منبر العراق الحر :
قراءة تأويلية في قول المرنم:
«الذي يغتاب صاحبه سرًا هذا أقطعه. مستكبر العين ومنتفخ القلب لا أحتمله» (مزمور 101: 5)
هناك آيات لا تُقرأ بوصفها وصايا، بل بوصفها مرايا. وما إن يقف الإنسان أمامها حتى يكتشف أنه ليس هو من يفسر النص، بل النص هو الذي يفسره. ومن هذه الآيات قول المرنم: «الذي يغتاب صاحبه سرًا هذا أقطعه. مستكبر العين ومنتفخ القلب لا أحتمله.» ففي ظاهرها إدانة للغيبة والكبرياء، أما في عمقها فهي تشريح لأخطر مرض أصاب الإنسان منذ أن أراد أن يكون سيدًا للحقيقة، لا تلميذًا لها.
النص لا يجمع بين الغيبة والكبرياء اعتباطًا، لأن الغيبة ليست خطيئة اللسان، بل ثمرة رؤية متكبرة للعالم. فاللسان لا يسبق القلب، بل يكشفه. وما يخرج من الفم ليس إلا السيرة الذاتية للروح. لذلك لم يبدأ المرنم بالكلمة، بل بالعين والقلب؛ لأن العين هي طريقة الإنسان في رؤية الوجود، والقلب هو المكان الذي تتشكل فيه تلك الرؤية قبل أن تتحول إلى لغة.
لكن ما هي الغيبة حقًا؟
نحن نتصورها عادة كلامًا سيئًا عن شخص غائب. غير أن هذا تعريف أخلاقي، لا يكشف جوهرها. أما في ضوء الكتاب المقدس، فيمكن النظر إليها بوصفها محاولة لإعادة تعريف إنسان لم نخلقه. فالله، في الرواية الكتابية، لا يخلق الأشياء فقط، بل يمنحها اسمها ومعناها. والإنسان لا يستمد كرامته من نظرة المجتمع إليه، بل من الكلمة التي نطقها الله فيه منذ البدء: أنه مخلوق على صورته ومثاله.
من هنا تصبح الغيبة أكثر من إساءة أخلاقية؛ إنها ادعاء ضمني بأن لي الحق في أن أكتب هوية أخي من جديد، وأن أستبدل الكلمة التي قالها الله عنه بكلمة أقولها أنا. إنها ليست مجرد تشويه لسمعة إنسان، بل محاولة لانتزاع سلطة ليست للإنسان أصلًا: سلطة تعريف الإنسان.
لهذا يبدو الحكم الإلهي قاسيًا: «هذا أقطعه.» لكنه ليس قسوة، بل كشف. فالذي يقطع الإنسان عن أخيه بالكلمة، يقطع نفسه أولًا عن شركة الحياة. إن الله لا يفرض على المغتاب عزلة لم يخترها، بل يكشف أن العزلة بدأت يوم تحولت الكلمة، التي خُلقت لتكون جسرًا، إلى سكين.
ولعل أكثر ما يلفت النظر أن المرنم لا يقول: “مستكبر القلب”، بل «مستكبر العين.» ذلك لأن الاستكبار يبدأ قبل الفكر، وقبل القرار، في الطريقة التي ننظر بها إلى الآخر. فهناك عين ترى الإنسان سرًا لا يُستنفد، وصورةً لله تستحق الوقار، وهناك عين لا ترى إلا موضوعًا للتقييم والتصنيف والسيطرة. الأولى تفتح باب اللقاء، والثانية تفتح باب الإدانة.
إن العين المتكبرة لا تنظر إلى الإنسان كما هو، بل كما تحتاجه صورتها عن نفسها. ولهذا فإنها لا تبحث عن الحقيقة، بل عن مادة تؤكد بها تفوقها. وما إن تجد عثرةً في الآخر حتى تجعل منها تعريفًا كاملًا له. وهكذا يتحول الإنسان، بكل تاريخه وآلامه وإمكاناته، إلى خطأ واحد. وليس هذا ظلمًا فحسب، بل اختزال للسر الذي أودعه الله في كل شخص.
ثم تأتي العبارة الأكثر إدهاشًا: «ومنتفخ القلب.» لم يقل المرنم “القلب العظيم”، بل “المنتفخ”. والانتفاخ، في لغة الجسد، علامة خلل لا علامة قوة. إنه امتلاء بالهواء لا بالحياة. وكأن النص يريد أن يقول إن الكبرياء ليست فائض وجود، بل نقص يحاول أن يتنكر في هيئة امتلاء. فالمتكبر لا يرتفع لأنه كبير، بل لأنه يخشى أن يُكتشف صغره. ولذلك يحتاج دائمًا إلى مقارنات، وإلى خصوم، وإلى جمهور يصفق، لأنه لا يستطيع أن يرى نفسه إلا في مرآة يصغر فيها الآخرون.
