركاء لمنظمي الجائزة ورعاتها، كمجلس السفراء العرب، بسبب تواجده في الأراضي المغتصبة بدعوة من قبل الكيان المحتل إسرائيل. وكان من المقرر أن يتسلم بوعلام صنصال جائزته-البسيطة ماديا- البالغة قيمتها 15 ألف يورو في السادس من جوان للعام المذكور في فضاءات -هيكل دون روح- ألا و هو مبنى “معهد العالم العربي” المستغلّ كواجهة شللية النخب العربية و العبث باسم الأدب و التراث الثقافي العربيين، إلا أنّ مجلس السفراء ذلكَ لحفظ ما تبقّى من (بول النّوق على وجوههم!)ألغى الحفل “تنديدا سياقيا بعد الأحداث الجارية في المنطقة العربية”.
-هكذا كان رد فعل بعض من الدبلوماسيين العرب حول مشاركة سفير السلام لفرنسا و إسرائيل “بوعلام صنصال” في مهرجان “القدس الدولي للكتاب” في ماي 2012. وكانت حركة حماس الفلسطينية قد وصفت جهات مقاومة و مناضلة فلسطينية الكاتب في إسرائيل في بيان لها بأنه “عمل خيانة”. بينما تصرّفت بمفردها دار غاليمار للنشر الفرنسية، لتجنيب الجائزة إضعافا لمصداقيتها و تدنيسا و تشكيكا أكبر و ذلك بالتمسّك باستضافة الفائز بحضور لجنة التحكيم في 21 جوان 2012، حسب تصريحها لوكالة “فرانس برس: “و نأى أعضاء لجنة التحكيم بأنفسهم و استغنوا عن مجلس السفراء العرب المحتجّين، للحفاظ على إرادة اختيارهم للفائز صنصال بالجائزة”.
و أنّ الحفل نظم بالتعاون مع إذاعة فرنسا، بمبادرة من رئيسها “جون لوك هيسJean-Luc Hees”، و بثّ على محطات المجموعة الإعلامية الإذاعية. وقال “أولييفي بوار دارفور Olivier Poivre d’Arvor” مدير قناة (فرنسا-ثقافةFrance Culture “. أعتقد أن إذاعة فرنسا ستواصل دعم هذه الجائزة”. أمّا الكاتب المغربي “طاهر بن جلونTahar Ben Jelloun”، أحد أعضاء لجنة التحكيم المهمّين: “رغم سحب مجلس السفراء العرب رعايته، إلاّ الجائزة باقية و ستمنح على أي حال؛ وسنبحث عن راعٍ جديد”. (*فعلا، ما أكثر الرعاة في الوطن العربي، إذهبوا مثلا إلى أنظمة دويلات الإمارات، و اختاروا من زرائبهم ما شئتم من البهائم و الرعاع و الجوائز السخية أيضا!.)
-“Tahar Ben Jelloun, membre éminent du jury, a déclaré : « Malgré le retrait du parrainage du Conseil des ambassadeurs arabes, le prix sera tout de même décerné ; nous allons simplement rechercher un nouveau sponsor. » (Il est vrai que les sponsors ne manquent pas dans le monde arabe. Il suffit d’aller chercher chez les régimes des Émirats, par exemple, et de choisir parmi leurs écuries ce que l’on veut : bétail, -foule-Bergère*- et prix littéraires généreux et somptueux” !-L.K).
**
-أما منصّة “موند أفريك-عالم أفريقيا/ Mondafrique” الإعلامي، فقد اتخذ منحىً تحليليا مختلفاً في تناوله ملف الفساد داخل نظام بوتفليقة(البائد)، وذلك من خلال تحقيق خاص بعنوان يشي بكل شيء: “الإمارات العربية المتحدة، الخزنة المُصفّحة للسلطة الجزائرية “Les Emirats arabes unis, le coffre fort du pouvoir algérien”، كتب الملف “نيكولا بوNicolas Beau”، بتاريخ 22 مارس2019. فيسرد / تستغل الإمارات، من خلال علاقاتها العُصَب الحاكمة في الجزائر، نفوذها النفطي، وتعمل سراً على تعزيزإقامة نظام قوي في الجزائر، على غرار النظام المصري.
وباعتبارها حليفاً رئيسياً للنظام السعودي، و صديقا محاورا مفضلاً لإدارة ترامب في الشرق الأوسط، انتهجت الإمارات العربية المتحدة، في السنوات الأخيرة، دبلوماسية شديدة العدوانية لكن بتكتّم كبير في الكواليس، و أبقت عدوانيتها تلك في طي الكتمان. ويتناقض هذا التكتم المعهود للإمارات تناقضاً صارخاً مع الاستراتيجية الإعلامية لمنافستها دولة قطر، التي أعلنت، خلال الربيع العربي مثلا، عن خياراتها الدبلوماسية جهاراً نهارا، سواء أكانت صائبة أم خاطئة.
-تُعدّ الإمارات مصدراً رئيسياً للضغط بالأموال من خلال (السيولة الفورية!)؛ فقد رأينا ولي العهد السعودي ووزير الدفاع، محمد بن زايد آل نهيان، الملقب بـ”MBZ”، يمارس نفوذه و تدخّله في شؤون مصر الداخلية عندما دعمت الإمارات انقلاب المشير “السيسي” عام 2013، وفي ليبيا، حيث لا يستطيع المشير المدعو “حفتر” رفض أي طلب له(فهل تطاولات ذلك النكرة حفتر ليبيا على الجزائر منذ سنوات قليلة و استفزازاته الصبيانية اللاعقلانية كان بتشجيع من نفخوه لكي يثير الفتنة على الحدود الجزائرية الليبية؟) . كما نشطت الدبلوماسية الإماراتية بشكل ملحوظ في تونس، حيث خططت لإنهاء العملية الديمقراطية التي بدأت برحيل الرئيس بن علي عام 2011. وللإمارات حضورها أيضاً في السودان، و في موريتانيا، حيث يتقبل الرئيس عزيز بسهولة تدخلاتها و مساعيها ومساعداتها!. وفي الحرب الدامية في اليمن، تدخّلت القوات الإماراتية بوحشية لا مثيل لها، مما أدى إلى مقاضاة “MBZ” في باريس بتهمة “التواطؤ في جرائم حرب” من قبل ستة مواطنين يمنيين. وبعد أن أصبحت الإمارات آلةً جبارة لغسيل الأموال و تبيضها، دأبت هذه الدويلات (الأَمَّارات بالسُّوء!) الغنية بالنفط في السنوات الخوالي على الترحيب بالحسابات السرية للعديد من قادة العالم العربي والمغربي والأفريقي، و كذلك بعض الفاسدين من الدول الغربية المهتمون في تبييض الأموال، والمودعة في بنوكها في دبي وأبوظبي. و على سبيل المثال و بفضل علاقاتهم الوثيقة مع (آل بوتفليقة و قيادة أركان الجيش في ذلك الزمن البائد)، لعبَ الإماراتيون (من خلال نظامهم المالك) دورًا غامضًا في الجزائر وقتها(و كاد أن يكون دورها حاسماً!). هدف هذه المملكة الرجعية الوحيد هو -قمع الحراك الشعبي الجزائري والسعي نحو إقامة نظام استبدادي في الجزائر، على نموذج نظام “السيسي” في مصر. كما جاء في تغريدة، تُعدّ بمثابة اعتراف ضمني: “الإماراتيون يسقطون، وآل بوتفليقة يسقطون أيضًا”. “احذروا الشياطين الثلاثة: فرنسا، والسعودية، والإماراتيين، فهم الأخطر « Les Emiratis tombent, les Boutef tombent aussi ». « Attention aux trois diables: la France, les Séoudiens et les Emiratis, les plus sournois »”. “نقول للإمارات: لا تركبوا الموجة”. لا ينخدع المتظاهرون الذين يخرجون في مسيرات حاشدة كل يوم جمعة في المدن الجزائرية الرئيسية بالصفقات المشبوهة لـ”إخوانهم الشياطين” الخليجيين. فترفع لافتات عديدة تندد بنفوذ الإماراتيين الضار، وميلهم للفساد، وتحالفهم مع معسكر بوتفليقة. من قال أن الشارع الجزائري غير واعٍ!.
**
-قبل أيام(من تلك الأحداث و تزامنا مع الموجات المليونية الحراكية الجزائرية)، كشفت سلسلة تبادل تغريدات بين اثنين من المستشارين النافذين في الدول النفطية عن النوايا الخفية للحكومة الإماراتية. تركي الحماد Turki Al Hammad، الذراع اليمنى لرئيس الوزراء السعودي محمد بن سلمان، المعروف اختصارًا بـ”MBS”، أكاديمي مشهور في شبه الجزيرة العربية بانفتاحه الفكري. و ذلك في أعقاب مظاهرات 8 مارس في الجزائر والإعلانات التي تلتها، أبدى هذا المثقف الليبرالي -إعجابه بالحضور النسائي- والدور المحوري للمرأة في الحراك الجزائري!. ويتجلى ذلك في تغريدته آنذاك: “انسحاب بوفليقة خطوة بناءة، لكن هل سيحذو الجيش حذوه؟ هذا هو السؤال الأهم”. وقد دفع هذا عبد الخالق عبد الله Abdel Khaleq Abdellah، أحد كبار مستشاري ولي العهد الإماراتي “محمد بن زايد”، إلى الرد فورًا: “لن ينسحب الجيش؛ استقرار الجزائر هو الأهم. ليس هذا وقت الانسحاب العسكري « L’armée ne partira pas, seule compte la stabilité de l’Algérie. Ce n’est pas le moment pour un retrait des militaires ».”.
**
هذا اعترافٌ هام. حيث كان نظام الإمارات وقتها يثق في قدرة قائد الأركان “القايد صالح” على كبح جماح الغضب الشعبي. وليس من قبيل المصادفة أنه عند عودته السريعة من الإمارات خلال أولى الاحتجاجات الشعبية في الجزائر، حذّر رئيس الأركان المتظاهرين، بنبرةٍ حازمة، من مخاطر الاضطرابات، (وأعلن دعمه الصريح للمعسكر الرئاسي).
-و أثار تبادل هذه التغريدات “الافتراضية” على الشبكة بين شخصيتين بارزتين في شبه الجزيرة العربية موجة من التغريدات الأخرى. كما تضاربت الآراء بين مؤيدي ومعارضي تدخل الإماراتيين وحلفائهم السعوديين في الشؤون الداخلية للدول العربية. وقتها ندّد معارضون مصريون وأتراك ومغاربة وموريتانيين صراحةً بتدخل “الإمارات” في الأزمة الجزائرية. وظل الاعتراف بتدخل الإمارات في السياسة الداخلية الجزائرية موضوعًا بالغ الأهمية، إلى غاية اختفاء كلّ من التغريدتين اللتين أشعلتا فتيل الجدل في عوالم الافتراض .
*كيف نشأت العلاقة الوثيقة بين بوتفليقة وآل بن زايد؟:
-(لمّا ترك “بوتفليقة” الجزائر مُنزلا، مُداناً و غير محمود، فاقداً لمصداقيته قبل فقدانه لبرنوس هواري بومدين ، و عندما لفظته اللجنة المركزية و الحزب و النظام ككلّ بسب سقوطه في فتنة المال و حذو سبيل الفساد و تبديد أموال خزينة الدولة، لم يتوقّع عاقلا لحظة أن اللصوص قد يعودون يوما و يصبحون يوما رؤساء دول و يعيدون الكرّة؛ كلّ شيء قابل أن يُكرّر إلا الشهداء فهم غير قابلين للتكرير .. كم أتمنى أن يعودوا ليروا بأمّ أعينهم ما الذي حدث!.)/(ل.خ).
