منبر العراق الحر :
تشكل وسائل الإعلام مصدرا مباشرا للتنمية المعلوماتية بهدف الوصول لمعرفة الحقيقة. ولها دور مؤثر في حياة المجتمع ويقظته الفكرية والثقافية والوطنية. أيضا “عامل” مهم للرأي العام، الذي يشاركها صناعة الحدث بنشاط في مجالات مختلفة، خاصة الأحداث السياسية والثقافية والمجتمعية المتعلقة بالمصالح الاقتصادية العامة ومحيطها المجتمعي.
لا أحد يستطيع أن ينكر بأن معظم وسائل الإعلام في بلدنا تتأثر بسلوك ومواقف أصحاب السلطة وقراراتها السياسية المثيرة للجدل. فلا عجب إذن أن مصطلح “ديمقراطية وسائل الإعلام” الذي يروج له أصحاب السلطة لا وجود له من الناحية الموضوعية والقانونية والمادية. وتؤكد الوقائع والمواقف السلوكية، بأنه شعار ساذج، لا قيمة له في الأوساط العامة، وفي المؤسسات الإعلامية ومنظمات المجتمع المدني.
السؤال الذي يطرح نفسه على ضوء المتغيرات السياسية وهيكلها الطائفي الذي يتناقض بالأساس مع مفهوم الديمقراطية: إذا جاز أن تكون “وسائل الإعلام في العراق” ديمقراطية، ألا ينبغي أن نتحدث – بشكل واضح ـ عن تسلط الأحزاب على وسائل الإعلام؟ والسؤال الثاني: من هي أصلا بنظر صاحب القرار، وسائل الإعلام الديمقراطية هذه؟.
المشهد الإعلامي العراقي في منهجه وأسلوبه في السنوات الأخيرة، لم يعد نوعاً ما إعلاما وطنيا رصينا. ولسوء الحظ، أصبح العديد من وسائل الإعلام يخضع إلى حد كبير لمؤسسات حزبية فاسدة “كارتيلات” احتكارية مافيوية تابعة لمتنفذين في أجهزة الدولة وأحزاب السلطة وشركائهم، ولم يعد هناك إلا قليل من دور الصحافة والنشر والإعلام المستقلة. ومع مرور الوقت، أصبح، مئات الصحفيين العراقيين العاملين في وسائل الإعلام المختلفة، أبواق لتلك المؤسسات وأصحابها على حساب الحقيقة والمبادئ والقيم الوطنية والمجتمعية وشرف المهنة وأخلاقياتها.
لكن أي نوع من الناس، هؤلاء الذين يسيطرون على مراكز وشبكات الإعلام العراقية التي تشكل مصدرا مهما للرأي؟… فهل يصدق أن “مليونيرا” لا تعرف مصادر أمواله يمتلك مؤسسات إعلامية تحتكر عملها لمصالح مشبوه، أن يفكر باحتياجات المواطن العادي ومصائبه؟ أو يحكم على الأمور المتعلقة بالصالح العام بموضوعية؟. السؤال الأهم: هل المخيرون للعمل على نمط التوظيف لا على أساس مفردات المهنة وسلوكياتها الأخلاقية، مستعد لأن يتنازل عن جزء مما يكسبه من رواتب وامتيازات، أو يتحمل جزء من المسؤولية القيمية لأجل كلمة حق واحدة تتعلق بمعاناة المسحوقين الذين يتسكعون بين أماكن القمامة دون مأوى؟…
إذن ما يهم هؤلاء، ليس المصلحة العامة. إنما هيكلة ملكية المؤسسة لرئيس إدارتها الذي لا يسمح لأي رأي يخالف مصالح الطبقة الممولة حتى بشكل مستقل نسبيا.
