إيران والإعدامات: إقليم كردستان في مرمى الاتهامات… حمزة عثمان /أمريكا

منبر العراق الحر :في الوقت الذي تشهد فيه المنطقة توترات متصاعدة وحروبًا مفتوحة على احتمالات متعددة، تواصل السلطات الإيرانية سياسة الإعدامات كأداة حاضرة في إدارة الداخل، حيث أعلنت مؤخرًا إعدام شخصين . هذا الحدث ليس معزولًا، بل يأتي ضمن سياق أوسع من الخطاب الأمني الذي تتبناه طهران منذ عقود، والذي يقوم على اتهام “الآخر” بالتآمر، سواء كان داخليًا أو خارجيًا.
من الواضح أن اتهامات التآمر ليست مجرد رد فعل ظرفي، بل تمثل استراتيجية خطابية مستدامة لدى النظام الإيراني. هذه الاستراتيجية تهدف إلى خلق حالة من الهواجس والقلق داخل المجتمع، بما يساهم في ضبطه سياسيًا وأمنيًا. فحين يشعر المواطن بأن بلاده مستهدفة باستمرار من قوى خارجية، يصبح أكثر قابلية لتقبل الإجراءات الصارمة، بما فيها الإعدامات والتضييق على الحريات.
غير أن المفارقة هنا تكمن في أن إيران، التي تكثر من اتهام الآخرين بالتآمر، تمارس بدورها تدخلات واسعة في شؤون دول أخرى. فمنذ عقود، لعبت طهران أدوارًا مباشرة وغير مباشرة في دول مثل لبنان واليمن وسوريا والعراق، بل وتجاوز نفوذها الإقليمي ليصل إلى بعض دول أمريكا اللاتينية. هذا التناقض بين الخطاب والممارسة يطرح تساؤلات جدية حول طبيعة هذه الاتهامات ودوافعها الحقيقية.
في كثير من الأحيان، تفتقر الاتهامات الإيرانية إلى الأدلة والوثائق الموثوقة، وتبدو أقرب إلى أدوات سياسية تُستخدم لتبرير الإخفاقات الداخلية والخارجية. وليس من قبيل المصادفة أن تتزامن هذه الاتهامات مع أزمات اقتصادية خانقة أو اضطرابات سياسية داخلية، حيث يتم توجيه الأنظار نحو “عدو خارجي” لصرف الانتباه عن الأزمات الحقيقية.
ضمن هذا السياق، يبرز إقليم كوردستان كهدف متكرر في الخطاب الإيراني. ويمكن تفسير ذلك بعدة عوامل، أبرزها إدراك طهران لغياب حماية سيادية كاملة للإقليم من قبل الحكومة الاتحادية العراقية، ما يجعله أكثر عرضة للضغوط. كما تسعى إيران من خلال هذه الاتهامات إلى خلق حالة من الذعر داخل الأوساط الكردية، خاصة أن الكرد في إيران يُعدّون من أكثر القوميات تعرضًا للقمع، وبالتالي الأكثر قابلية للاحتجاج والمعارضة.
الأمر اللافت أن هذه الاتهامات تتناقض مع التصريحات الرسمية الإيرانية التي تؤكد على متانة العلاقات مع إقليم كوردستان والتعاون المشترك في ملفات متعددة. هذا التناقض يعزز الشكوك حول جدية تلك الاتهامات، ويشير إلى أنها تفتقر إلى أسس موضوعية.
كما أن سجل إقليم كردستان السياسي والأمني لا يدعم هذه الادعاءات. فمنذ نشأته قبل نحو ثلاثة عقود، لم يُعرف عن الإقليم تدخل في شؤون الدول الأخرى، بل على العكس، كان طرفًا فاعلًا في جهود الوساطة والتعاون الإقليمي. من الاتفاقيات الأمنية مع إيران نفسها، إلى الوساطات بين تركيا وحزب العمال الكوردستاني، وصولًا إلى التعاون الإيجابي مع السلطات الجديدة في سوريا، كلها شواهد على نهج قائم على الاستقرار والانفتاح.
ما يبدو أنه يقلق إيران فعليًا ليس “نشاطًا أمنيًا معاديًا” بقدر ما هو النموذج الذي يمثله إقليم كوردستان. فهذا النموذج، القائم على الفيدرالية والتكامل بين المركز والأطراف، وعلى قدر من الحريات المدنية والتمثيل السياسي، يشكل مثالًا قد يُلهم شرائح داخل إيران نفسها، وهو ما تعتبره طهران تهديدًا غير مباشر.
في هذا الإطار، يمكن فهم التصعيد الخطابي الإيراني كتمهيد لتبرير سياسات أكثر عدوانية، بما في ذلك استهداف مواقع مدنية أو أمنية داخل الإقليم. وهذه ليست مجرد فرضيات، بل وقائع شهدها الإقليم في أكثر من مناسبة، ودفعت ثمنها أرواح مدنيين.
وفي المحصلة ، تبدو الإعدامات الأخيرة كحلقة جديدة في سلسلة طويلة من توظيف الأمن والقضاء في خدمة خطاب سياسي يسعى إلى تثبيت الداخل وتبرير التحركات الخارجية. وبينما تستمر “المقصلة” في عملها، يبقى السؤال الأهم: إلى أي مدى يمكن لهذا النهج أن يستمر دون أن يفاقم الأزمات التي يسعى إلى احتوائها؟

اترك رد