“Lorsque Bouteflika quitta l’Algérie, condamné et déshonoré, ayant perdu toute crédibilité avant même d’avoir perdu le burnous de Houari Boumediene, et lorsque le Comité central, le parti et le régime tout entier le rejetèrent pour être tombé dans le piège de l’argent, avoir emprunté la voie de la corruption et dilapidé une partie des fonds de l’État, nul ne pouvait imaginer un seul instant que -les voleurs puissent un jour revenir-, et devenir chefs d’État et réitérer leurs méfaits. Il paraît dans mon pays, que -Tout- est répétable, sauf les martyrs, car eux, ils ne sont pas reproductibles, ou -ressuscitables- … Que je souhaiterais qu’ils reviennent un jour, pour voir de leurs propres yeux ce qui s’est passé !”.(L.Khelfaoui).
-إذن كانت العلاقات الوثيقة بين عبد العزيز بوتفليقة وآل بن زايد من الأمور البديهة و المعروفة للجميع. بدأت تحديداً في ثمانينيات القرن الماضي، حين رحّب الإماراتيون ب(الرئيس الجزائري المستقبلي)!.
-فخلال أولى سنواته عندهم، قدّموا له الدعم المالي الكافي للتغلّب على متطلّبات خواتم يومياته المعيشية و الشخصية، مقابل عبقرية نصائحه و استشاراته الديبلوماسية الذهبية، “لقد كان الديبلوماسي العالمي الشهير عبد العزيز بوتفليقة -عرّاب- و مُعلّم و مرشدٍ لمؤسس الإمارات الفتية “الشيخ زايد” الطموح و مُلقنه “أُسس و أخلاقيات” العمل السياسي و الديبلوماسي و قواعد الجيوسياسة ؛ عندما كان بوتفليقة من خلال جزائريته يلقبه كبار العالم في سبعينيات القرن الماضي بِ(بطل الحوار شمال-جنوب).”(ل.خ)
“Le diplomate de renommée mondiale Abdelaziz Bouteflika fut le parrain, le professeur et le mentor du fondateur ambitieux des jeunes Émirats, le cheikh Zayed, et celui qui lui enseigna les « fondements et l’éthique » du travail politique et diplomatique ainsi que les règles de la géopolitique ; lorsque Bouteflika, à travers son -algérienneté-, fut appelé par les dirigeants du monde dans les années soixante-dix du siècle dernier comme le (champion du dialogue Nord-Sud).L.Khelfaoui.
إلى أن عادَ إلى الجزائر و وُهِبَ السلطة عام 1999 (على طبقٍ من ريبْ!)، طبعاً لم ينسَ بوتفليقة (لا عُقِدَ الماضي) و لا دعم الإماراتيين له لمّا تخلّى عنه الجميع بسبب انحرافه الأخلاقي و خيانة الأمانة، و لمّا أُخرج من الباب الضيق من قبل الحزب و النظام ككل. ديبلوماسيا، مذ (العهدة الأولى التي كِيدَ أن يُحوّلوها إلى أبدية، أي الحكم مدى الحياة)، حافظ الرئيس عبد العزيز بوتفليقة على قدر من الاستقلالية عن دول البيترودولار. و لطالما رفض الرئيس الجزائري الانحياز إلى أحد منافسيه في الخليج، وعلى الرغم من علاقته التاريخية الوثيقة بآل بن زايد، إلا أنّه استطاع الحفاظ على علاقاته الودية مع دولة قطر. و مع جيرانه الأشقاء في ليبيا وتونس، كما فضّلت الجزائر حلولاً وسطية، معتدلة مع جماعة الإخوان المسلمين، على عكس موقف الإمارات الاستئصالي و المتطرف. إلا أنّ في الأعمال و الشؤون الصناعية والمالية، فلم يُطبّق بوتفليقة هذا النهج الحذر. و يعود الفضل في (الوجود أو التقارب الإماراتي) في الجزائر إلى وصول بوتفليقة إلى سدّة الحكم عام 1999. فقد مُنح الإماراتيون، الذين يتبعون استراتيجية ثابتة في الاستحواذ على مرافق الموانئ حول العالم، عقد إدارة ميناء الجزائر في وقت قياسي، على الرغم من كونه قطاعًا استراتيجيًا لإدارة التدفقات التجارية، وكونه لفترة طويلة حكرًا على جهاز المخابرات السابق (DRS). لاحقًا، عهد النظام البوتفليقي بمعظم سوق التبغ إلى مجموعة “سرايمSraem” الإماراتية، المرؤوس من قبل الشيخ “محمد الشيبانMohamed Al-Cheebane”، و هو شخصية مقرّبة من محمد بن زايدMBZ. ويحظى هذا الرجل بمكانة مرموقة في الجزائر، ويقيم في “جناح ملكي suite royale ” بفندق شيراتون Sheraton طوال العام، حيث يستضيف فيه ما شاء الكثير من علاقاته و أدعيائه!.
**
و دائما وفقا لمصادر موقع “موند أفريكMondafrique”، أنشأت شركة سوناطراك الجزائرية العملاقة للغاز بنكًا في الإمارات عام 2008. وتم في الوهلة الأولى تخصيص رأس مال قدره ملياري دولارdeux milliards de dollars، (تبددا لاحقًا بين الكُثبان!)، و أُتُّضِحَ على ما يبدو أنه مجرد هيكل فارغ، كان صرحاً من أوهام!. في البدء، كان من المفترض و بلا شك أن هذه الأموال خُصّصت لمساعدة الإمارات على تجاوز أزمة العقارات الحادة التي عصفت بها خلال تلك السنوات. و لم تكن تقتصر العلاقات في أبوظبي على عصابة بوتفليقة و مُقرّبيه فحسب، بل حظيَ قائد الجيش الجزائري، القايد صالح Gaïd Salah، وبناءً على طلب و دعم رئيس الدولة بوتفليقة، فأُقيم تعاون عسكري بين البلدين عام 2012. وانخرط “اتحاد الإمارات” الغني بالنفط في مشروع تعاون بين الجيش الوطني الشعبي ومجموعة مرسيدس-بنزMercedes Benz الألمانية لإنتاج مركبات “نمرNIMR” المدرعة. وبذلك، أبرمت “مجموعة توازن الإماراتية Groupe Emirati Tawazun” اتفاقية مع مجموعة تطوير الصناعات الميكانيكية (إبيك-جبيمEpic-Gpim) التابعة لوزارة الدفاع الجزائرية.
**
إلا أنّ هذا الاتفاق لم ينسجم مع التطلعات و التوجهات الاستراتيجية للجيش الوطني الشعبي الجزائري تجاه الصناعات العسكرية الألمانية، التي كانت حريصة على توسيع التعاون ليشمل مجالات تكميلية أخرى، ولا سيما البحرية. ولم يجرؤ -يضيف تقرير الصحيفة – أي ضابط رفيع المستوى على الاعتراض على المراسيم الرئاسية التي تُهدد المصالح الاستراتيجية والدفاعية. وفي أعقاب هذه الترتيبات الصناعية البسيطة، أصبحت البنوك الإماراتية ملاذاً آمناً لمدخرات لعدد من (الأوليغاركيين الجزائريين oligarques algériens)”، تُقدر بمئات الملايين من الدولارات. و سُجّل ارتباط متردد لرجل الأعمال و صديق مقرّب من العصابة “علي حداد Ali Haddad، (الذي كان ) رئيس اتحاد أصحاب العمل، والأهم من ذلك، مصدر دخل عائلة بوتفليقة، والأخوان “كونينف frères Kouninef، الحلفاء الأكثر ولاءً لشقيق الرئيس، “سعيد بوتفليقةSaid Bouteflika “. ومن الجدير بالذكر أيضاً أن بعضا من عائلة رئيس الأركان، القايد صالح، ومقربيه، بمن فيهم حفيده عادل Adel، قد استقروا أيضاً في هذا الملاذ (أو الجِنان الضريبية paradis fiscal) النموذجية. -قد تكون ساعدت- هذه الروابط المالية المبهمة المنسوجة في دبي وأبو ظبي في تفسير “الواجهة الموحّدة l’unité de façade”التي كانت موجودة منذ بداية الحراك الشعبي في الجزائر، بين عصبة بوتفليقة و قائد أركان الجيش الجزائري، القايد صالح.
**
*خيار “عملية الأيدي النظيفة” كرّسه القائد صالح الحكيم الذي أنقذ شرفه و دعّم موقع و دور الجيش الوطني كحامٍ حصري للبلد و لإرادة الشعب و تطبيق الدستور أدخله مجددا التاريخ.
-لا أدري مالذي ألهم قائد الأركان في أصعب لحظات الفتنة و أحلك الظروف السياسية حتّى يهتدي في آخر لحظة و يضمّ صوته إلى صوت الشعب الجزائري الرافض قطعا لمهزلة “ولاية خامسة” تحت وطء العصابة البوتفليقية.
“و هذا السؤال الأخطر: لا أدري ما الذي أخرص -في ذات الظرف-الصحافة الجزائرية برمتها و ما الذي جعلها تجبن و تخطئ في إثبات نفسها كنخبة قوية حيّة مسؤولة أمام التاريخ و الشعب. بدلا من أخذها جماعيا موقفا مشرفا و شجاعا و الاحتكام إلى ضميرها الأخلاقي و المهني، راحت تلبس لباس العار و الخذلان و تركت الشعب – بشبابه يتحرّك بنفسه- لا صوت له!-في الشارع طيلة أيام و أيام قبل أن يتجرّأ (القايد صالح) و يتشجّع للإنضمام إلى صوت الأمة النابض و يضمّ صوته إلى صوت و مطالب الشارع؟!. إنّ الحراك لم يُسقط ورقة توته فحسب على رموز العصابة و الفساد بل فضح نخب الجزائر الإعلامية بقطاعها الخاص و العمومي. فباستثناء بعض أقلام “المهجر” الحرة أو الصحافة الأجنبية، و “الإعلام الافتراضي الموازي” وجد الجزائريون أنفسهم -مجردون- من منابر إعلامية تواكب الحدث أوّل بأوّل! القلة من أخيارهم فضّل (الاستقالة) من مراكز تحريرهم كأضعف الإيمان، بدلا الامتثال لأوامر أفراد العصابة لتضليل الرأي العام الجزائري. هؤلاء الذي يتشدقون بصفة الإعلاميين و الصحفيين سقطوا سقوطا حرّا فاضحاً و اتضح كأن الجزائر التي كانت معروفة عربيا و دوليا بتضحيات و بجرأة و شجاعة صحفييها أصبحت (يتيمة إعلامياً!). هذه المؤسسات الإعلامية لم تكن في الحقيقة إلى مرآة لفساد منظومة شاملة “بوتفليقية”، التي دجّنتها من خلال ضخ “المليارات” على مجمّعاتها و عناوينها الكثيرة شريطة تكريس “جمهورية بوتفليقة الموزية” (قنوات للصرف اللاّصحّي!) على حساب (رسالة الإعلام و الحق الدستوري لكل مواطن) في الحصول على المعلومة المؤكدة!. سلوك هذا الجيل من الإعلاميين (الذين ساهموا) في حملة التعتيم على مجريات الحراك الشعبي لم يكن فقط خيانة للشعب، و تضحياته بل خيانة لجيل “الطاهر جاووت، إسماعيل يفصح، عمر أورتيلان ) و عشرات منهم استشهدوا قضوا في “جحيم العشرية الدموية” لأنهم فضّلوا ألا يسكتوا في أداء أصواتهم -الإعلامية-! وا أسفي على هذا الجيل الذي ضيّع فرصة ركوب صهوة التاريخ بشرف كما فعلتها نخب “جيل التسعينيات دون أدنى الإمكانات المادية”!.