بالطبع، يعرف كل محرر إعلامي الموقف السياسي الأساسي لرئيسه والجهات التي تقف وراءه، وبدوره أي “المحرر” الذي يُعين وفق معايير الولاءات سيتعرض في النهاية إلى دوامة من التبعيات الذاتية والأمنية والنفسية، وفقدان المعايير الأخلاقية. هذه الإشكاليات، أدت في سوق العمل إلى تنافس بأي ثمن بين الصحفيين العراقيين، وإنتاج إعلاميين انتهازيين لا مبالين بهموم المواطن ومصالح الوطن… إذن لا تأثير “للديمقراطية الإعلامية” الوهمية على هذا السلوك، بقدر ما “للمال السياسي مجهول المصادر” الذي أصبح يتحكم بالإعلام شأنه شأن المنظومة السياسية وتفسيرها لمفهوم الديمقراطية ومصادرها الكونية؟.
بالتأكيد، لا يمكن تجاهل، أن لهذه المجموعات الإعلامية الديمقراطية؟ مصالح أحادية الجانب في العراق، تؤثر بشكل كبير على السياسة. ولا يمكن للسياسة أن تنفصل عن سيطرتها على هذه الوسائل الإعلامية وتحديد مساراتها في الاتجاه الذي تريد. وبما أن الأحزاب المتسلطة بحاجة إلى المصداقية السياسية للحد من إنهيارها، لابد لها أن تنتج إعلام شعبوي تابع ـ يدافع ـ حتى الرمق الأخير عن أساليبها الديماغوغية حتى إن كانت زورا أو لا قيمة لها أصلا.
معظم أحزاب السلطة ووسائل إعلامها، تدرك أن نظمها المؤسساتية الإعلامية والسياسية بحاجة مستمرة إلى كوادر صحفية إضافية لزيادة قدرات احتكار سوق الإعلام المضاد إلى حد كبير. يعمل على تسويف مطالب الشعب وتزييف الحقائق والترويج لصاحب السلطة، وما كنته الإعلامية. النتائج معروفة جيدا: فنظام الحكم غرق حتى النخاع بالتناقضات السياسية والدستورية والقانونية، وليس باستطاعته الخروج منها بسهولة مع أو دون ما كنته الإعلامية.
إن استمرار مواجهة السلطة لوسائل الإعلام النزيه والحد من عمل الصحفيين الشرفاء نقل الحقيقة، لا يدع مجالا للشك بأن “الديمقراطية الإعلامية” لا وجود لها بالمطلق. ولا وجود لمؤسسات إعلامية قوية مستقلة بالأصل، تجعل من الصعب على وسائل الإعلام التلاعب بالرأي العام. بيد أن “الديمقراطية الإعلامية” المزعومة لم تواجه اختبارا كهذا، ولم تتوقف عن تحريف أو إخفاء الحقائق عن الرأي العام. وفي النهاية، في الوقت الذي بإمكان المحرر البقاء بعيدا عن محاولة نسف الوقائع الحقيقية، تقديم نفسه، حين يحسن اختيار كل موضوع حساس بمهارة. كي لا يقع في تأثير “كارتيل” الدعاية المعبأة بشكل احترافي من قبل مؤسسة الأحزاب الإعلامية التي توفر الحماية الإعلامية للحزب بدل المشروع الوطني وأهميته بالنسبة لأبناء المجتمع.
ان هبوط المعايير المهنية والأخلاقية، وانعدام آفاق حرية التعبير الحقيقية وتحويل مسارها المهني بالتوازي مع سلوك الإعلام المأجور تسويف مفهوم “الديمقراطية الإعلامية”، ووهم “النيوليبرالية الإعلامية” لاجل المنافع والامتيازات. فأن أصحاب الديمقراطية الإعلامية المزعومة، لا بديل لديهم غير التعبير عن رأي الطبقة السياسية ونظام المحاصصة الطائفي الذي أغرق البلد بأسباب المشكلات وتنوعها بالضد من استكمال بناء الدولة على أسس صحيحة. الأمر الذي أدى إلى إضعاف ثقة الجمهور بالإعلام وإتساع دائرة تسويق الانحراف الإعلامي مدفوع الثمن، الذي لا يمثّل جوهر العمل الصحفي، بل يسيء إليه، ويُحمّل المهنة أعباء إضافية في معركة استعادة مصداقيتها.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر