منبر العراق الحر :….باحث في الشأن السياسي والاستراتيجي….
التقرير الاستراتيجي رقم 19: “العقدة الإيرانية”
في الوقت الذي تُحاط فيه «معادلة لوسيرن» بظلال من الشك والانقسام داخل أروقة واشنطن وتل أبيب، ينظر صناع القرار في طهران إلى هذه المقايضة (التي توازن بين تأمين مضيق هرمز والإفراج عن 25 مليار دولار من الأصول المجمدة) باعتبارها طوق نجاة استراتيجي ومناورة جيوسياسية شديدة الذكاء فرضتها حاجة الطرفين للتهدئة؛ أمريكا تريد حماية أمن الطاقة، وإيران تريد كسر الحصار المالي والنفطي الشامل عنها. بالنسبة للنظام الإيراني، لا تمثل هذه المعادلة تراجعاً، بل هي استثمار ناجح لـ “استراتيجية حافة الهاوية” التي مارستها طهران طوال الأشهر الماضية، محولةً قدرتها على التعطيل الميداني إلى أوراق ضغط دبلوماسية ثمينة في منتجع “بورغنشتوك” السويسري.
تنطلق القراءة الاستراتيجية الإيرانية لمعادلة لوسيرن من ركائز حيوية تمنح النظام فرصة تاريخية لالتقاط الأنفاس وترميم أوراقه السياسية والاقتصادية والميدانية:
تنفيس الاحتقان المعيشي وكسر العزلة المالية
يمثل الإفراج المشروط عن الـ 25 مليار دولار وتوجيهها نحو السلع الإنسانية والقمح الأمريكي والأوروبي شريان حياة حرج للاقتصاد الإيراني المنهك تحت وطأة العقوبات. من المنظور البراغماتي لطهران، فإن هذه الآلية – رغم صرامتها وتشديد الرقابة عليها – تتيح تحرير ميزانيات ضخمة من النقد الأجنبي كانت مخصصة للاستهلاك الداخلي، مما يسمح للنظام بإعادة ضخها في قنوات أخرى لدعم العملة المحلية المنهارة، وتخفيف الاحتقان الشعبي، وضمان استمرارية تمويل الحلفاء الإقليميين في المنطقة دون الانهيار تحت وطأة “الخنق الاقتصادي الكامل”. وتكتسب هذه الموارد أهمية إضافية في ظل التحديات الاجتماعية والاقتصادية المتراكمة داخل إيران، حيث تراهن الحكومة على أن يؤدي تخفيف الضغط المعيشي إلى احتواء موجات السخط الشعبي واستعادة جزء من الثقة المفقودة بالاقتصاد الوطني، خصوصاً بعد سنوات من التضخم المرتفع وتراجع القدرة الشرائية وتآكل قيمة العملة المحلية.
مهلة الـ 60 يوماً كـ “مساحة مناورة” وترميم للجبهات
لا تنظر طهران إلى مهلة الـ 60 يوماً كفترة جمود، بل كـ “نافذة استراتيجية” مالت فيها الكفة لصالحها؛ حيث نجحت في فرض تلازم المسارات بين أمن الملاحة في هرمز ووقف الحرب في لبنان واليمن. تمنح هذه التهدئة المؤقتة الحرس الثوري الإيراني وحزب الله فرصة ذهبية لإعادة التموضع اللوجستي، وترميم شبكات الاتصال والترسانة الصاروخية بعد الضربات الإسرائيلية القاسية، وضمان صياغة الهدن بشروط تمنع انكسار المحور ميدانياً وتحافظ على أوراق قوته للمستقبل.