-الذي جعل من معظم عناوين و قنوات المنظومة الإعلامية الجزائرية منظومة صورية “مفضوحة، و وضيعة هو فعل “الحراك”، و سقوط (آل بوتفليقة) فاستيقظوا و مالوا ميلة واحدة و بدوا يشبهون “الصحفيين” الحقيقيين و خاضوا مع الخائضين لاستدراك ما فاتهم، إلا أنه فات الأوان، كونهم نسفوا ما تبقّى من مصداقيتهم(في هذه المرحلة التاريخية). هذا هو السبب الذي جعل كثير من الجزائريين يعزّي نفسه بالارتماء عمدا في حضن(الافتراض الأزرق و لو كَذِبَ) نكاية في نخبه الإعلامية و الثقافية أيضا التي خذلته في منعرج تاريخي حسّاس و حاسم كان بأمس الحاجة إليها.”)ل.خ).
“Et voici la question la plus grave : je ne sais pas ce qui a réduit au silence toute la presse algérienne, ce qui l’a rendue si lâche et incapable de se montrer forte, dynamique et responsable devant l’histoire et le peuple. Au lieu d’adopter collectivement une position honorable et courageuse, et d’écouter sa conscience morale et professionnelle, elle s’est drapée dans la honte et la trahison, laissant le peuple – et surtout sa jeunesse – descendre dans la rue en silence, pendant des jours, avant que Gaïd Salah n’ose enfin se joindre à la voix vibrante de la nation et ajouter la sienne aux revendications de la rue. Le mouvement Hirak a non seulement exposé les symboles du régime corrompu, mais a aussi mis à nu l’élite médiatique algérienne, tant dans le secteur privé que public. À l’exception de quelques voix libres en exil, de la presse étrangère et des “réseaux sociaux “, les Algériens se sont retrouvés privés de tout média susceptible de les tenir informés du déroulement des événements. Quelques-uns des meilleurs d’entre eux ont choisi de démissionner de leurs fonctions éditoriales, par respect, plutôt que de se soumettre aux ordres du régime corrompu visant à tromper l’opinion publique algérienne. Ceux qui se targuent d’être des professionnels des médias et des journalistes sont tombés dans une situation honteuse et déshonorante, et il est devenu évident que l’Algérie, jadis reconnue régionalement et internationalement pour les sacrifices, l’audace et le courage de ses journalistes, est devenue un orpheline des médias ! Ces institutions médiatiques n’étaient, en réalité, que le reflet de la corruption du régime Bouteflika, qui les a domptées en injectant des milliards dans leurs nombreux organes de presse et plateformes, à condition qu’elles perpétuent la « république bananière bouteflika » au détriment de la mission des médias et du droit constitutionnel de chaque citoyen à accéder à une information fiable. Le comportement de cette génération de professionnels des médias (qui ont contribué à) la censure du mouvement populaire fut non seulement une trahison du peuple et de ses sacrifices, mais aussi une trahison de la génération de Tahar Djaout, Ismail Yefsah, Omar Ourtilane et de dizaines d’autres qui ont péri dans l’enfer de la décennie sanglante pour avoir refusé de se taire dans leur mission journalistique! Que je plains cette génération qui a manqué l’occasion de surfer sur la vague de l’histoire avec honneur, comme l’a fait l’élite de la génération des années 90, malgré des ressources dérisoires ! Le mouvement Hirak et la chute du régime Bouteflika ont transformé la plupart des médias algériens en une façade honteuse et grotesque. Quand ils se sont réveillés, ont changé d’allégeance et ont commencé à ressembler à de véritables journalistes, rejoignant la mêlée pour sauver ce qu’ils avaient perdu. Mais il était trop tard, car ils avaient déjà détruit le peu de crédibilité qui leur restait. C’est pourquoi de nombreux Algériens se sont consolés en se jetant délibérément dans les bras de (pages bleues virtuelles, truffées de mensonges) mieux que de suivre leurs élites médiatiques et culturelles qui les ont laissés tomber à un moment historique sensible et crucial où ils avaient désespérément besoin d’elles.”(L.khelfaoui).
**
* « béni-oui-oui »/ yes-yes-man/آل نعم،نعم سيدي!:
-ذلك الموقف السلبي الملبوس بالعار الذي لعبته الأسرة الإعلامية، خاصة و عمومية و منظومة الأحزاب (إلا من رحم ربي من الأخيار في القطاع الإعلامي و الحزبي) أحالني إلى إحداث مقاربة مقارنتية مع مُصطلح تاريخي أحدثه الجزائريون و ألهم معاجم اللغة العالمية بما فيها معجم (لو بتي روبار الفرونكوفوني Petit Robert/ معجم “روبارت الصغير”. المصطلح الذي أُذكّر به قرائي هو (بني وي-وي-Béni Oui-Oui”، تعني (آل المطيع).
-إذن -بني وي-وي- béni-oui-oui تعني
بالإنجليزية حرفيا: yes-yes-man! و هو
شخصٌ مُطيعٌ يُوافق دائمًا، دون تفكيرٍ نقدي، على قرارات رؤسائه أو أصحاب السلطة. هذا التعبير الشائع والمُهين، والذي يُستخدم غالبًا بصيغة الجمع (المُطيعون)، يعود إلى فترة الاستعمار الفرنسي للجزائر للإشارة إلى المُتعاونين.
-كما ذكرت فإنّ هذا المصطلح يظهر في قاموس “بيتي روبرت ” بمعنى “شخص حريص دائمًا على الموافقة على مبادرات سلطة قائمة”، إلا أن معناه الشائع، “المطيع” (أو “الموافق دون احتراز”)، هو، وفقًا للمصادر المذكورة أعلاه والمقال الإنجليزي الذي أُخذ منه هذا التعريف، إذ يستعمل كمصطلح ازدرائي ظهر في الجزائر خلال الحقبة الاستعمارية للدلالة على المتعاونين المحليين الذين يخدمون المؤسسات الاستعمارية الفرنسية. و استخدمت الإدارة الفرنسية (بعض المسلمين على أرض الجزائر) كوسطاء لتنفيذ سياستها المحلية، ولا سيما من خلال انتخابهم في المجالس المحلية. و شغل هؤلاء الرجال مناصب قضاة (قضاة محليين وفقًا للشريعة الإسلامية)، أو جباة ضرائب، أو شيوخ قبائل. و اعتبرهم القوميون غير قادرين على اتخاذ مبادرات من أجل انتزاع الاستقلال من أيدي المستعمر.
-يكتب المنبر الفرونكوفوني(الثورة المستديمة Révolution permanente) بتاريخ 27 مارس 2019، ورقة هامة بعنوان:(“عجز” بوتفليقة « état d’empêchement » du chef de l’Etat: الجيش يُنصّب نفسه حكماً لإنقاذ النظام.حيث فعّل أحمد قايد صالح، رئيس أركان الجيش الجزائري، السيناريو الدستوري الذي ينص صراحة على “حالة العجز” لرئيس الدولة. الجنرال، الذي اعتاد أن يُذكّر الجميع بأنه “في خدمة المجاهد بوتفليقة حتى الموت”، يتخلى عن مُعسكر الرئاسية التي تفكك و تتهاوى أكثر فأكثر. وتحت ضغط الاحتجاجات الشعبية المتصاعدة، حاول الجنرال قائد صالح، أحد أقوى رجال النظام المرحَلِيين في الجزائر، القيام بمناورة جديدة لتدارك الأمور و إنقاذ النظام. استهلّ مقالهما كلّ من – “داميان برنارد ومنس شايب Damien Bernard et Mones Chaieb” /(الثورة الدائمة) / و الحديث عن :إخراج بوتفليقة من السلطة ، إذ أحدث الفريق أحمد قايد صالح منعطفاً حاسماً في الأزمة السياسية الجزائرية، لتفادي أي انزلاق. و أمام عدسات الكاميرات الوطنية، أصدر رئيس الأركان تعليماته للمجلس الدستوري بتفعيل المادة 102، التي تنص على “حالة العجز” الحالية لرئيس الدولة”. و الكلّ يعرف التداعيات الإجابية التي نتجت عن موقف وقفة (الجيش) سليل (شعبه). و لمّا قطعت الجزائر كدولة و كشعب و كمؤسسات “العشب الضارّ” من تحت أقدام قوى أجنبية، و داخلية (ذكرناها في الملف) تريد للجزائر السوء، و اللاستقرار.
فاستنادا إلى هكذا تفاصيل و محطات من تاريخنا الحديث بكلّ تحدّياته، و لِسُخرية الأقدار توفى -فجأة- أحمد قايد صالح -مُخلّفا فاجعة وطنية-على أثر نوبة قلبية في 23 ديسمبر 2019، أي بعد (4) أيام من تولّي “عبد المجيد تبون” رسميا رئاسة الجمهورية في 19 ديسمبر 2019، مات الرجل و استمرّت عهدة حياة بوتفليقة لعامين متتاليين، قبل أن يُعلن -رسميا- تاريخ 7 سبتمبر 2021 كيوم توقّف قلبه-بعد منظومته الدماغية، العصبية- هو الآخر في زرالدة و يُوارى التراب بمقبرة العالية! رحل (المجاهد، و القائد، و الصالح، و الجنرال معاً) يسكنه همّ البلد و القلق عليها؛ دون أن يشهد بعد بأمّ عينه تجسيد الخطوط العريضة لمشروع حلم (الجزائر الجديدة!)، رحل كالآخرين، و من الباقين من ينتظر و الجزائر كالعادة باقية واقفة ترعاها آية حكيمة بومدينية:(دولة، أو أمة لا تزول بزوال الرجال).
**
-خلال تجربتي البحثية و خوضي في هكذا حلقات تاريخية حديثة للجزائر و أنا أتناول بعض (رجال المراحل)، حاولت (بشكل مقاراناتي) فهم كلّ من عقلية و شخصية الرئيس الزعيم “هواري بومدين” بما يناظرها في شخص الرئيس الراحل “ليامين زروال”. فبومدين رجل مرحلة قوي و رمز من رموز الجزائر ، معروف بصرامته الموصوفة أحيانا من قبل خصومه و أعدائه السياسيين بالبطش، فغيرته على الجزائر فاقت كل المعايير..
-أسّس في فجر الاستقلال أسسا و رؤى و كانت غايته الوحيدة من ذلك جعل من الجزائر أمة قوية لا تزول بزوال الرجال. و فلسفته الشخصية كانت تقتضي منح نفسه السلطة المطلقة في القرارات، كان يرى هذا الأسلوب في الحكم السبيل الأمثل في بلوغ غاياته النبيلة و مشاريعه الكبرى السيادية. كان لا يتقبّل فكرة أن يُسلّم زمام الأمور الجزائرية لغيره، بحكم عدم ثقته بالمحيطين به. الحكم بالنسبة له لم يكن وسيلة لتخليد نفسه و آله من المقرّبين و توريثهم و لتحويل الجزائر إلى ضيعة خاصة لحماية مصالح شخصية؛ كان يرى في السلطة -المُطلقة- وسيلة حليفة وحيدة لتحقيق مشروع أمته الكبير، لهذا كان يسحق كل من يعترض الطريق الذي سلكه للجزائر.
و يختلف عنه تماما اليامين زروال في هذه العلاقة بالسلطة و الحكم رغم اشتراكهما في النوايا و الخطوط العريضة لبناء دولة لا تزول بزوال الرجال. النقطة الذهبية التي وجدتها مشتركة بين الشخصيتين و تعكس مدى عظمة استشرافهما و حكمتهما هي حاجتهما إلى : “رجال بعيدين عن العشائر والصفقات المشبوهة”، كما ردّدها زروال ذات يوم.
**
-تبدو أن صفعة الحراك الجزائري لم تُثنِ نظام دويلات (الإمارات المتحدة) عن مواصلة أضغاث أحلامهم و عن الاستمرار في لعب أوراق (البوكر) القذرة ضد الجزائر، مما جعل عبد المجيد تبون، الرئيس الحالي الجزائري يستهلك صبره، و يضيق ذرعا، مما اضطرّه إلى تصعيد لهجته التحذيرية بكل حزم و سيادة.
