«كش ملك لإيران …أم لترامب؟» “قراءة استراتيجية في معركة السرديات”…الدكتور ثائر العجيلي

منبر العراق الحر :

في الشرق الأوسط، لا تُقاس الحروب دائمًا بعدد الصواريخ التي أُطلقت أو المدن التي دُمّرت، بل بمن ينجح في فرض روايته بوصفها “الحقيقة النهائية”. ولهذا، فإن الجدل الذي أثاره مقال Robert Kagan بعنوان “Checkmate in Iran” لم يكن مجرد نقاش أكاديمي حول حرب أو أزمة، بل تحوّل إلى معركة أعمق:
من الذي وقع فعلاً في “الكش ملك”؟
إيران… أم ترامب… أم الجميع معًا؟

المقال الذي نشرته The Atlantic قدّم رؤية شديدة القسوة تجاه الأداء الأميركي، واعتبر أن واشنطن دخلت مواجهة لا تستطيع إنهاءها بشروط انتصار واضحة، وأن مجرد بقاء النظام الإيراني، مع استمرار قدرته على تهديد مضيق هرمز وأسواق الطاقة، يعني أن الولايات المتحدة لم تحقق أهدافها السياسية الكبرى، وفي مقدمتها كبح المشروع النووي والصاروخي الإيراني. (theatlantic.com)

لكن تحويل هذا الطرح مباشرة إلى “انتصار إيراني حاسم” يبقى تبسيطًا مضللًا أيضًا.

فالواقع أكثر تعقيدًا من خطابَي “النصر الكامل” و”الهزيمة المطلقة”.
إيران تعرّضت لخسائر عسكرية واقتصادية وأمنية هائلة، وفقدت جزءًا من بنيتها الردعية، وتعرضت منشآتها وقياداتها لضربات غير مسبوقة. وفي المقابل، وجدت واشنطن نفسها أمام معضلة كلاسيكية في حروب الشرق الأوسط:
التفوّق العسكري لا يعني بالضرورة القدرة على إنتاج نهاية سياسية مستقرة.

وهنا تكمن جوهر الأزمة.

فالإدارة الأميركية دخلت المواجهة وهي تتحدث عن:

◾️كبح المشروع النووي والصاروخي،

◾️تحجيم النفوذ الإقليمي الإيراني،

◾️واستعادة الردع الأميركي.

لكن بعد أشهر من التصعيد، ما زالت إيران حاضرة في المعادلة، وما زال مضيق هرمز ورقة ضغط عالمية، وما زال الحرس الثوري جزءًا من المشهد لا من الماضي. ولهذا بدأت تظهر داخل الإعلام ومراكز التفكير الأميركية تساؤلات ثقيلة:
هل تحولت الحرب من مشروع استعادة الهيبة الأميركية إلى اختبار جديد لحدود القوة الأميركية نفسها؟ (reuters.com)

وفي المقابل، فإن الخطاب الإيراني الذي يصوّر المشهد وكأنه “هزيمة أميركية تاريخية” يتجاهل بدوره حقيقة أن طهران خرجت من المواجهة أكثر إنهاكًا، وأكثر اعتمادًا على إدارة الأزمات لا على تصدير القوة. فالدولة التي تضطر لتحويل مضيق هرمز إلى ورقة تهديد دائم، ليست بالضرورة في موقع “المنتصر الواثق”، بل قد تكون أيضًا في موقع من يبحث عن توازن يمنع الانهيار الكامل.

فالتاريخ الأميركي في الشرق الأوسط يُظهر أن التفوق العسكري لا يضمن دائمًا إنتاج نظام إقليمي مستقر أو موالٍ لواشنطن. فالولايات المتحدة أسقطت جيوشًا ودولًا خلال أسابيع، لكنها واجهت لاحقًا معضلة إدارة ما بعد القوة. ومن هنا، فإن الحديث عن “كش ملك” لإيران أو لترامب يبقى مبكرًا؛ لأن السؤال الحقيقي لا يتعلق بمن يملك القدرة على الضرب فقط، بل بمن يستطيع تحويل القوة العسكرية إلى معادلة جيوسياسية قابلة للاستمرار.

ولهذا، فإن أخطر ما في الشرق الأوسط ليس الحرب نفسها فقط، بل “وهم الانتصار”.
كل طرف يحتاج إلى إعلان الفوز:

◾️واشنطن لحماية صورة القوة العظمى،

◾️وطهران لحماية صورة الصمود،

◾️وإسرائيل لتثبيت الردع،

◾️وحتى القوى الإقليمية الأخرى تحتاج رواية خاصة بها لتبرير التموضع الجديد.

لكن التاريخ الاستراتيجي للمنطقة يقول شيئًا مختلفًا:
كثير من الحروب هنا لا تنتهي بانتصار واضح، بل باستنزاف طويل يعيد تشكيل المنطقة تدريجيًا.

ولهذا ربما يكون السؤال الأدق ليس:
“من انتصر؟”

بل:
“من يستطيع تحمّل كلفة المرحلة القادمة أكثر من الآخر؟”

لأن الشرق الأوسط لا يمنح “كش ملك” سريعًا لأحد.
إنه غالبًا يفتح رقعة شطرنج جديدة…

فوق رقعة لم تُغلق أصلًا.

اترك رد