منبر العراق الحر :
في الدول التي تمر بمراحل انتقالية أو تعيش هشاشة سياسية، غالباً ما يُنظر إلى كثرة القنوات الفضائية والمؤسسات الإعلامية بوصفها دليلاً على الديمقراطية وحرية التعبير. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل العدد الكبير من المنابر الإعلامية يعكس بالفعل نضجاً سياسياً ومجتمعياً، أم أنه تحول تدريجياً إلى حالة من الفوضى المنظمة وتشتيت الرأي العام؟
لقد أصبحت بعض الدول تعيش تضخماً إعلامياً يفوق حاجتها الحقيقية، حتى بات المواطن يستيقظ وينام وسط سيل من الأخبار والتحليلات والتصريحات المتناقضة، في مشهد يكاد يفقد فيه الخبر قيمته ومعناه. الأخطر من ذلك أن المواطن نفسه تحول في كثير من الأحيان إلى “الخبر”، لا بسبب أهمية الحدث، بل لأن الفراغ الإعلامي والسباق المحموم على الإثارة يدفع بعض المؤسسات إلى صناعة القصص من تفاصيل الحياة اليومية للناس.
في التجارب الحديثة، لا يمكن قياس قوة الإعلام بعدد القنوات، بل بمدى تأثيرها ومهنيتها وقدرتها على تقديم محتوى حقيقي يخدم الدولة والمجتمع. فالعلاقة بين كثرة المؤسسات الإعلامية والاستقرار السياسي ليست دائماً علاقة طردية كما يعتقد البعض، بل تبدو في أحيان كثيرة علاقة عكسية، خصوصاً عندما ترتبط هذه المؤسسات بعدد كبير من الأحزاب والتيارات السياسية المتصارعة.
كل حزب يريد قناته، وكل تيار يبحث عن منبره، وكل شخصية تحاول تأسيس وسيلة إعلامية خاصة بها، فتتحول الشاشة من مساحة لنقل الحقيقة إلى ساحة للصراع السياسي وتصفية الحسابات. ومع مرور الوقت، يصبح الإعلام جزءاً من الأزمة بدلاً من أن يكون أداة للحل.
وفي عصر الإعلام الرقمي، لم تعد المشكلة مقتصرة على القنوات الفضائية وحدها، بل تضاعفت مع منصات التواصل الاجتماعي التي منحت الجميع القدرة على البث والتأثير وصناعة الرواية. وهنا أصبح التنافس لا يقوم على جودة الخبر، بل على سرعة الانتشار وعدد المشاهدات وحجم الإثارة. ومع غياب الضوابط المهنية، تحولت بعض المنصات إلى مصانع يومية للجدل والانقسام، حتى باتت الحقيقة نفسها ضحية سباق “الترند”.
ولعل أخطر ما تواجهه المجتمعات اليوم لايكمن في نقص المعلومات، بل فائضها. فحين تتكدس الأخبار وتتضارب الروايات، يفقد المواطن قدرته على التمييز بين الحقيقة والدعاية، بين التحليل والتوجيه، وبين الإعلام المهني والإعلام الممول سياسياً. وهنا يتحول الإعلام من وسيلة لبناء الوعي إلى أداة لإرباكه.
من خلال زياراتي إلى عدد من دول الخليج وآسيا وأوروبا، كان واضحاً أن الاستقرار هناك لا يبدأ فقط من الاقتصاد أو الأمن، بل من وجود سياسة إعلامية متوازنة. في كثير من تلك الدول، لا توجد حالة التضخم الإعلامي التي نراها في بعض بلدان الشرق الأوسط، بل يتم التركيز على قنوات ذات تخصصات واضحة؛ اقتصادية، سياحية، ثقافية، أو خدمية، مع حضور سياسي محسوب لا يطغى على حياة الناس اليومية.
في بعض دول الخليج مثلاً، جرى توجيه الإعلام نحو دعم الاقتصاد والسياحة والاستثمار وإبراز صورة الدولة التنموية، بينما اختارت دول أوروبية عديدة دعم المؤسسات الإعلامية الكبرى القادرة على الحفاظ على المهنية والاستدامة، بدلاً من فتح المجال أمام عشرات المنابر الصغيرة المرتبطة بالاستقطاب السياسي أو التمويل الحزبي.
هناك إدراك عميق في تلك التجارب بأن الإفراط في التسييس الإعلامي يخلق مجتمعات متوترة ومشحونة باستمرار، بينما الإعلام المتزن يساهم في بناء بيئة مستقرة تشجع الاستثمار والسياحة والثقة العامة. فالدولة التي تتحول فيها نشرات الأخبار إلى ساحات معارك يومية، تفقد تدريجياً صورة الاستقرار حتى وإن امتلكت كل المقومات الأخرى.
حرية التعبير تبقى حقاً أساسياً لا يمكن المساس به، لكن الحرية لا تعني الفوضى، كما أن التعدد لا يعني بالضرورة الجودة. التقنين هنا لا ينبغي أن يُفهم بوصفه تقييداً للرأي، بل تنظيماً للمشهد الإعلامي بما يضمن المهنية ومنع التحريض وحماية الوعي العام من الانقسام والتضليل، عبر قوانين واضحة وهيئات مستقلة ومعايير مهنية تحاسب المسيء وتحمي الإعلام الحقيقي.
وبالعودة إلى التاريخ نرى أن الدول الناجحة لم تبنِ قوتها عبر تضخيم الضجيج الإعلامي، بل عبر بناء إعلام مسؤول يعرف كيف ينقل الحقيقة دون أن يحول المجتمع إلى ساحة صراعات مفتوحة على مدار الساعة. وفي عالم أصبحت فيه الصورة والخبر يصنعان مصير الدول، ربما بات من الضروري إعادة التفكير: هل نحتاج إلى المزيد من القنوات… أم إلى المزيد من الحكمة؟
منبر العراق الحر منبر العراق الحر