**
و تطرّقت- صحيفة “لا سونتينال La Sentinelle /الحارسة (09/02/2026) الفرونكوفونية إلى هذا الموضوع ذاكرة أنّ / رئيس الجمهورية يتخذ موقفاً حازماً ضد الإمارات العربية المتحدة ويتهمها بالتدخل في الشؤون الداخلية للجزائر في إطار : لعبة أبو ظبي المشبوهة! /
-كما وجّه الرئيس عبد المجيد تبون انتقاداتا حادة للإمارات العربية المتحدة وفرنسا، من جهته اتهم أبو ظبي بالتدخل في “الانتخابات الجزائرية” وباريس بشن حرب اقتصادية. وخلال مقابلته الدورية مع وسائل الإعلام الوطنية، كشف رئيس الدولة لأول مرة عن محاولات الإمارات التأثيرية على العملية الانتخابية في الجزائر. كما نوّه الرئيس تبون، خلال هذا اللقاء الهام ، إلى عدة قضايا تتعلق بالسياسة الخارجية للبلاد، مؤكداً أن الجزائر تحافظ على علاقات متوازنة و طيبة مع معظم الدول والقوى الكبرى، باستثناء بعض الدول المعروفة بعدائها. كما أوضح الرئيس تبون في البداية العلاقات الأخوية التي تربط الجزائر بالمملكة العربية السعودية ومصر وقطر والكويت. وصف هذه العلاقات بأنها “أكثر من مجرد علاقات أخوية”، مؤكداً أن “ما يؤثر على السعودية يؤثر علينا”، ومستذكراً “التاريخ المشترك” مع الشقيقة مصر. وفيما يتعلق بالكويت كذلك، أشاد بـ”العلاقات الممتازة مع نظام هذا البلد”، مضيفاً أنهم “أصحاب وعود و عهود “. أما فيما يخص دولة قطر، فقد أعرب عن ارتياحه لمستوى التعاون الثنائي المُحقق. وفي هذا التباين الواضح، أشار إلى الإمارات، -دون عناء ذكرها صراحةً-. “لا تزال هناك دولة، إن لم تكن دولة صغيرة« micro-État,qui gesticule »،”، مُعبّراً عن أسفه الشديد، و مندداً بتدخل -الإمارات- المتكرر في الشؤون الداخلية للجزائر. كما كشف رئيس الدولة مثلا؛ أن إمارة أبوظبي حاولت التدخل في العملية الانتخابية الجزائرية. “إنهم يتدخلون في انتخاباتنا، في الجولة الأولى ثم الثانية. لقد تدخلوا في هذا وذاك”.. والأخطر من ذلك، أشار الرئيس تبّون إلى أن -الإمارات- تُلوّح بتهديد التحكيم الدولي بشأن استثماراتها في الجزائر. “إنهم يهددون بإفقارنا بمجرد اللجوء إلى التحكيم الدولي. فليذهبوا إلى التحكيم!” (تجنّب الرئيس الجزائري متلَبِّقاً نظرا لمنصبه و مكانته قول ما أودّ قوله أنا: ، فليذهب نظام الإمارات إلى الجحيم!)؛ / إذن، هكذا أعلن رئيس الدولة بحزم، قبل أن يوجه تحذيراً مباشراً: “لا تدعونا نندم على اليوم الذي عرفناكم فيه لأول مرة!”.
-وتنسجم هذه التصريحات مع الانتقادات التي وجّهها الرئيس تبون إلى الإمارات في الأشهر الأخيرة. ففي مارس2024، كان قد ندّد بدور أبوظبي المزعزع للاستقرار في العديد من دول المنطقة، مصرحاً بأن “أموال هذه الدولة حاضرة أينما وُجدت الصراعات، في مالي وليبيا والسودان”. فقبل ساعات فقط من بثّ المقابلة، بدأت الجزائر إجراءات فسخ اتفاقية النقل الجوي الموقعة مع الإمارات في ماي2013، ممهدةً الطريق لتعليق الرحلات الجوية بين البلدين.”.
عليّ أن أُذكّر، امتثالا لكرونولوجيا و منطق الأحداث التاريخية الأخيرة و تصالحاً مع النفس و التاريخ فَ”قرر رئيس الجمهورية الجزائري “عبد المجيد تبون”، تخليدا للذكرى الأولى للحراك الشعبي المبارك، إعلان يوم 22 فيفري من كل سنة «يوما وطنيا» يخلّد التلاحم الأخوي بين الشعب وجيشه”.
-أليس كافيا لقادة هكذا (دويلات الورنيشْ) السّرابية و عمرها (50عاماً) أن تستحي و تتوقف عن لعبة(البوكر Poker) القذرة مع دولة و أُمّة كالجزائر تمتد جذورها -على الأقل- إلى أكثر من 5000 سنة (قبل التاريخ)؟!.
-فليعلم الخبثاء من العرب جميعا: “نحن أحفاد بن زيّاد الفاتح طارق/ومن أبى منكم إنصافنا نفارق/ و إن أقبلتم إخواناً غير خائنين و لا مسافحين ..نعانق/و إن أدبرتم معتدين كاللّئام / فإنّا لرهطكم لتاللهِ لنُشاقِق ../ إن شئتم لا حاجة لنا بالنّمارق/ أسود نحن، نمشي على كل الدّروب في هُوينى و لا تعجزنا المعارج و لا الموانق/ لا تنسوا أحفاد “لوكيوس أبوليوس، و أُغسطين القديس، و يوغرطة قاهر روما وعبد القادر و بن مهيدي والفاتح المجيد بن زيّاخد طارق!.”(ل.خلفاوي).
**
في هذا الملف تناولت عدة محطات تاريخية بشتى الروايات مع كرونولوجيا أهمّ الأحداث التي صنعت كواليس نظام الحكم في الجزائر الحديثة انطلاقا من تاريخ مرجعي هامّ و هو موضوع جماعة “خالد نزار” أي “ضباط فرنسا” في خمسينيات القرن الفائت مرورا إلى أحداث ما بعد الاستقلال، و الأزمة السياسية التي أفضت إلى “العشرية الدموية السوداء”، إلى ظروف مراحل التداول على الحكم لكلّ مت ليامين زروال و عبد العزيز بوتفليقة سليل “جماعة وجدة”، و وصولا إلى “الحراك الشعبي”، و تنصيب “عبد المجيد تبون”، الرئيس الحالي، الذي جاء في مرحلة خروج الجزائر من (عُنقِ الزَجَّاجَة!*). =جمع (زَجَّاجْ)، و تعني (الزّّاج، الفاعل، الضّالع، المُوَرِّط: في معجمي الخاص!).
وجدت من الضروري التطرّق إلى ما وثّقَ عن مرحلة حكم بوتفليقة الطويلة، و كيف تحوّل هذا الرجل من أيقونة الشخصيات التاريخية و السياسية و الديبلوماسية إلى رمز لجنون العظمة و الفساد المُدقع* الذي أخرجه من باب تاريخي ضيق و مخزي، خصوصا إذا كان هذا التوثيق من قبل صحافة محترفة من “جنيف”، مدينته و عاصمته السويسرية المحبوبة و المفضلة، فهو معروف بشكل خاص من قبل نخب البلد و إعلامها. لا أحبّذ إنهاء هذا الملف في خصوص شخصية “بوتفليقة”، دون البحث في التاريخ ما وُثِّقَ حوله من مواقف خالدة و أثر مشرّف رغبة من ضميري لإنصاف “الجانب المشرق و المضيء من تاريخ الرجل. و إثراءً لذاكرة الشباب الجزائري.
“عبد العزيز بوتفليقة، من الدبلوماسي الفاتن إلى الصنّم المُضايق Abdelaziz Bouteflika, du séduisant diplomate à l’encombrante statue”، هو مقال نُشرَ في صحيفة “الزمن/ الوقت-Le Temps” السويسرية، وقّعه الكاتب “سيليان ماصي
Célian Macé” في 2 أفريل 2019. فكتب ما يلي :/أعلن رئيس الدولة الجزائري، الذي يُعدّ رمزًا لشبح (مُومياءMomie ) سلطة متصلبة symbole fantomatique d’un pouvoir sclérosé، رغم أنه كان شخصية بارزة في حركة الاستقلال ورئيسًا للبلاد منذ عام 1999، و تمّت تنحيه عن منصبه بعد ستة أسابيع من مسيرات شعبية حراكية رافضة ضخمة غير مسبوقة. هل كان لدى عبد العزيز بوتفليقة حلم: أن يموت في السلطة مثل صديقه وسيده الروحي هواري بومدين. أو أن ينهار على خشبة المسرح مثل موليير، إنّ غرور الكوميدي المسرحي يليق بهذا الرجل، ذلك الدبلوماسي البارع في سنوات الجزائر المستقلة المجيدة قبل أن يصبح رئيسها السابع عام 1999، و وصولا إلى السنوات الأخيرة، حيث جسّد -جسديًا- تدهور -نظام حكم متصلّب- système d’un pouvoir sclérosé “.
**
بعد ستة أسابيع من الاحتجاجات الشعبية، أعلنَ باسم الرئاسة الجزائرية أنّ عبد العزيز بوتفليقة سيتنحى عن منصبه بحلول 28 أفريل، و بعد هذا الموعد أصبح بوتفليقة غير شرعي وفقًا للدستور. /فكيف صعدَ بوتفليقة أيام المجد متألقاً قاطفا النجوم في سماء تاريخ البلاد و كيف سقط سقوط الملائكة المغضوب عليهم، أو كما تهوى النجوم الآفلة؟./
-لطالما تناوبت عيناه الزرقاوان في رمْقِ الشعب الجزائري، وإبهاره، وتوبيخه، وإخضاعه، لأكثر من ستة عقود. وُلد عبد العزيز بوتفليقة في الثاني من مارس عام 1937 في مدينة وجدة بالمغرب. و للمكان دلالته الخاصّة، فقد سُميت باسمه مجموعة من ضباط جبهة التحرير الوطني ، جماعة أو عُصبة أو – “عشيرة وجدةclan d’Oujda” – الذين هيمنوا على الحياة السياسية والعسكرية الجزائرية لسنوات طويلة. في هذه المدينة الواقعة شرق المغرب، كان يعيش آنذاك آلاف الجزائريين من تلمسان Tlemcen، التي تبعد نحو خمسين كيلومتراً عن الحدود المغربية. كان هذا حال “أحمد بوتفليقة”، والد عبد العزيز، كان من تجّار سوق وجدة و توفي عام 1958، قبل أربع سنوات من الاستقلال. كانت والدته تعمل في “حمام المدينة”.
-في عام 1961، عهد إليه قائد جيش الحدود بأول مهمة “دبلوماسية”. و كُلِّف بوتفليقة بالسفر سرًا إلى فرنسا للقاء القادة التاريخيين لجبهة التحرير الوطني، الذين كانوا رهن الإقامة الجبرية في “قصر أولنوي château d’Aulnoy في “سين ومارنSeine-et-Marne”. لقد أراد العقيد هواري بومدين تأمين دعم سياسي تحسبًا للاستيلاء على السلطة بعد الانسحاب الفرنسي. كان يعوّل على “محمد بوضياف”، رئيس الاتحاد الفرنسي لجبهة التحرير الوطني ووزير في الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية. لكن بوضياف رفض رفضًا قاطعًا. كما رفض حسين آيت أحمد بدوره. أما بوتفليقة، فقد راهن بدلًا من ذلك على أحمد بن بلة. يلخص الوزير السابق “رضا مالك Redha Malek في كتابه “الجزائر في إيفيان l’Algérie à Evian” الأمر قائلًا: “كان بومدين بحاجة أكثر إلى سياسي، وكان بن بلة بحاجة أكثر إلى سلاح «Boumédiène avait besoin d’un politique et Ben Bella d’un fusil»”.
**
-*ماذا عن شاربٌ بوتفليقة الوقح Moustache insolente؟.
