منبر العراق الحر :
جاء متعبا”
كمن يحمل عمره على كتفيه
ويخفي في عينيه
خراب مدن كاملة.
لم يطلب الكثير…
فقط
كلمة واحدة.
قالها بصوت
يشبه انكسار الناجين قوليها…
وكان يعرف
أن الكلمة التي تنتظر على شفتيها
أخطر من النجاة.
وقفت أمام ارتباكها
كغصن مبتل بالمطر
تجمع شتات قلبها
وتقاوم رعشة المعنى.
هي التي خبأته
في أكثر زوايا الروح دفئا”
وألبسته سرا”
ثوب القداسة
كيف لها الآن
أن تنطق بما يهدمه؟
كان بينهما
عمر كامل من الصمت
ومسافات
تعجز الطرق عن اختصارها.
لكنه ظل يقترب منها
كلما ابتعد العالم.
وكانت كلما حاولت النجاة
أعادها قلبها إليه.
حين بلل الدمع وجنتيه
شعرت أن السماء كلها
تهبط مكسورة أمامها.
قال اجبري خاطري…
فارتجفت الحروف
في حلقها
كطيور صغيرة
أضاعتها العاصفة.
ثم همست أخيرا”
حبيبي.
وفي اللحظة نفسها
سمعت شيئا” هائلا”
ينهار داخلها.
كأن الكلمة
لم تخرج من شفتيها
بل خرجت من عمر كامل
كانت تخبئه عنه.
ابتسم…
تلك الابتسامة الحزينة
التي تشبه وداعا” أخيرا”
ثم قال بصوت
أكل التعب أطرافه
الآن فقط
أدركت أن بعض الأمنيات
حين تتحقق
تقتلنا.
وأطرق طويلا”…
كمن يرى
أحلامه وهي تتساقط أمامه
وردة بعد أخرى.
قال ..كنت أبني لك في قلبي
بيتا” من الضوء
وأعلق على نوافذه
كل الفصول التي حلمنا بها.
كنت أظن الحب
ينقذنا…
لكنه كان يؤجل موتنا فقط.
ثم رفع عينيه إليها
وكان الحزن فيهما
أعمق من الكلام.
قال قتلتني.
لم يصرخ
لم يغضب
لكنه قالها
كحقيقة أخيرة
لا تقبل النجاة.
قتلتني
حين منحتني
ما انتظرته طويلا.”
عندها فقط
فهمت متأخرة
أن بعض الكلمات
لا تأتي متأخرة فحسب…
بل تأتي
كجنازة كاملة.
تراجعت خطواتها
كأن الأرض لم تعد تعرفها
وشعرت أن القصائد كلها
تفقد أصواتها دفعة واحدة.
أي خراب هذا
الذي تصنعه كلمة؟
وأي قلب هش
يمكنه النجاة
بعد هذا الاعتراف؟
أحبته
كما تحب الأرواح الأشياء المستحيلة
بخوف
وبرجاء
وبذلك اليقين الحزين
الذي يشبه البكاء.
وكان يحبها
كآخر نجمة
يراها الغريق
قبل أن يبتلعه البحر.
لكن الأحلام
لا تنجو دائما.
بعضها
ينهار بصمت
قبل المغيب بقليل…
وقبل أن تطفئ العتمة
وجه القمر.
( نبيله علي متوج )
منبر العراق الحر منبر العراق الحر