ومن هنا نفهم العلاقة العميقة بين الكبرياء والغيبة. فالمتكبر لا يستطيع أن يعيش في عالم يتساوى فيه الجميع في الكرامة، لأن مساواة الآخرين له تهدد الصورة التي بناها عن نفسه. فإذا عجز عن الارتفاع بالحقيقة، لجأ إلى خفض الآخرين بالرواية. وإذا لم يستطع أن يصير أعظم، حاول أن يجعل غيره أصغر. وهكذا تصبح الغيبة هندسة خفية للكبرياء، يبني بها الإنسان عرشًا من الكلمات.
وإذا جاز لنا أن نقرأ قصة السقوط الأولى قراءة تأويلية، فإن الشر لم يبدأ بالفعل، بل بتشويه صورة الله في وعي الإنسان. لقد تغيّرت الثقة قبل أن تُقطف الثمرة. ومنذ ذلك الحين، صار تاريخ الخطيئة يبدأ كلما استُبدلت الحقيقة برواية، والحضور بصورة، والإنسان بحكمٍ عليه. ولهذا يمكن أن نرى في كل غيبة تكرارًا لذلك المنطق القديم: منطق صناعة صورة عن الآخر في غيابه، ثم التعامل مع تلك الصورة كما لو كانت الحقيقة نفسها.
وفي زمننا الرقمي، لم تعد الغيبة همسًا في مجلس، بل أصبحت بنية ثقافية. بضغطة واحدة يمكن أن تُختزل حياة إنسان في عنوان، أو تُختطف سيرته في مقطع مبتور، أو يُدان قبل أن يُسمع صوته. لقد تضاعفت قدرة الكلمة على الوصول، لكن لم تتضاعف بالقدر نفسه مسؤولية الضمير. وهنا تبدو الآية القديمة وكأنها كُتبت لعصرنا؛ لا لأنها تنبأت بالتكنولوجيا، بل لأنها كشفت شيئًا أعمق: أن أدوات الإنسان تتغير، أما قلبه، إن لم يتجدد، فيعيد إنتاج الشر بأشكال جديدة.
غير أن النص لا يدعونا إلى الصمت، بل إلى قداسة الكلمة. فالمشكلة ليست في أن نتكلم، بل في أن ننسى أن الكلمة مشاركة في الخلق أو في الهدم. نحن نبني الإنسان بما نقوله عنه، أو نهدمه بما نردده فيه. ولذلك ليست المسؤولية الأولى للكلمة أن تكون بليغة، بل أن تكون أمينة للحقيقة، ورحيمة بالإنسان.
إن أجمل ما في الإعلان الكتابي أن الله لا يختزل الإنسان في أسوأ ما فعل. إنه يدين الخطيئة، لكنه لا يلغي الشخص. يرى السقوط، لكنه يرى أيضًا إمكانية القيامة. أما نحن، فكثيرًا ما نحكم على إنسان من فصل واحد في حياته، وننسى أن الله وحده يقرأ الكتاب كله. وبين قراءة الله وقراءة الإنسان تتحدد المسافة بين الرحمة والكبرياء.
لهذا لا يبدو غريبًا أن يعلن المرنم أن الله لا يحتمل العين المستكبرة والقلب المنتفخ. ليس لأن الله يضيق بالإنسان، بل لأن الاستكبار يضيق بالإنسان حتى يختزله في صورة صنعها لنفسه. والمحبة الإلهية، على النقيض من ذلك، تترك للإنسان دائمًا إمكانية أن يكون أكثر من أخطائه، وأوسع من سقوطه، وأغنى من الأحكام التي تُقال عنه.
ربما لهذا لا يكون السؤال الأخير يوم نقف أمام الله: كم كلمة قلنا؟ بل: أي عالم صنعته كلماتنا؟ هل جعلت الإنسان أكثر قدرة على أن يرى صورة الله في أخيه، أم أكثر استعدادًا لأن يستبدل تلك الصورة بصورة رسمها خوفه وكبرياؤه؟
إن أخطر ما يمكن أن يفعله الإنسان ليس أن يرفع صوته على أخيه، بل أن يطمس في الوعي الجمعي الوجه الذي أشرق عليه نور الله. فالإنسان لا يُقتل بالسيف وحده؛ قد يُقتل أيضًا حين تُمحى صورته الحقيقية تحت ركام الكلمات.
ومن هنا لا تعود الغيبة خطيئة لسان، ولا يعود الكبرياء مجرد عيب في الأخلاق. إنهما، في جوهرهما، محاولة صامتة لأن يكتب الإنسان الكلمة الأخيرة عن إنسان آخر، بينما الإيمان كله يقوم على حقيقة واحدة: أن الكلمة الأخيرة لا يقولها إلا الله.
رانية مرجية – تلفون 7077060-054
كاتبة اعلامية وموجهة مجموعات
منبر العراق الحر منبر العراق الحر