-بوتفليقة المدعوم عسكريا مقابل شرعيةٍ سياسية:
-قبل معرفة ذلك يجب السفر إلى الماضي تاريخيا. كان الاتفاق الذي أُبرم بين “عُصبة وجدة” و”أحمد بن بلة”، عبر “عبد العزيز بوتفليقة”، أثبت أهميته البالغة خلال “صيف الفتنة” عام 1962. وُقِّعت اتفاقيات إيفيان في 18 مارس، واعتُرف بالاستقلال في 3 جويلية و أصبحت الجزائر أخيرًا دولةً حرة، بعد مئة واثنين وثلاثين عامًا من الاحتلال الفرنسي وثماني سنوات من حربٍ قذرةٍ خلّفت وراءها (الأعداد المهولة من الشهداء) و كان صيف بلد في فجر الحرية و الاستقلال تمزقه و تربكه
الخلافات و “الصراعات ” داخل جبهة التحرير الوطني. فاصطدم فصيلان: الحكومة المدنية، بقيادة الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، والجيش، بقيادة “جماعة وجدة”. و حظي الفصيل الأول بدعم من الولايات الداخلية وجبهة التحرير الوطني -فرع فرنسا-. أما الثاني، فكان مدعومًا بجيش الحدود بقيادة العقيد “هواري بومدين”. و آلت الأمور لصالح “الهواري” إذ استولى بومدين على السلطة. ففي 9 سبتمبر 1962، دخلت قواته – التي أُعيد تسميتها بالجيش الوطني الشعبي – العاصمة.
-كانت طائفة أو “عشيرة وجدةLe clan d’Oujda”، والتي تُعرف أحيانًا باسم “جماعة تلمسان”، جماعة سياسية عسكرية نشطت خلال الحرب الجزائرية. تأسس هذا الفصيل على أساس -أول جالية جزائرية استقرت في المغرب منذ عام 1950- وتألفت من الطبقة المتوسطة الدنيا، وملاك الأراضي، وموظفين إداريين في الإدارة المغربية، و من طلاب، ومهنيين، جميعهم تحت إمرة و توجيه المقاتلين الثوار الجزائريين في الداخل من جيش التحرير الوطني، حيث تراجعت عناصر “طائفة أو عشيرة وجدة السياسية” إلى ما وراء الحدود المغربية مع اندلاع ثورة نوفمبر 1954. في البدء تميزت هذه الجماعة بتنظيمها المحكم، وتسليحها الثقيل، وتوجهها السياسي القوي.
-و من أهم وجوه و قيادات “جماعة وجدة” التاريخيون هم:
-بوتفليقة (المكنى عبد القادر المالي)-العقيد بوخروبة (المكنى بومدين)-العقيد علي كافي-العقيد بوصوف (المكنى سي مبروك)-العقيد مصطفى بن عودة-العقيد بودغان (المكنى لطفي)-القائد رواي (المكنى توفيق)-القائد رشيد (الملقب مستغالمي)-السفير “لعلاLaâla 10-محمد بوداود (الملقب منصور)..
**
-في 27 سبتمبر، عُيّن “أحمد بن بلة” رئيسًا للحكومة. وأصبح وقتها القائد (commandant) عبد العزيز بوتفليقة، الذي عاد إلى الحياة المدنية، وزيرًا للشباب والرياضة. وبطبيعة الحال، فرض وزير الدفاع، هواري بومدين حليفه الذي انتُخب لتوه نائبًا عن منطقة تلمسان. بعد عام، أصبح “احمد بن بلة” أول رئيس للجزائر المستقلة(تعيين بن بلة رئيسا للجزائر أسعد كثيرا الولايات المتحدة الأمريكية). كما عُيّن “عبد العزيز بوتفليقة” و سُلّمت له الحقيبة الوزارية الأولى بها و المستحقة كوزير للخارجية. كان عمره آنذاك 26 عامًا، و هذا ما جعله أصغر وزير خارجية في العالم!(العبقرية و التميّز لا يحدّه سنّ مُعيّن!). خارج حدود البلد (أرض جميع القدّيسين)، كان هذا الرجل ذو الوجه الملائكي والشعر الطويل والشارب اللافت رمزًا للنضال المنتصر ضد أكبر القوى الاستعمارية، وضدّ أحفاد نابليون. و قد نظّم هذا الأخير زيارة رمزية تصبّ في جينات العنصر الجزائري، مؤكداً حضور الزعيم الكوني المعروف بإرنستو “تشي” غيفارا «Che» Guevara” إلى الجزائر العاصمة، الملقبة بـ”مكة ثوار العالم «Mecque des révolutionnaires»”. بل إن الوزير الشاب، الذي كان صوتًا للعالم الثالث، أجبر بشكل غير مباشر رئيس الدولة “أحمد بن بلة” أن يعيش في ظله، فقرر أحمد بن بلّة في عام 1965 إزاحته لاستعادة السيطرة على الشؤون الخارجية للجزائر. إلا أن “هواري بومدين” كان يراقب الوضع عن كثب و عن قرب، بل صنيع بن بلة الجريئ ببوتفليقة أغضب الهواري بشدة ؛ لأنه مسّ و هاجم شخص مقرّب و تلميذه المبجّل.
**
أدت هذه الأزمة الداخلية في الدوائر الحكومية إلى انقلاب 19 جوان 1965(سُمّيَ بالتصحيح الثوري)، و قد تحدثت عنه في ملف (الهوية العظمى للأمة الجزائرية …) حيث أمر العقيد بومدين باعتقال رئيس الجمهورية في تلك الليلة. وفي بث إذاعي، أعلن عن تشكيل مجلس ثوري تولى جميع الصلاحيات. وكان عبد العزيز بوتفليقة أحد المشاركين المُساهمين في ذلك الانقلاب، واحتفظ بمنصبه كوزير للخارجية، بينما أصبح هواري بومدين رئيسًا للدولة. وقد سحقت “عُصبة وجدة” نهائيًا جميع الفصائل الأخرى التي انبثقت عن حرب الاستقلال. وفي الوقت الذي كانت فيه حملة ملاحقة و اصطياد البنبلّين(أنصار بن بلة) la chasse aux benbellistes ومعارضيه اليساريين على أشدها في الداخل، كان بوتفليقة شخصية متألقة و بارزة في مسارح الجزائر الديبلوماسية الخارجية حول العالم. فكانت بالفعل تلك هي السنوات الذهبية للدبلوماسية الجزائرية. وعلى النقيض من “هواري بومدين الزاهد”، كان بوتفليقة المعروف بحيويته يلفتُ الأنظار و يستقطب الاهتمام بشخصيته الفذة. قصير القامة طويل النفس و الهامة يراه كبار العالم عملاقاً في ذلك الزمن، قامته – بطول 1.65 متر، هي في الحقيقة “أطول من نابليون بثلاثة سنتيمترات!”، و كما يحب هو شخصيا التذكير به مزاحا هادفاً في مناسبات نادرة.- كان يرتدي أزياءً راقية لأشهر صُنّاع الموضا، ويستمتع بالمناسبات الاجتماعية(المغلقة خاصة!)، ويتردد متواصلا مع كبار الثوار في العالم، ويدخن السيجار الكوبي كمثله الأعلى و حاميه و عراّبه (محمد بوخروبة، أو سيدي الهواري بومدين) . و لقد نُسبت إليه حكاوي لعلاقات -نسائية-عديدة ، من بينها علاقته مع الممثلة الأمريكية “دجين سيبرغ Jean Seberg”. قال عنه “ليوبولد سيدار سنغور Léopold Sédar Senghor”؛ إنه كان يحب الدردشة و مناقشة الأمور مع بطل “الحوار بين الشمال والجنوب”، لأنه “متعة فكرية”. كان العظيم” سيدار سنغور” يتحدث بإعجاب و انبهار كبيرين عن “عبد العزيز بوتفليقة” لمّا كان في أوجّ انفجاره الإبداعي في مجاله كظاهرة ديبلوماسية جزائرية عالمية. و لطالما كانت الكلمات سلاح بوتفليقة المفضل. يختبر قدراته على الإقناع، كما هو قادر على نوبات غضب مسرحية يستطيع فجأة أن يكون وراء حملات تأثيرية ساحرة، لقلب الموازين.
**
-في عام 1973، أصبح “بوتفليقة” أول وزير خارجية يُستقبل في زيارة رسمية إلى فرنسا. وكان الوسيط الرئيسي لباريس في مراجعة اتفاقيات إيفيان وتأميم شركات النفط الفرنسية. اكتشفت سلطات فرنسا “كي دورسيه Le Quai d’Orsay” وزيرًا لامعًا مُلِمًّا بملفاته إلمامًا تامًا. و يصفه الرئيس الفرنسي “فاليري جيسكار ديستان Valéry Giscard ” في مذكراته بأنه (شخصية مُثيرة للدهشة): “يختفي أحيانًا لأسابيع دون أثر. ويأتي إلى باريس بين الحين والآخر في زيارات سرية-مُنكّرة visites incognito-، لا نُبلَّغ عنها. وينعزل في شقة بفندق فخم، حيث يتلقّى -على الدوام – زيارات أنيقات!. ويُقال إنه يرتدي شعرًا مستعارًا”.
-فكانت ذروة مسيرته على رأس الدبلوماسية هي رئاسته للدورة التاسعة والعشرين للجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1974. حيث استقبل عبد العزيز بوتفليقة ياسر عرفات، رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، في نيويورك استقبالًا يليق برئيس دولة، حيث سمح لممثل منظمة التحرير الفلسطينية “ياسر عرفات” بأن يُلقي خطابًا تاريخيًا علِقَ في الأذهان. و في العام نفسه، نجحت الجزائر من خلال زعيم الديبلوماسية الجزائرية بوتفليقة في استبعاد جنوب أفريقيا كنظام الفصل العنصري من الأمم المتحدة. وفي 22 ديسمبر 1975، بينما كان العالم يتخبّط ذعرا و غارقًا في أزمة رهائن غير مسبوقة نفذها مسلحون بقيادة و تدبير “إيليتش راميريز سانشيز، المعروف باسم (كارلوس) Illitch Ramírez Sánchez, dit Carlos، قاد بوتفليقة شخصيًا تلك المفاوضات في الجزائر. ونجح الوزير العبقري النابغة في تأمين إطلاق سراح جميع ركاب طائرة DC-9 (بمن فيهم أحد عشر وزيرًا من منظمة أوبك!) التي اختطفها الفنزويلي “كارلوس”، مستخدمًا فصاحته العقلية قبل فصاحته اللسانية المعهودة. فوصفت برقية من السفير الأمريكي في الجزائر آنذاك، والتي كشف عنها موقع ويكيليكسWikiLeaks لاحقًا، إدارة الأزمة بأنها “فعّالة، هادئة، وبارعة «Efficace, détendue et cool»”.
**
-في “فييناVienne، بالنمسا، 1975: “أنا كارلوس « Je suis Carlos ! »!” نشرت صحيفة “لوموند Le Monde” بتاريخ 21 سبتمبر 2001، بقلم الكاتبة والصحفية “فيرونيك موروس VERONIQUE MAURUS” تُذكّر القراء المهتمين بهذه القصة التاريخية: “في 21 ديسمبر 1975، احتجز ما أُطلق عليه « الإرهابي » -كارلوس Carlos”، على رأس مجموعة من خمسة متطرفين، و كل من تواجد بمقرّ منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبكOPEP) بأكملها كرهائن: سبعون شخصًا، من بينهم أحد عشر وزيرًا. هذه العملية و الغارة الجريئة انتهت بسلام في الجزائر بعد ثلاثة أيام. في يوم الأحد الأخير قبل عطل نهاية السنة، 21 ديسمبر 1975، اجتاحت ريح قارسة في فيينا. كان شارع “لو رينغ Le Ring” الشارع العريض الذي يحيط بالمركز التاريخي، مغطى بالثلوج المتجمدة. في ساحة دار البلدية، ستفتح أكشاك سوق عيد الميلاد أبوابها الخشبية قريبًا، وهي مغزوة بالأكاليل والدمى والحلويات.” على بُعد خمسمائة متر، يحتل مقر أوبك طابقين متواضعين في مبنى مجهول الهوية؛ ولا يزال مهجورًا. خرج “نور الدين آيت لوسين Nourredine Aït Laoussine ” في جولة جري صباحية مع رئيسه، سيد “أحمد غزاليSid Ahmed Ghozali”، رئيس شركة سوناطراك النفطية الجزائرية. وقد سهرا حتى وقت متأخر من الليل لوضع اللمسات الأخيرة على وثيقة فنية هامة، مجلدة باللون الأزرق، يعتزمان توزيعها على الأعضاء الثلاثة عشر في “الكارتلcartel”، عُصبة الأوبابOPEP .
