منبر العراق الحر :
في مدينةٍ لا تحتفظ بأسماء ساكنيها، كانت ليان تمرّ دون أن يثبتها شيء. لم تكن وحيدة، لكن حضورها كان خفيفًا، كأنها تعيش على الحافة دون أن تسقط. كانت تُنجز يومها بهدوءٍ متقن، وتترك ما بداخلها معلّقًا، كما لو أن الشعور يمكن تأجيله دون ثمن.
كانت تكتب، لا لتفهم، بل لتبقي شيئًا ما قريبًا منها. جمل قصيرة، بدايات بلا نهايات، وأسماء لا تعود إلى أحد. كأن حياتها تُكتب بنصف وعي.
لكن الليل لم يكن يمرّ مثل غيره. حين تغمض عينيها، لا تحلم، بل تعود إلى مكانٍ لا زمن فيه، ولا حاجة فيه لأن تبدأ الأشياء أو تنتهي. هناك، كانت تُدعى أورِيل.
لم يكن الصمت في ذلك العالم غيابًا، بل كثافة تملأ كل شيء. كانت الأرواح تأتي دون صراخ أو شكوى، تقترب فقط، وتترك ما لم تستطع حمله: ذكرى ناقصة، كلمة انقطعت، إحساسًا بلا اسم. وكانت أورِيل تستقبلها، لا بدافع الإنقاذ ولا الرحمة، بل لأن شيئًا فيها كان يعرفها؛ كأن الألم، إذا فقد صاحبه، يبحث عمّن يشبهه.
حتى تلك الليلة، لم تقترب الروح. وقفت بعيدًا بثباتٍ لا ينتظر شيئًا. اقتربت أورِيل وسألت: “من أنتِ؟” فأجابت: “أنا ليان.”
لم ينكسر العالم، لكن شيئًا أعمق انفتح. عادت غرفة صغيرة، باب مغلق، وصوت لا يُفهم لكنه يُؤلم. طفلة تجلس على الأرض، وفي يدها صورة ممزقة؛ نصفها معها، والنصف الآخر غائب. لم تبكِ، نظرت فقط إلى ما بقي، وإلى الفراغ. في تلك اللحظة، لم تختفِ مشاعرها، بل انقسمت. بقيت ليان خفيفة بما يكفي لتعيش، وذهبت أورِيل حاملة ما لا يُحتمل.
عادت إلى الحاضر، وقالت أورِيل: “تركتِني.” أجابت ليان بهدوء: “ظننت أنني أنجو.” فقالت أورِيل: “وأنا عشت ما تركتِه.” ساد صمت، لكنه لم يكن فراغًا هذه المرة، بل شيئًا يشبه الحقيقة. سألت: “هل تعبتِ؟” فأجابت: “منذ البداية.” قالت ليان: “وأنا لم أشعر منذ ذلك اليوم.” اقتربت أورِيل خطوة وقالت: “لا أحد منا نجا.”
في العالم الواقعي، كانت ليان جالسة أمام دفترها. القلم بين أصابعها، والصفحة تنتظر. أغمضت عينيها، فعاد الألم بلا مسافة. ضاق صدرها، وتسارعت أنفاسها، وكادت تتراجع. كان بإمكانها أن تعود كما كانت: هادئة، خفيفة، ناقصة. لكن صوتًا صغيرًا قال: “هذا أنا.”
لم يكن قويًا، لكنه لم يتردد. بكت، لا لتفهم ولا لتسيطر، بل لأن البكاء حدث. وحين هدأت، لم يختفِ الألم، لكنه لم يعد غريبًا.
فتحت عينيها، ولم تعد ليان فقط، ولا أورِيل فقط، بل الاثنتين معًا. نظرت إلى الصفحة، وكتبت:
“لم أنجُ حين انقسمت، كنت فقط أؤجل السقوط. واليوم، لا أبحث عن النجاة… أنا أبقى.”
ومنذ ذلك اليوم، لم تعد الكتابة محاولة للفهم، بل طريقةً للوجود. فبعض القصص لا تُكتب لتُقرأ، بل لتُعيد أصحابها إلى أنفسهم. وهذه كانت واحدة منها
رانية مرجية – تلفون 7077060-054
كاتبة اعلامية وموجهة مجموعات
منبر العراق الحر منبر العراق الحر