منبر العراق الحر :
مَنْ أكون؟
سَأَلْتَنِي: مَنْ أَنْتِ؟
قُلْتُ:
أَنَا آخِرُ نافِذَةٍ
نَجا زُجاجُها
مِنْ حَجَرِ الرِّيحِ.
أَنَا امْرَأَةٌ
تَعَلَّمَتْ أَنْ تُخَبِّئَ جَناحَها
كَيْ لا يَراهُ الَّذِينَ
يُجِيدُونَ كَسْرَ الطَّيَرانِ.
أَنَا قَصِيدَةٌ
أَضاعَ الشَّاعِرُ عُنْوانَها،
فَمَضَتْ حافِيَةً
تَبْحَثُ عَنْ جُرْحٍ
يَلِيقُ بِها.
أَنَا بِئْرٌ
كُلَّما انْحَنى العَطَشُ نَحْوِي
وَجَدَ قاعَهُ
أَبْعَدَ مِنَ الغُفْرانِ.
أَنَا شَجَرَةٌ
أَكَلَ الخَرِيفُ ظِلَّها،
وَظَلَّتْ واقِفَةً
كَأَنَّها تُحْرِجُ المَوْتَ
بِكُلِّ هَذا البَقاءِ.
أَنَا قَمَرٌ
لَمْ يَنْطَفِئْ،
لَكِنَّهُ
تَعِبَ مِنْ كَثْرَةِ الَّذِينَ
اسْتَعارُوا ضَوْءَهُ
ثُمَّ أَنْكَرُوهُ.
أَنَا يَدٌ
صافَحَتْ كَثِيرًا،
وَحِينَ احْتاجَتْ يَدًا
لَمْ تَجِدْ
سِوَى خُطُوطِها.
أَنَا امْرَأَةٌ
كُلَّما رَمَّمْتُ قَلْبًا
سَقَطَ مِنِّي حَجَرٌ.
كُلَّما قُلْتُ:
نَجَوْتُ،
عادَ الغَرَقُ
مِنْ جِهَةٍ
لَمْ أَنْتَبِهْ لَها.
أَنَا مِرْآةٌ
لا تَعْكِسُ الوُجُوهَ،
بَلْ تَكْشِفُ
ما يُحاوِلُ أَصْحابُها
إِخْفاءَهُ.
أَنَا بابٌ
أُغْلِقَ لا كَراهِيَةً،
بَلْ لِأَنَّ الَّذِي خَلْفَهُ
كانَ يَأْخُذُ مِنْ رُوحِي
أَكْثَرَ مِمَّا يُعِيدُ.
أَنَا تِلْكَ الَّتِي
دَفَنَتْ أَلْفَ «لِماذا»
تَحْتَ لِسانِها،
ثُمَّ ابْتَسَمَتْ
كَيْ لا يُقالَ:
إِنَّها لَمْ تَحْتَمِلْ.
أَنَا رَمادُ حَرِيقٍ
لَمْ يَعْرِفْ أَحَدٌ
مَنْ أَشْعَلَهُ،
لَكِنَّ الجَمِيعَ
جاؤُوا يَسْأَلُونَنِي:
لِماذا احْتَرَقْتِ؟
أَنَا آخِرُ ما تَبَقَّى
مِنِ امْرَأَةٍ
كانَتْ تَظُنُّ
أَنَّ الحَنانَ
وَطَنٌ.
فَهَلْ تُرِيدُ أَنْ تَعْرِفَنِي؟
اقْتَرِبْ…
لَكِنْ لا تَسْأَلْنِي
مَنْ أَنا.
اُنْظُرْ فَقَطْ
إِلَى هَذا الخَرابِ
الَّذِي ما زالَ
يُزْهِرُ فِيَّ…
وَسَتَعْرِف.
من ديواني : بعض مني
منية محمود
منبر العراق الحر منبر العراق الحر