**
ظهرت منظمة الدول المصدرة للنفط (opep) من العدم قبل عامين، في 16 أكتوبر1973، عندما قررت الدول المنتجة للنفط، في خضم حرب أكتوبر(كيبور)، رفع أسعارها بشكل حاد، مما أدى إلى أزمة اقتصادية عالمية. ففي الغرب، أثارت هذه “الصدمة” الأولية حالة من الذعر على نطاق واسع. وفي أماكن أخرى، نُظر إلى الدول النفطية، كالسعودية وإيران، على أنها دول حديثة الثراء، مستعدة للتواطؤ مع الولايات المتحدة وشركاتها على حساب العالم النامي. وانخفض الاستهلاك في كل مكان، وبدأت التوترات الأولى بالظهور داخل المنظمة. في اليوم السابق، اتُهم العراق باللجوء إلى خصومات، وكان الجزائريون مستعدون لإثبات عكس ذلك. ابتداءً من الساعة العاشرة صباحًا، وزعوا كتابهم الأزرق على الوفود، التي جلست وفقًا للترتيب الأبجدي خلف طاولات مرتبة على شكل مستطيل. انخرط الوزير الجزائري، “بلعيد عبد السلامBelaïd Abdesselam”، في نقاش مطوّل مع نظيره العراقي. في ردهة المبنى بالطابق السفلي، كان عدد قليل من الصحفيين يتجولون. كان الجوّ هادئًا. تُعتبر منظمة “النفط” مصدر إزعاج، لكنها لم تكن بعدُ المنظمة البارزة التي ستصبح عليها بعد “الصدمة” الثانية في الفترة 1979-1980. اقتصرت الحراسة على أربعة عناصر أمنية داخل المبنى. على الطريق الدائري الخالي من الناس، توقف “الترام-وايtramway”. نزل منه خمسة رجال وامرأة، يحملون حقائبا رياضية، ودخلوا المبنى بهدوء، حيث استقبلهم الشرطي المناوب. سألوا الصحفيين بأدب عن مكان انعقاد الاجتماع، ثم صعدوا الدرج.”..
-في ذات السياق، من خلال مقالٍ بمناسبة الذكرى الخمسين لهذا الحدث الهام، أعادت صحيفة “الوطن El-Watan” الجزائرية اليومية ، الفرونكوفونية المعروفة نشر تفاصيل حصرية بتاريخ 28 أوت 2025: “اقتحم مسلحون من أربعة أشخاص، و عرّفوا أنفسهم فيما بعد على أنهم “الجناح العربي المسلح”، بقيادة الفنزويلي “إيليتش راميريز سانشيز”، الملقّب باسم “كارلوس”، حيث اقتحم هو وشركائه القاعة واحتجزوا أحد عشر وزيرًا وجميع الوفود كرهائن، أولى مطالبهم كانت تحرير الأراضي الفلسطينية التي سلبها الكيان الصهيوني. ويروي شاهد عيان رئيسي كان حاضرًا في القاعة، و هو “نوردين آيت لوسين”، من المسؤولين السابقين لشركة سوناطراك، تفاصيل عملية الاحتجاز هذه، التي لا يعرفها عامة الناس والأجيال الشابة، في سيرته الذاتية.”
-شارك إذن وزراء النفط بالإضافة إلى مندوبين: من الجزائر، والسعودية، والإكوادور، والغابون، وإندونيسيا، وإيران، والعراق، والكويت، وليبيا، ونيجيريا، وقطر، والإمارات العربية المتحدة، وفنزويلا في اجتماع بمقر منظمة أوبك. – كارلوس، الملقب بـ”الثعلب”، وأفراد قواته الخاصة: يُطلق على نفسه اسم “الذراع الثورية العربية Le bras révolutionnaire arabe””، ويتهم مجلس -الأمن الدولي- بالاستعداد للاعتراف “بشرعية الوجود الصهيوني على الأراضي الفلسطينية” المحتلة.
-*سأتناول هذه القصة بمزيد من التفاصيل في ملفاتي القادمة.
**
*عار Disgrâce بوتفليقة:
-هل أصابت عين الحسد شخص “بوتفليقة” كي ينتهي به المطاف إلى بوابة العار التاريخية؟.
-يواصل كاتب مقال صحيفة “الزمن” Le Temps السويسرية “سيليان ماصي Célian Macé” بسرديته التقريرية التاريخية:/ انتهى الفصل الأول من حياة بوتفليقة في 27 ديسمبر 1978، بوفاة صديقه هواري بومدين. ترى، من غيره ليلقي كلمة تأبين الرئيس في مقبرة العالية بالجزائر العاصمة، حيث يرقد أبطال الوطن؟ ومن غيره، قبل كل شيء، ليخلفه؟ بدا بوتفليقة الوريث الشرعي و الطبيعي. لكن الجيش اختار مرشحًا آخرا فاجأ الجميع أوّلهم الشعب الجزائري، إنه: العقيد “الشاذلي بن جديد”، أعلى ضباطه رتبة، و بتهميش بوتفليقة و معه الشخصية الأخرى محمد الصالح يحياويMohamed Salah Yahiaoui، الرجل الأول في جبهة التحرير الوطني. وضعَ “قاصدي مرباحKasdi Merbah”، كرئيس الأمن العسكري القوي، و ضابطًا مطيعًا على رأس البلاد. والأهم من ذلك، أنه تخلص من رجال “شلّة وجدة”، الذين أصبحوا عبئًا ثقيلًا بالنسبة للمشهد الجديد بعد أن أفل نجم بومدين مبكرا!. أُسقِطَ بوتفليقة من منصبه في جانفي 1981 عندما أُقيل رسميًا من الحكومة، إذ لم يكن يشغل سوى منصب رمزي كمستشار وزاري. وأمره مجلس المحاسبة المُنشأ حديثًا وقتها، تحت ضغط من الشاذلي بن جديد، برد 60 مليون فرنكا 60 millions de francs أُتهم (بعد التحقيقات) باختلاسها من خزائن مؤسسات الديبلوماسية الجزائرية في ربوع الخارج وأودعها في حسابين مصرفيين سويسريين. بالإضافة إلى تعليق عضويته في اللجنة المركزية لجبهة التحرير الوطني، ولم يحضر حتى الاجتماع الذي صادق على إبعاده.
**
-كان بوتفليقة على دراية تامة بنظام -التطهير الجزائري- الذي أخذ شكل التصحيح، ما جعله غير قادر على الاستمرار فيه. فاختار المنفى، بعد أن اعتاد قضاء وقت أطول في الخارج منه في وطنه. كان يتنقّل بين مدينتين مفضلتين لديه؛ باريس وجنيف (تزامنا مع هذا كان يتلقى العلاج من مشاكل صحّية في الكلى) كذلك تواصله الوثيق مع زعماء دول الخليج، و الدويلات الناشئة حديثًا وقتها؛ حيث كان يقدم حصريا الاستشارات الجيوسياسة و الديبلوماسية للشيخ “زايد بن سلطان آل نهيان”، مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة(1971)
Il navigue entre Paris, Genève (il y suit un traitement pour des problèmes rénaux) et les pays du Golfe, où il conseille le cheikh Zayed ben Sultan al-Nahyan, fondateur de la fédération des Émirats arabes unis.
-بعدها التزم بوتفليقة الصمت (لكنه لم يقل كلمته الأخيرة)؛ في ذات الوقت تولى جيل جديد من الضباط زمام الأمور في الجزائر أمثال : محمد مدين، المعروف بـ”توفيق”، الرئيس المستقبلي لجهاز المخابرات الجزائري (DRS)؛ الجنرال العربي بلخير؛ محمد لعماري؛ ومحمد تواتي، وجميعهم تلقوا تدريبهم الخاص على أيدي جهاز المخابرات السوفيتية الشهير ال(KGB). بعد سبع سنوات، ظنَّ بوتفليقة أن الخطر الذي يترصّده قد زال، فعاد إلى البلاد، ملتزمًا دائما الصمت. كانت الجزائر آنذاك تعاني من اضطرابات اجتماعية بلغت ذروتها في 5 أكتوبر 1988 سُمّيَ (خريف الغضب) خاصة في الجزائر العاصمة، كانَ حراكاً قُمع بعنف و وحشية وراءها أوامر الجنرال خالد نزار. و أدت هذه الأحداث المأساوية، و التي أسفرت عن مقتل المئات، إلى إعلان حالة الطوارئ في السادس من أكتوبر، تلتها مباشرة صياغة دستور جديد اقتضته المرحلة أرسى نظامًا تعدديا على المستوى الحزبي و الإعلامي. إلا أن بعض كوادر الجيش المعروفة، التي انتابها القلق جراء فوز المعارضة الإسلامية للإنقاذ بعد ذلك في انتخابات ديسمبر عام 1991، أوقفت العملية الانتخابية فجأة. وهكذا انزلقت الجزائر و -جُرّت، أو زُجّت-إلى حرب مروعة و التي عُرفت بـ”العقد الأسود، أو العشرية الدموية”.
**
-تلقى بوتفليقة أول اتصال من الجيش عام 1994 لتولي منصب الرئاسة. إلا أنه رفض، معتقدًا أنه لم يحصل على ضمانات كافية. بعد خمس سنوات، احتاج إليه ثانية الجيش و أكثر من أي وقت مضى. هذه المرة أبدى موافقته. و عاد “بوتافBoutef “، كما يسميه الجزائريون، من تقاعده(الإماراتي)، و بعد التزامه الصمت لفترة طويلة، استعاد صوته مُجدّدا. أعلن قائلًا ساخرا من تجربة الرؤساء السابقين بعد رحيل بومدين: “لن أكون رئيسًا متمرّنا/ متربّصا/ مثل أسلافي «Je ne serai pas un président stagiaire, comme mes prédécesseurs»”. هنا اكتشف (الجيل الجديد، و الشباب خاصة) فصلاً كان منسياً أو مُغيّباً من فصول التاريخ الوطني!. كان بوتفليقة رجل حقبة ما قبل حرب اللاستقرار و العشرية السوداء، حقبة السبعينيات المجيدة تلك. لم يتغير شاربه، ولا قمصانه ذات الياقات المدببة، ولا أحذيته ذات الكعب العالي، ولا بذلاته المخططة. كان برنامجه الانتخابي “بومدين دون اشتراكية «Boumédiène moins le socialisme»”، كما كتبت صحيفة “لو كانار أنشينيه le Canard enchaîné” الساخرة الفرنسية الشهيرة آنذاك. عاد بوتفليقة في أوج تألقه. و عادت مهاراته الخطابية الساحرة إلى الظهور. محبّو عهد بومدين الذهبي لم يتوقّعوا أن -سحر بوتفليقة- سينقلب عليهم!. ونُقل عن الجنرال مدين قوله مُعربًا عن إعجابه خلال حملة عام 1999: “إنه يعرف كيف يُراوغ”. بعد انتخابات رئاسية مبكرة، انتُخب عبد العزيز بوتفليقة، المرشح “المستقل” و – في الواقع، المرشح الوحيد للجيش – رئيسًا للجمهورية في 15 أفريل 1999، بنسبة 73.8% من الأصوات. انسحب منافسوه الستة احتجاجًا على ظروف تنظيم الانتخابات. و وصفت تلك الإنتخابات على أنّها (أقرب إلى العبث!)، إلا أنّ (بوتاف)، أو عبد العزيز بوتفليقة -ثأر أخيرًا لنفسه- بعد عشرين عامًا من الغياب أو التغييب عن الساحة السياسية. و عادت -مجموعة وجدة- مجددا إلى المقر الرئاسي الجزائري، بالمرادية.