مأسسة الردع المتبادل
وتعميق الانقسام الأمريكي-الإسرائيلي
النجاح الدبلوماسي الأكبر لإيران في لوسيرن هو تمكنها من إجبار إدارة ترامب (عبر خط جي دي فانس البراغماتي) على تقديم مصالحها الاقتصادية الخاصة والتضخم الداخلي على عقيدة “الضغط الأقصى الشامل” والطلبات الأمنية لإسرائيل. استبعاد تل أبيب عن الطاولة يُعد انتصاراً دعامته طهران في خطابها التعبوي؛ إذ يثبت للداخل وللحلفاء أن القوة العسكرية الإيرانية نجحت في عزل الموقف الإسرائيلي وجعلت واشنطن تفضل لغة “الصفقات والتنازلات” على خيار المواجهة المسلحة الشاملة.
من العزلة إلى الاعتراف المشروط
لا تنظر طهران إلى «معادلة لوسيرن» باعتبارها مجرد صفقة مالية أو هدنة ميدانية، بل تراها خطوة أولى نحو كسر أحد أخطر القيود التي فرضتها العقوبات الأمريكية خلال العقد الأخير: نزع الشرعية السياسية عن الدور الإيراني الإقليمي. فمن وجهة النظر الإيرانية، فإن ربط أمن مضيق هرمز واستقرار الجبهات الإقليمية بالتفاهم مع طهران يمثل اعترافاً غير مباشر بأن إيران ليست مجرد دولة خاضعة للعقوبات، بل لاعب لا يمكن تجاوز مصالحه في معادلات الأمن والطاقة في الشرق الأوسط. ولهذا السبب تتعامل النخبة الحاكمة مع لوسيرن باعتبارها بداية انتقال من سياسة الاحتواء إلى سياسة الاعتراف المشروط.
ومن هذا المنظور، لا تسعى طهران إلى رفع العقوبات فحسب، بل إلى تثبيت معادلة جديدة مفادها أن استقرار أسواق الطاقة وأمن الممرات البحرية في الخليج لم يعد ممكناً دون أخذ المصالح الإيرانية بعين الاعتبار.
البراغماتية تحت مظلة العقيدة
لا تنظر المؤسسة العقائدية الإيرانية إلى«معادلة لوسيرن» باعتبارها تراجعاً عن المبادئ الثورية، بل كامتداد لنهج قديم يقوم على المزاوجة بين العقيدة والبراغماتية السياسية. فمنذ نهاية الحرب العراقية الإيرانية، اعتادت القيادة الإيرانية تقديم التسويات المرحلية بوصفها أدوات لحماية النظام والدولة لا تخلياً عن الأهداف الاستراتيجية بعيدة المدى. ومن هذا المنطلق يمكن تسويق «معادلة لوسيرن» داخلياً باعتبارها “استراحة محارب” تتيح إعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية وتعزيز عناصر القوة الوطنية دون التخلي عن الثوابت العقائدية أو الإقليمية.
“في العقل الإيراني، لا تتناقض العقيدة مع البراغماتية؛ فالأولى تحدد الهدف، والثانية تحدد الطريق إليه.”
الخلاصة والتوجه الاستراتيجي:
تتعامل طهران مع «معادلة لوسيرن» كـ “اتفاق تكتيكي رابح” يمنحها الشرعية الدولية لبيع كميات محددة من النفط واستعادة أموالها دون تقديم تنازلات جوهرية تفكك برنامجها النووي أو نفوذها الإقليمي.
وفيما وراء مهلة الـ 60 يوماً، تخطط إيران لاستغلال الانقسام الداخلي في واشنطن بين فانس وروبيو؛ فهي ستلتزم بالهدنة بحذر شديد لتعزيز موقف الجناح البراغماتي في البيت الأبيض، مع الإبقاء على يد الحرس الثوري ضاغطة على زناد مضيق هرمز لضمان تحويل هذا “الحبل النجاتي المؤقت” إلى إطار دائم يرفع عنها الحصار المالي تدريجياً، ويحمي مكتسباتها الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
“ما تراه واشنطن تهدئةً مؤقتة… تراه طهران بداية اعترافٍ بدورٍ لا يمكن تجاوزه.”
منبر العراق الحر منبر العراق الحر