تمالكوا ظلالَكم: قراءة في تفكك الوطن داخل قصيدة ريما حمزة …. رانية مرجية

منبر العراق الحر :

في هذه القصيدة للشاعرة السورية ريما حمزة لا يظهر الوطن بوصفه معنى جاهزًا أو فكرة مستقرة، بل بوصفه كيانًا لغويًا ونفسيًا في حالة تفكك دائم، يعيد إنتاج انهياره داخل اللغة ذاتها. لذلك لا يشتغل النص على سؤال “ما الوطن؟” بقدر ما يشتغل على تفكيك إمكانية هذا السؤال من الأساس: كيف يمكن لفكرة الوطن أن تستمر حين تتآكل شروطها الداخلية في اللغة والوعي والذاكرة؟

 

منذ الافتتاح «بضعٌ… ووطنٌ» ندخل في بنية لغوية تقوم على الكسر لا الاكتمال. الجملة لا تُبنى بقدر ما تتعثر، وكأن المعنى نفسه فقد ثقته في انتظامه. هذا التشظي الأول ليس تقنية أسلوبية، بل علامة على أزمة أعمق: اللغة لم تعد وسيطًا آمنًا للمعنى، بل صارت فضاءً هشًا يكشف حدود القدرة على التسمية. الفانوس القاحل في يمين المشهد لا يحيل إلى العتمة فقط، بل إلى نور فقد وظيفته الجوهرية: الهداية. يصبح الضوء هنا مجرد أثر، حضور بلا اتجاه، وإشارة لا تقود إلى شيء.

 

يتحوّل الوطن تدريجيًا إلى بنية شعورية مشروخة: «جملة هروب مرتبكة»، «وجهة نظر»، «كرة خارج شباك الراحة». هذه ليست استعارات زخرفية، بل علامات على انتقال الوطن من كونه كيانًا جمعيًا متماسكًا إلى كونه اضطرابًا في الوعي الفردي والجمعي معًا. لم يعد مكانًا يمكن العودة إليه، بل فكرة تتنازعها حالات النجاة والخوف والإنكار في آن واحد.

 

السؤال «هل هذا وطن؟» لا يطلب إجابة، بل يكشف استحالة الإجابة. إنه لحظة انهيار في معيار الحقيقة، حين يفقد السؤال وظيفته الاستفهامية ويصبح علامة على عجز اللغة عن تثبيت أي يقين. ومن هنا تأتي الصيغة الأكثر قسوة: «ألبوم فتاوى ورصاص». هنا لا يتجاور المقدس مع العنف بوصفه تناقضًا، بل بوصفه بنية واحدة لإنتاج الحقيقة القاتلة، حيث تتحول اللغة إلى جهاز سلطة يعيد تشكيل الواقع بين التبرير والإقصاء.

 

في العمق النفسي للنص، يتحول الجسد إلى مساحة كتابة مؤلمة: «لوّنتُ دمي بالأسئلة المُحرِجة». السؤال هنا لم يعد أداة تفكير، بل تجربة وجود تُنقش على الجسد نفسه. المعرفة تفقد حيادها وتتحول إلى عبء داخلي، والوعي لم يعد نافذة على العالم، بل ثقلًا يضغط على صاحبه من الداخل، حتى يصبح التفكير شكلًا من أشكال الاستنزاف.

 

وتبلغ القصيدة ذروتها في المفارقة التالية: «الوطن خاسر… جملة خاطئة… لكنها صائبة جدًا». هنا يتفكك مفهوم الصواب ذاته. لم يعد معيارًا منطقيًا أو أخلاقيًا ثابتًا، بل انقسامًا داخليًا بين ما يدينه العقل وما يعجز القلب عن التخلي عنه. يمكن للوطن أن يكون خطأً سياسيًا وأخلاقيًا، لكنه يظل صحيحًا بوصفه قدرًا عاطفيًا لا يمكن تجاوزه. هذه الازدواجية ليست تناقضًا بل بنية وجودية: أن تعي فساد ما تنتمي إليه، ومع ذلك لا تستطيع نفيه.

 

أما عبارة «المستقر في جنوب الله» فهي انزياح ميتافيزيقي ينقل الوطن من الجغرافيا إلى أقصى الهامش الكوني، إلى منطقة غياب رمزي دائم. الجنوب هنا ليس اتجاهًا، بل حالة سقوط خارج خرائط العدالة والمعنى، حيث يصبح الوجود نفسه معلقًا في فراغ لا يَعِد بالخلاص ولا يفسّر الألم.

 

وفي الخاتمة، تتعرّى اللغة من كل أشكال التلطيف. لا ضحك قادر على تجاوز السؤال، ولا خطاب قادر على احتوائه. ينتهي النص إلى عُري وجودي صارم: «لا فطرة لك… غير هجير في أقصى الروح». إنها صورة الإنسان حين يُترك بلا سند رمزي، بلا ماء داخلي يخفف احتراقه، في مواجهة ذاته بوصفها صحراء ممتدة لا نهاية لها.

 

بهذا لا تكتب القصيدة عن وطن مفقود، بل عن انكسار فكرة الانتماء حين تتحول إلى عبء وجودي وأخلاقي في آن، وحين يصبح السؤال نفسه الشكل الأخير الممكن للبقاء دون عالم لم يعد يثبت سوى ارتباكه


تمالكوا ظلالَكم
ريما حمزة
بضعٌ …. و وطنٌ
في يمينهِ فانوسٌ قاحلٌ
وفي يسارهِ جملةُ هروبٍ مرتبكةٌ
هو يومٌ كسابقهِ
ومَنْ تساوى نَدَماهُ
هوتْ ملامحُهُ في خرَسِ الأسئلةِ
هو وجهةُ نظرٍ
أو قُلْ ، بدلاً من ذلك
كرةٌ خارجَ شباكِ الراحةِ
هل هذا وطنٌ ؟! ….
أم ألبومُ فتاوى ورصاصٍ
لوّنتُ دمي بالأسئلةِ المُحرِجةِ
للعمرِ رصاصةٌ واحدةٌ
موجّهةٌ صوبَ رأسي
إنّها بكلِ صعوبةِ هذا الوطنِ
المستقِرِّ في جنوبِ اللهِ
الوطنُ خاسرٌ
جملةٌ خاطئةٌ
كوجهي المشظّى بأسانيدَ مُعتبرةٍ
لكنها جملةٌ صائبةٌ جداً
كقلبي المذبوحِ
في علنِ الفتحِ الظاهرِ في تنوينِ الخسارةِ
هو ريشةٌ في مهبِّ الشعراءِ
وفي مهبِّ الشهداءِ
سؤالٌ صعبٌ
لن تعبرَ شعابَ السؤالِ
بالضحكِ المُزوّرِ
أو بالقصائدِ المُترهلة بالوجع
لن تتسعَ الفطرةُ لفعلينِ في جرأةٍ واحدةٍ
لا فطرةَ لك ….
غيرُ هجيرٍ في أقصى الروحِ ..

رانية مرجية – تلفون 7077060-054

كاتبة اعلامية وموجهة مجموعات

اترك رد