**
بعد سنوات من الصمت، يُبهج بوتفليقة الشعب بتصريحاته الذكية، و المثيرة للجدل حدّ الاستفزاز! كان يجوب البلاد طولاً وعرضاً “لإيقاظ الجزائر” و محاولة لطي صفحة الحرب و المأساة الأهلية مهما كلّفه الأمر. وبأسلوب شعبي فصيح، يُتقن حتى توبيخ الجزائريين و يوخزهم بجرأة صعب هضمها!. بعض عباراته تُردد وتُحرف وتُغنى حتى في الشوارع. من العبارات المثيرة للتأمّل و الصادمة في آن على سبيل المثال، هذه العبارة الشهيرة التي أطلقها ارتجالاً على أم مفجوعة تسأل رئيس الدولة عن : “الأربعة آلاف مفقود-من أبناء الجزائر -:- ، يرتجل علناً متجرئا بكل قسوة :”أين تتوقعين أن أجدهم؟ في جيوبي ربما؟ اجلسي، ليس لكِ حقوق أكثر من غيركِ! كيف لنا أن نخرج من هذه الحرب أمام مثيلات هذه المفجوعة الباكية؟” / «Les 4000 disparus, où veux-tu que je les trouve, moi? Dans les poches peut-être? Assieds-toi, tu n’as pas plus de droits que les autres! Comment sortir de la guerre avec toutes ces pleureuses?»/ أعمته العزة بالنفس، و الغرور، لم يكن يدري بوتفليقة للأسف الشديد أن هذه (الأمّ الباكية المفجوعة)، ممثلة الثكالى و هي كانت تبكي مئات الآلاف من القتلى و آلاف المفقودين، هي ذاتها أمّهم الجزائر!/.
-جاء “بوتفليقة” ليُزعزع، ليصعق أمة مُنهكة، مجروحة.
في تجمّعاته يصطنع الغضب و الحماسة يهاجم كبرياء المسحوقين من قبل “عُصبة” أدخلت الجزائر في (ظلمات دامية عشراً!) يحمّل الشعب الضحية للمتطرفين من كل ملة أحزانه و مأساته؛ ليسحر الناس و يصدمهم:”أنتم تعتمدون كثيراً على الدولة، أنتم كسالى. لقد انتهى عهد دولة الرخاء و البحبوحة، دولة تعتمد على القدرة الإلهية. توقفوا عن عادة القيلولة السيئة !”.
«Vous comptez trop sur l’Etat, vous êtes paresseux. L’Etat providentiel, c’est fini. Arrêtez de faire la sieste!» crie-t-il dans ses meetings.
“أنتم كَسَلة. لقد انتهى عهد دولة الرفاه. كفوا عن الكسل!”. كما أنه لا يتحرّج في المساس بالكبرياء الوطني بقوله: “المحاصيل الزراعية هنا أقل من مثيلاتها في المغرب وتونس. أيها الجزائري، ألا تساوي قيمتك قيمة المغربي أو التونسي؟ في الجزائر، نعمل في الأرض… قليلاً. ثم نستلقي في الظل، ندخن سيجارة، نلعب الدومينو، نأخذ قيلولة، نشرب الشاي مع أصدقائنا، وإذا أزعجك أحدهم في الشارع، عندما تدخل بيتك بكل غضبك تبرح زوجتك ضرباً!”
«Les rendements agricoles, ici, sont inférieurs à ceux du Marcoc et de la Tunisie. Est-ce que vous ne valez pas un Marocain ou un Tunisien? En Algérie, on travaille la terre… un peu. Après, on se met à l’ombre, on fume une cigarette, on joue aux dominos, on fait la sieste, on boit le thé avec les copains et si on vous embête dans la rue, on donne une raclée à sa femme en rentrant à la maison!»
هذا الرجل، بوجهه الذي يشبه وجه “دركي الدمى المهرجة gendarme de Guignol ، يصيب هدفه. وقد وضع هو نفسه نظرية لاستخدام هذا التبجح: “عليك أن تجد محفزاً”، كما يشرح. “أعد صياغة الدلالات، ابحث عن الكلمات التي لا تُسيء إلى أي من الطرفين. (…) الوئام المدني ليس مصالحة وطنية هو (اتفاق سياسي مع الإسلاميين) ولا استئصالاً (إبادتهم)”. إنه ببساطة يسأل الجزائريين: هل لديكم بلد آخر؟ لا؟ إذن اعترفوا بأنكم مختلفون! تقبلوا ذلك. “ avez-vous un pays de rechange? Non? Alors admettez que vous êtes différents! Acceptez-le.»
**
– كان مشروع هذا “الوئام المدني «concorde civile»”، وما حمله من أمل في عودة السلام و الأمن ، الوعد الأبرز لولايته الأولى. ويتضمن عفواً جزئياً عن الإسلاميين المسلحين. و تعهد بوتفليقة بعدم مضايقة من لم تلطخ أيديهم بالدماء. كما رحّب الدكتور “عباسي مدني”، الزعيم السابق للجبهة الإسلامية للإنقاذ (المنحلة)، والذي كان رهن الإقامة الجبرية منذ صيف عام 1997، بهذه المبادرة. كما أعلن جيش الإنقاذ الإسلامي “وقف الكفاح المسلح”. وفي الخامس من جويلية، وهو العيد الوطني، أُفرجَ عن حوالي 5000 سجين إسلامي. وفي الثاني عشر من سبتمبر عام 1999، أُجري استفتاءً. وكان السؤال: “هل تؤيدون نهج الرئيس الهادف إلى تحقيق الأمن و السلام والوئام المدني؟” وفي حال الرفض، حذر بوتفليقة قائلاً: “سأعود إلى بيتي”. و عليه فازت إرادة “نعم” بنسبة 98% من الأصوات.
**
رئيس الجمهورية، الذي أُهين بخوضه الإنتخابات الرئاسية بمفرده و دون منافس قبل بضعة أشهر، ينتصر أخيراً. و أُخليت معسكرات المتمردين، وعاد أكثر من 6000 رجل إلى ديارهم. ولم تبقَ سوى الجماعة السلفية للدعوة والقتال، وهي أكثر التنظيمات تشددا و تطرّفا و عنفًا. و -أجبر الضغط- الذي مارسته أجهزة الأمن الجزائرية الإرهابيين تدريجيًا على التراجع و الإنسحاب إلى مناطق صحراوية.
-على الصعيد الاقتصادي، استفاد بوتفليقة عام 1999 من ارتفاع أسعار النفط، مما سمح له بإطلاق برنامج ضخم للأشغال العامة العملاقة. وكان المناخ الاقتصادي مواتيًا له. وشهد سوق العقارات طفرة غير مسبوقة، وبدأ العمل في الطريق السريع بين الشرق والغرب، وانتشرت مواقع البناء في المدن. وكان بوتفليقة يطمح إلى إعادة الجزائر إلى مسارها الصحيح. وفي 14 جوان 2000، استُقبل الرئيس الجزائري على السجادة الحمراء في مطار أورلي من قِبل جاك شيراك نفسه. وبعد ثلاث سنوات، عبر الرئيس الفرنسي البحر الأبيض المتوسط في الاتجاه المعاكس ردا للزيارة، في سابقة هي الأولى من نوعها منذ استقلال الجزائر.
**
*”بوتفليقة و تعامله مع متلازمة بينوشيه Boutef et «Syndrome Pinochet»” -.
-في عام 2004، أُعيد انتخابه بسهولة، بنسبة 85% من الأصوات مقابل رئيس وزرائه السابق، -الطامع في الركوب هو أيضا – المدعو “علي بن فليس”. نجح الرئيس الجزائري في تحييد الإسلاميين، لكنه الآن بحاجة إلى التحرر من قبضة الجيش، ولا سيما “الينايريين «janvieristes»”، الذين دبروا انقلاب ديسمبر 1992 و جاءوا ب”محمد بوضياف” من المغرب و فرضوه كبديل و كرجل مرحلة؛ لأنهم يعانون من “متلازمة بينوشيه”، إذ يخشون باستمرار المحاكمة والإدانة على الفظائع التي ارتكبوها خلال -العقد المظلم، و الدموي-. يعلم بوتفليقة أنه يستطيع استغلال خوفهم من المحاكمات. و بقاؤه في السلطة كان يضمن لهم الإفلات من هذا الكابوس أو العقاب المحتمل في أي لحظة.
-يسمح ذلك الاتفاق لرئيس الدولة بتخفيف قبضة هيئة الأركان العامة وجهاز المخابرات والأمن تدريجيًا. بعد خالد نزار، أحد “صانعي الملوك” في الجزائر الذي وصفه بـ”دبوس بومدين le «pin’s de Boumédiène»”، تمكن بوتفليقة من إزاحة “محمد العماري”، أعلى ضابط في تاريخ البلاد، عام 2004.
**
و أتت الخطوة التي يرغب فيها بوتفليقة في توسيع نطاق “الوئام المدني” الذي أعلنه عبر الدعوة إلى استفتاء جديد. هذه المرة، ينص “ميثاق السلام والمصالحة الوطنية” على تعويضات لأسر المختفين قسراً، وعفو عن أعضاء الجماعات المسلحة غير المذنبين بارتكاب مجازر واغتصابات وهجمات، وتقديم مساعدات لأرامل وأيتام المسلحين الإسلاميين الذين قُتلوا. تشمل هذه الإجراءات أيضاً عفواً شاملاً عن أفراد قوات الأمن المسؤولين عن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. ومرة أخرى، حظي التصويت بـ”نعم” بموافقة ساحقة (بنسبة 97.36%).
-مع ذلك، بدأت صورته كصانع مصالحة عظيم تتلاشى. فقد سمحت هذه القوانين المتتالية بإعادة تأهيل مجرمين سيئي السمعة دون أي عواقب. العدالة هي العنصر المنسي في هذا الوئام المدني: فالعفو يتحول إلى نسيان. لم يعد بوتفليقة منقذا و مصلحاً كعام 1999. مشاريعه الضخمة متعثرة، والجزائر مصنفة ضمن أكثر دول العالم الأكثر فساداً، والحياة السياسية و الإعلامية لا تزال تخضع لرقابة مشددة. ثم تباغته “قرحة نازفة” في 26 نوفمبر2005، نُقل على إثرها و على وجه السرعة إلى مستشفى “فال دو غراس العسكري في باريس”.
وخضع لعملية جراحية لعلاج “قرحته النازفة في المعدة”، إلا أنّ عبد العزيز بوتفليقة” لم يظهر مجددًا. مرت الأيام، وبدأت الشائعات تنتشر. هل مات؟ هل الجيش أصبح يُخطط لخلافته؟-أصبحت هذه الحادثة قضية دولة، تخطت الحدود و تابعتها الصحافة الدولية عن قرب. و حتى لما عاد مجددا بوتفليقة أخيرًا إلى الجزائر في 31 ديسمبر. لكن هذه الوعكة الصحية كانت بداية تدهور -مستديم-!.
