منبر العراق الحر :
ليس التاريخ مجرد سردية للماضي، بل هو مرآة كاشفة للمآلات الحتمية. وحين نتأمل المشهد السياسي في عراق اليوم، وتحديداً سلوك القوى المهيمنة داخل الإطار التنسيقي ، نجد استنساخاً مرعباً للحظات احتضار الدولة الفاطمية في مصر يتكرر ؛ حيث تتحول النخبة الحاكمة من حامية للكيان إلى معول لهدمه من الداخل.
تأسست الدولة الفاطمية ممتدة من المغرب إلى قلب الشام والحجاز، مجسدةً ذروة التمدن الشيعي ببناء القاهرة والأزهر. ظلت قرنين ونصف تمثل قطباً حضارياً لا يضاهى، لكن بذور فنائها بدأت بخلل إداري تمثل في بروز الوزراء على حساب الخلفاء ويقابلها اليوم (بروز قادة الاحزاب على حساب رئيس الوزراء ) فحين بدأت القوى المتصارعة داخل البلاط في الدولة الفاطمية تبحث عن حاكم ضعيف ليكون مجرد واجهة تمنحهم الشرعية بينما يتحكمون هم بمقدرات الدولة، بدأت لحظة الانحدار. هذا المشهد يطل برأسه اليوم في العراق؛ حيث تصر الكتل على اختيار رئيس وزراء مُكبل لضمان بقاء نفوذها الحزبي، متناسية أن القمة حين تهتز، يسقط الهرم بأكمله.
في سنوات الفاطميين الأخيرة، شهدت مصر صراعاً محموماً بين الوزيرين شاور وضرغام؛ صراعاً شخصياً وجودياً على المنصب. وحين عجز الطرفان عن حسمه داخلياً، لجأا إلى الخيار الانتحاري باستدعاء القوى الخارجية؛ فاستعان أحدهما بالصليبيين، والآخر بنور الدين محمود في حلب. كان هذا التنافس على استجداء الخارج هو رصاصة الرحمة التي أُطلقت على جسد الدولة. واليوم، نرى في بغداد صراعاً مشابهاً داخل البيت الواحد؛ خصومات تفتح الأبواب مشرعة للتدخلات الإقليمية والدولية، حيث يصبح الوطن مجرد ورقة تفاوضية في سبيل البقاء السياسي المنفرد.
أدى هذا الوهن الإداري لتمهيد الطريق لبروز القوى البديلة. وجاء صلاح الدين الأيوبي كوزير أدرك تآكل الكيان من الداخل، فانتهى الأمر بإنهاء الدولة واجتثاث وجودها بأساليب قاسية شملت العزل التام للفاطميين في معسكرات ومحاولات قطع النسل. ورغم ما يشاع عن بطولات تلك المرحلة، إلا أن الحقيقة تظهر أن التحولات الكبرى لم تكن لتحدث لولا الفراغ الذي تركه صراع الوزراء.
إن استمرار القوى السياسية في العراق بتهج إضعاف المركز والبحث عن رئيس وزراء بلا مخالب هو دعوة صريحة لانتشار الضعف العام والانهيار الاقتصادي. والفساد . إن المأزق الذي يعيشه الإطار التنسيقي اليوم هو مأزق الوزارة التي خذلت الدولة الفاطمية وإذا لم يدرك حكماء القوم أن القوة في وحدة المركز وهيبته، فإن النهايات لا يصعب توقعها. إن سقوط القاهرة الفاطمية لم يكن بفعل السيف الأجنبي فحسب، بل كان بفعل الانتحار الذاتي لنخبتها.. فهل تتعظ بغداد قبل فوات الأوان؟
منبر العراق الحر منبر العراق الحر