ملائكة الأهوار وعرس القاسم…. نعيم عبد مهلهل

منبر العراق الحر :

يوم يتحدث قارئ مأتم عاشوراء عن الحوريات اللاتي يحملن القاسم ابن الحسن (ع) قتيلًا، وقد فدى عمَّه الحسين (ع) وتخضَّبت ثيابُ عرسه بالدماء. ففي منتصف الطريق بين الأرض والسماء يجيء الملائكة ومنهن حورياتٌ لا يُوصف جمالهن لكثرة تفاصيل الحُسن فيه، يستلمن الجثمان من مشيّعي الأرض: “لقد أصبح من حصتنا، ونحن من سيرعاه، وسيكون له عرس جنان الخلد”.
ويمضي القارئ وسط ذهول وانشداد العيون الباكية لأهل القرية، ليصف جمال الحوريات بوصف لا يمكن أن يتخيل صورته هؤلاء الناس، ولا يصادفون منه شيئًا في بيئتهم البسيطة.
أنا مثلهم تخيلتُ الحوريات وقد جلستُ وسطهم أُنصت، وفي الليل حين أستعيد حوريات عاشوراء، أتخيل المكان وحورياته، عندما كان هذا المكان في الزمن القديم يُطلقون عليه اسم “جنة عدن” في امتداد جغرافي يبدأ من أور وحتى دلمون في البحرين.
أعود إلى خيالات الأمس عندما كنت أُمسك قلم الرصاص وأُخطِّط لشهيتي الطفولية وجهَ واحدة من الحوريات، فيدفع الليل إليَّ صدى صوت القارئ وأتخيلهن يخرجن من بين مياه الأهوار، كما في صورة حوريات البحر في الحكايات التي كنا نقرؤها في “ألف ليلة وليلة” أو نشاهدها في أفلام الرسوم المتحركة أو السينما.
هو ذاته خيال واحدة يسكن أوراقي ويقيم معي حوار الحلم، يوم رأيت الحرب تقترب من أمنيتي أن أظل خالدًا مع عطر هذا المكان حيث الماء والقصب وصباح الجواميس اللائي أصبحن “يُدَوزِنَّ” مشيتهن مع أغنيات فيروز المنبعثة من جهاز المذياع قبل موعد الاصطفاف الصباحي.
فتعود بي أيام حروب الخوف والبدلة التي تحمل لون التراب، يوم كنا نخشى طلقة البرنو من بندقية المحارب الكردي، لنلوذ بأحلام الحوريات، فكانت تلك الفانتازيا من بعضها.
عندما قرأت واحدةٌ، حورية دلمون، رغبتي وقالت: “في الحرب الأقدار ترسمها الآلهة”. قلت: “في الأرض الموت لم يكن بالهاجس الجميل. ولم نكن نتصور أن دلمون بتلك السحر، وكنا نعتقد أنها حكرٌ على الآلهة وحدها، رغم أننا كنا نمنح مشروعية تمني الذهاب إليها عندما يخطفنا قدرٌ ما”.
وبالرغم من هذا، لي والدة لو فارقتُها سيمزقها الحزن إلى أشلاء. وأمي لا تريد أن تحزن مرة أخرى، يكفيها حزنها الدائم على رحيل أخي في حرب برزان، الذي تذكرتُه الآن ووددتُ أن أسأل إن كان له بيتٌ في دلمون؟
مرة أخرى قرأت الحورية ما في رأسي وقالت: “نعم، بيته يبعد مسيرة ساعة من هنا بطيران فراشة”. تعجبتُ وتساءلت: أتُقاس المسافات هنا بطيران الفراشات؟ قالت: “نعم، لأن دلمون تُقرن كل الأشياء هنا بالرؤى الجميلة”.
ثم أدارت عنقًا من كريستال لمّاع، وأشارت بذات الأصابع النحيفة صوب الأفق الأخضر الذي تحيط به غابة صغيرة من نخل لم يكتمل نموه بعد. قالت: “ذاك منزل أُعِدَّ لوالدتِك”.
كانت صورة أمي بوجهها الجنوبي المألوف وعصابتها السوداء بلون الكحل، تضيء بلمعان الشمعة أول اشتعالها، وكانت تفرش بين شفتيها ذات الابتسامة التي أراها تشرق في وجهها مثل شمس جنوبية في واحدة من شتاءات أور، عندما كنت أعود سالمًا من جبهات القتال.
قلت: “ذلك منزل أمي. فأين منزلي إذا ملكتُ الحظ وصارت دلمون المأوى؟”
وفي انتظار تحديد مكان المنزل إن كان لي في دلمون نصيب، وبين حلم عرس أبي القاسم، حيث تنتظر الحواري القادمين من طف كربلاء بلهفة، وبين حوريات عدن ودلمون وطيف الأهوار… تسكنني حورية المخيال القديم في تلك الليالي البعيدة، فأشتاق لسماع مواويل رثاء ذلك الصوت الرخيم لقارئ مجلس عاشوراء، وبعد ذلك أشتاق لوجه أمي…!

قد تكون صورة بالأبيض والأسود لـ ‏طفل‏

اترك رد