-رغم ذلك لم يمنعه من الترشح لولاية ثالثة عام 2009. ولتحقيق هذه الغاية، صوّت البرلمان الجزائري برفع الأيدي في 12 نوفمبر 2008 على تعديل الدستور، و بإلغاء الحد الأقصى لولايتين رئاسيتين. وتميزت حملته الانتخابية بزيارته إلى تيزي وزو في منطقة القبائل. وعلى عكس السنوات السابقة، استُقبل بوتفليقة بحفاوة بالغة. كان بوتفليقة قد عقد صلحًا مع الإسلاميين والجيش؛ والآن أراد أن يعقد صلحًا مع منطقة القبائل. ونطق، مرة أخرى، بالكلمات التي كان الشعب ينتظرها: “أنا أمازيغي أصيل. عندما يكون لديّ ما أقوله، أقوله للناس في وجوههم؛ وعندما أكون مخطئًا، أعترف بخطئي؛ لم أطعن أحدًا في الظهر قط، وخاصة أبناء وطني.” (…). أُعيد انتخاب بوتفليقة بنسبة 90.2% من الأصوات، متجاوزًا بذلك نتائجه في عامي 1999 و2004. ولم يعد رقم نسبة المشاركة (75%)، المُختلق بالكامل، موضع سخرية. كانت الانتخابات شكلية، إذ لم يوافق أي منافس جاد على المشاركة في هذه المهزلة. قرر بوتفليقة التمسك بالسلطة حتى الموت. وتشير همسات الصحفيين الجزائريين إلى التوصل لاتفاق جديد مع الأجهزة الأمنية: يمكن لبوتفليقة البقاء في منصبه حتى النهاية، شريطة ألا يُعيّن خليفة له. و في عام 2009، تنحى “عراب” النظام الجزائري و كواليسه منذ ثمانينيات القرن الماضي، “اللواء العربي بلخير”، المعروف بـ”الكاردينال”، عن منصبه لأسباب صحية.
**
-رغم ضعفه و تدهور صحته ظلّ بوتفليقة متمسكاً بسلطته. فبينما اجتاحت موجة الربيع العربي و أطاحت بِ (بن علي ومبارك والقذافي عام 2011) تشبث هو بالسلطة. لا شك أن ذكرى الحرب الأهلية في التسعينيات قد أضعفت الحماس الثوري لدى الشعب. ولكن قبل كل شيء، فتح بوتفليقة أبواب عائدات النفط على مصراعيها. رُفعت الأجور، وأُنشئ نظام جديد للمساعدات العامة مخصص للشباب الراغبين في بدء مشاريعهم الخاصة. دفعت الدولة ثمناً باهظاً للحفاظ على السلم الاجتماعي، لكنها نجحت في قمع الاحتجاجات. في 27 أفريل 2013، أُدخل الرئيس الجزائري مجدداً إلى مستشفى “فال دو غراس العسكري” بعد إصابته “بجلطة دماغية”. وبعد ثلاثة أشهر، عاد إلى الجزائر على كرسي متحرك. وكان رئيس الوزراء ورئيس أركان القوات المسلحة ورؤساء الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ والمجلس الدستوري في استقبال المجاهد المُسنّ، (المصاب بشلل نصفي) في جانبه الأيسر. كان المشهد مروعاً. هل لا يزال الرئيس قادراً على قيادة البلاد؟ بات ظهوره العلني نادراً، وسرعان ما تنتشر الشائعات. كقولهم أن -أجهزة ما- تُسيطر على رئيس الدولة المُسنّ كما تشاء؛ ويُزعم أن بوتفليقة ليس إلا “دمية” في أيديهم.
**
-و تواصل مسلسل العبث السياسي في دوائر الحكم و كواليسه؛ على عكس المتوقع، فترشح هذا الرجل و هو طريح الفراش لولاية رابعة عام 2014. وانتُخب مجدداً بأغلبية ساحقة (82% من الأصوات!)، بعد أن قُضيَ على جميع أشكال المعارضة الجادة(و سبات مُطلق إعلامي). ارتبك المجتمع الدولي، ولم يعد يفهم كيف وصل هذا البلد إلى هذا المستوى من -المسخرة-، الذي كان يوماً ما فخوراً، و كيف بهذه الدولة التي تضع رجلاً سبعينياً عاجزاً -بشلل نصفي- على رأسها. أما الجزائريون، فقد تباينت مشاعرهم بين الامتنان لرجل الوئام المدني، والشفقة على آخر أبطال الاستقلال، بل وحتى الخجل، لدى البعض، من مشهد هذه الشخصية المسنة على رأس الدولة. ومع ذلك، واصل بوتفليقة جهوده في نزع سلاح خصومه، فأزاح واحداً تلو الآخر الضباط الذين كانوا معادين له. وشهد عام 2015 اعتقال اللواء المتقاعد “حسين بن حديد Hocine Benhadid ، والرئيس السابق لمكافحة الإرهاب “عبد القادر آيت أوعرابيAbdelkader Aït Ouarabi، فضلاً عن إجبار اللواء “توفيق” على التقاعد. ثم خفتت حدة خطابه بشكل نهائي. وتحول الاستقرار إلى ركود. صنع بوتفليقة السلام، لكنه لم يصنع الديمقراطية قط!. المعارضة السياسية (الصورية) شبه منعدمة، والصحافة كذلك و تعتمد على دعم الدولة للبقاء، والفساد ينخر كل شيء بما في ذلك الإدارة، والاقتصاد يعتمد كلياً على قطاع النفط.
-مع تقدمه في المرض و السن، فجأة ظهرَ قرب رئيس الدولة من الدين!. فأطلق مشروع بناء أكبر مسجد في العالم على أرض الجزائر العاصمة/-الجامع الأعظم- ؛ ألم يتسبّب “بوتفليقة” في جمع و توحيد الجزائريين تحت لواء المصالحة و السلم و الوئام الوطني؟! الحق يقال، لقد فعلها هذا الرجل و ما (الجامع الأعظم) إلا صدقة بوتفليقة الجارية إلى يوم الدين./
-وتقلصت دائرته المقربة، وأصبح إخوته وأخواته يراقبونه. و كانت من أسرار البلاد الأكثر تكتمًا حياته الزوجية: هل لعبد العزيز بوتفليقة (صاحبة) كزوجة؟ كونه لم يظهر علنًا قط مع زوجة إلى غاية
“الضربة القاضية”. فعلى مدى اثني عشر عامًا، ظلّ يتكهن الصحفيون الجزائريون – “ثرثارو الحمامات «commères de hammam»”، أو “طيّابات الحمّام” tayyabat el hammam، على حد تعبير الرئيس نفسه – بشأن خلافته السياسية. و لم يُدلِ بأي تلميحات. يبدو أنّ تأثر بوتفليقة بعوالم والدته المهنية جعلته يفرض مصطلحه الشعبي هذا على المعاجم السياسية و الإعلامية و هو يذمّ يسخطه المعهود على المنظومة الصحفية في الجزائر . كان ترشحه لولاية خامسة بمثابة القشة التي قصمت ظهر -البَعْزيزْ- بالنسبة للشعب الجزائري، و الذي ابتكرت له كنية ساخرة بدوره، و تحوّل اسم الزعيم من “بوتفليقة” إلى “بوتَسريقَة/أو -بوسريقة-!(سريقة، كتصغير من باب السخرية لجرم -السّرقة-.
-خلال الإعلان الرسمي، وبحضور كبار المسؤولين في النظام، مُثِّل الرئيس الوهمي بصورة بسيطة مؤطرة استخفافا بالجزائريين!. في 22 فيفري، خرج مئات الآلاف من الناس فجأة إلى الشوارع في جميع أنحاء البلاد للتعبير عن سخطهم. لم يتوقع أحد هذا الحراك و هذه الانتفاضة. لقد طفح الكيل! لن يحكم (أحفاد جميع القدّيسين) إطار رئيس مستعار!.
*-تتحمّل النخب السياسية و الإعلامية (تاريخيا و حسب ميثاق الشرف) مسؤولية وقوفها متفرجة طيلة 6 سنوات من أفريل 2013 إلى مارس 2019، إذْ حُكِم الجزائر باسم رجل مجلوط دماغيا، يعاني شللا نصفيا!). 6 سنوات و العصابة تحتجز بشكل -مُقنّع- رجلا مُقعدا، عاجزا، كان مكانه الصحيح العناية المركزة في مشفى، لا أن يمثّل أو ينكّل به طيلة كل هذه المدة!.(ل.خ).
“Les élites politiques et médiatiques portent la responsabilité (historique et selon le code d’honneur) d’être restées passives pendant six ans, d’avril 2013 à mars 2019, tandis que l’Algérie était gouvernée au nom d’un homme victime d’un AVC et d’une hémiplégie ! Pendant six ans, ce -clan mafieux- a retenu en -captivité déguisée- un homme handicapé et médicalement inapte pour exercer ses fonctions, dont la place naturelle était aux soins intensifs dans un hôpital (par humanisme et respect de la personne), et non de le manipuler contre sa volonté et le maltraiter pendant tout ce temps !”(L.Khelfaoui)
-أسبوعًا بعد أسبوع، تحول الآلاف إلى ملايين. باتت كل شوارع الجزائر تطالب برحيله. حاولت دائرته المقربة بذل جهد أخير: رسالة تعد بالإصلاحات، و”مؤتمر وطني”، ثم إلغاء الانتخابات، وسحب ترشحه… قليل جدًا بالنسبة لتطلعات الشارع، بل متأخر جدًا. ثمّ تخلى عنه أنصاره واحدًا تلو الآخر. إلى أن جاءت الضربة القاضية من رئيس أركانه، الذي كان موالياً له و هو “قايد صالح”، في 25 مارس دعا الضابط العسكري المخضرم صراحةً إلى رحيله على الهواء مباشرة على قنوات التلفزيون الوطني. كأوّل مرة، فالتاريخ (هي أبدية مكررة)، أصبحَ محرومًا من دعم الجيش ومنبوذًا من جبهة التحرير الوطني، و من شعبه و ازداد كأوّل مرة (من ثمانينات القرن الماضي) عبد العزيز بوتفليقة عزلةً يومًا بعد يوم. تحوّل الدبلوماسي ساحر الجميع في الداخل و الخارج في السابق إلى “صنم بعد الإيمان ؛غير مرغوب فيه، يعيق المشهد العام”، أصبح شبيها بأبي الهول المصري sphinx d’Égypte. هذا “الصنم المقيت” الذي كان في سبعينيات القرن الماضي “تمثالا تذكاريا يُمجّدُ الجزائر، صار، مُحرجاً و مقلقا و مزعجاً حتّى حجبَ الأفق. هذا الصّنم اهتزّ ثم تهاوى و انهار متفتّتا على الأرض أخيراً تحت ضغط أقدام مسيرات الشعب الحاسمة، هندسها وعي شباب هذه الأمة بكل أطيافه”/.رحل الرجل بكل ما له و ما عليه و ظلّت الأمة الجزائرية واقفة كما السابق، أُمّة لا تزول بزوال الرجال. لا تنسوا نعيم (المصالحة، و الوئام الوطني، و السّلم المحقّق أيضاً)، لإنصاف إحسان “الرجل المهندس” لكل هذه المكاسب مهما حصل من جنون ، كما يحدث لدى بعض العظماء قبل أفولهم!. أليس فعل من كان سببا في حقن دماء -الأخوة-الخصوم- لشيء عظيم!.
-الأمة الجزائر مذ قبل التاريخ كانت أُمّة -مُوحّدة- ميّالة إلى الوحدة و التوحيد، مات معظم (أربابْ دزايرْ!)، و عاشت هيّ موحّدة و شامخة(رغم كلّ الظنون!).
——
-أفريل 2026
—————————
**تنبيه: هذا الملف (المخطوط) لم يتمّ -تدقيقه- لغويا، لِاصطياد الهفوات الرقنية من النّص بصفة نهائية.
*© كل التعابير و المصطلحات الغريبة عن المعجم العربي الكلاسيكي هي مصطلحات خاصة بمعجم الكاتب الخاص(ل.خ)، يجب ذكر مصدرها أثناء استعمالها احتراما للملكية الفكرية.
**-(ل.خ) (L.K)
*لخضر خلفاوي، أديب، مفكّر، مترجم، إعلامي و فنان تشكيلي (جزائري-فرنسي)
*Lakhdar Khelfaoui, écrivain, penseur, traducteur, journaliste et artiste peintre (Franco-algérien).
|
|||
|
|
|||
|
|
|||
|
|
|||
منبر العراق الحر منبر العراق الحر